الرئيسيةرأي

سليم عبد الكريم الهندي.. نحسن صناعة الموت ولا نحسن صناعة الحياة

في عالمٍ غارقٍ في الصراخ، نحسن رفع الرايات على أنقاض المدن، نحسن رثاء الضحايا، ونُتقن فنون العزاء… لكننا لم نتقن بعد فنون الحياة.

نعيش في مجتمعاتٍ تجيد إعداد الجنائز أكثر مما تجيد إعداد المستقبل. نغرس في أطفالنا بطولة الموت، ولا نغرس فيهم شغف الحياة، حتى صار الدم عندنا أرخص من الحلم، والشهادة أقرب من الرغيف.

لقد تحولت «ثقافة الموت» إلى مذهبٍ فكري، تبرره السياسة، وتغذّيه الخطابات الحماسية، وتُزيّنه المنابر التي لا تعرف من الدين إلا وجهه الصارم. نُصفّق لمن يموت، ولا نصفّق لمن يبني، ونكرّم من حمل السلاح أكثر مما نكرّم من حمل الكتاب أو الفكرة أو المِحراث.
هكذا تتكرّس المأساة: أمةٌ تجيد الحرب وتفشل في السلم، تجيد العنف وتجهل النهضة، تحفظ تاريخها من الدم، وتنسى أن الأمم تُبنى بالحياة لا بالمقابر.

ما بين الرغبة في الشهادة والحق في الحياة مساحة ضائعة من الوعي. لسنا ضد من يموت دفاعًا عن وطنٍ أو كرامة، لكننا ضد أن تتحول فكرة الموت إلى عقيدة مقدسة، وضد أن يُصبح «الرحيل» أكثر شرفًا من «البقاء». فالحياة هي ميدان الكرامة الأكبر، وهي معركة الوعي والبناء والمعرفة، لا ميدان الرصاص وحده.

لقد آن لنا أن نعيد تعريف البطولة. البطولة ليست أن تموت من أجل وطنك فقط، بل أن تعيش لتنهض به، أن تزرع شجرة في زمن الخراب، أن تُعلّم طفلًا الحلم، أن تُداوي جرحًا، أن تكتب كلمة حق، أن تبني بيتًا على أرضٍ مدمّرة. تلك هي البطولة التي تصنع الحياة.

في كل حربٍ نخرج بأسماء جديدة للشهداء، لكننا لا نخرج بأسماء جديدة للمبدعين أو المفكرين أو البنّائين. نُشيّع جيلًا بعد جيل، وننسى أن من حق هذه الأمة أن تتنفس.
نغضب حين تُقصف مدننا، لكننا لا نغضب حين تُقصف عقولنا بالتفاهة والجهل والخوف.
نثور حين يُقتل إنسان، ولا نثور حين يُقتل المعنى.

إن صناعة الحياة تبدأ من المدرسة والبيت، من الفكرة التي نزرعها في عقول أطفالنا. حين نُعلّمهم أن الإنسان قيمة، وأن الاختلاف ليس عدوًا، وأن المحبة ليست ضعفًا، حين نغرس فيهم أن «الحياة رسالة» لا مجرد انتظار للموت، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا نصنع الحياة.

نحن بحاجة إلى ثورةٍ في الفكر، لا في السلاح. إلى نهضةٍ في التربية والتعليم والثقافة، إلى وعيٍ جديد يدرك أن الإيمان بالحياة لا يناقض الإيمان بالله، بل هو جزء منه. فالله هو واهب الحياة، لا مُحب اَلموت.

ولعل أعظم ما يمكن أن نقدّمه لأوطاننا اليوم ليس الموت من أجلها، بل الحياة لأجلها. أن نحيا بكرامة، ونفكر بحرية، ونبني بإصرار.
عندها فقط، حين نحسن صناعة الحياة، لن يكون الموت بطولةً، بل محطةً طبيعية في مسيرة أمةٍ عرفت أخيرًا كيف تحيا.

“ليست البطولة أن تموت واقفًا، بل أن تحيا شامخًا رغم كل ما يُراد لك أن تنكسر.”

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى