تقارير ومنوعات

سدّ النهضة: وساطة أمريكية جديدة بين التعقيد والرهان

مركز العرب – سعد الشطانوفي

تظل قضية سدّ النهضة الإثيوبي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في منطقة حوض النيل، لما لها من تأثير مباشر على الأمن المائي لمصر والسودان، وارتباطها بنهر النيل الذي يمثل شريان الحياة لملايين البشر. ومع استمرار الجمود في المسار التفاوضي، عادت الوساطة الأمريكية إلى الواجهة مجددًا، في محاولة لإحياء حل سياسي ينهي نزاعًا مستمرًا منذ أكثر من 14 عامًا.

في هذا السياق، وبعد اجتماع جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش منتدى دافوس في شهر يناير 2026، صرّح ترامب باستعداده للتدخل مجددًا لجمع الرئيس السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا، مؤكدًا أن سدّ النهضة يُعد من أكبر سدود العالم، وأن الولايات المتحدة كانت طرفًا في تمويله، إلى جانب ما تتمتع به من علاقات وثيقة مع مصر. وأشار ترامب إلى ثقته في إمكانية التوصل إلى حل نهائي يضمن حقوق جميع الأطراف ويحقق الاستخدام العادل لمياه النيل، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويجنب المنطقة أي توترات مستقبلية.

من جانبه، ثمّن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذا التدخل، ووجّه الشكر لترامب على دعمه لمصر في قضية وصفها بـ«الوجودية»، مؤكدًا أن ملف المياه يمثل مسألة حياة أو موت للشعب المصري. كما شدد السيسي على حرص مصر الدائم على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل وفقًا لمبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إلحاق ضرر بأي طرف، وهي الثوابت التي يقوم عليها الموقف المصري.

وتأتي هذه التحركات في ظل واقع جديد فرضته إثيوبيا، بعد إعلانها اكتمال أكثر من 99% من الأعمال الإنشائية في السد، والانتهاء من مراحل الملء الخمس، وبدء التشغيل الكامل للتوربينات لتوليد الكهرباء، مما جعل السد أمرًا واقعًا ببحيرة تخزين ضخمة. وهو ما دفع مصر والسودان إلى تعديل استراتيجيتهما، والتركيز على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيل السد وإدارته، خاصة في فترات الجفاف.

يُذكر أن عرض ترامب الحالي ليس الأول من نوعه، بل امتداد لمسار وساطة بدأ خلال ولايته الأولى، حين استضافت واشنطن جولات مفاوضات ماراثونية عام 2020 بمشاركة وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي. وأسفرت تلك الجهود عن صياغة ما عُرف بـ«اتفاق واشنطن»، الذي وقّعت عليه مصر والسودان بالأحرف الأولى، بينما رفضته إثيوبيا في اللحظات الأخيرة.

وعلى الرغم من توقف المفاوضات الثلاثية رسميًا منذ أواخر عام 2023، بعد إعلان القاهرة فشل المسارات التفاوضية بسبب التعنت الإثيوبي، فإن المبادرة الأمريكية الجديدة لا تنطلق من نقطة الصفر، بل تستند إلى الاتفاق السابق، مع التركيز على قواعد التشغيل وإعادة الملء، وتبادل البيانات والمعلومات الفنية، بما يضمن عدم إلحاق ضرر جسيم بدولتي المصب.

في المقابل، تبدي إثيوبيا تحفظًا تجاه الدور الأمريكي، حيث يؤكد مسؤولون إثيوبيون أن السد مشروع سيادي وأمر واقع، مرحبين بالوساطة من حيث المبدأ، لكنهم يرفضون أي مسار يُستخدم كأداة ضغط أو يُنظر إليه على أنه منحاز لطرف بعينه.

وبين الموقف الإثيوبي المتصلب والانفتاح المصري المشروط، يرى خبراء أن نجاح الوساطة الأمريكية مرهون بمدى جدية واشنطن في ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية حقيقية، وباستعداد الأطراف كافة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة اتفاق قانوني ملزم، يضمن الحقوق المائية، ويحافظ على استقرار المنطقة، ويصون نهر النيل من أن يتحول إلى بؤرة صراع بدلًا من كونه مصدرًا للتعاون والتنمية المشتركة.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى