دراساتسياسية

“سباق القوى الكبرى في إفريقيا العربية: تحديات الأمن والاستقرار”

إعداد الباحثة: رنا محمد عياد.

في السنوات الأخيرة، شهدت إفريقيا العربية تصاعدا ملحوظا في حدة التنافس بين القوى الكبرى باعتبارها منطقة تمزج بين الثقل الاستراتيجي والثراء بالموارد الطبيعية، وفي الوقت ذاته تعاني من تعقيدات أمنية وسياسية متشابكة. هذا التنافس لم يقتصر على المجالين الاقتصادي والاستثماري، بل امتد ليشمل الأبعاد العسكرية والسياسية، الأمر الذي ألقى بظلاله على الاستقرار الداخلي والأمن الإقليمي في دول مثل ليبيا والسودان وموريتانيا وتشاد.

تتمتع إفريقيا العربية بموقع جغرافي فريد يجعلها همزة وصل بين القارات، حيث تطل على كل من المحيط الأطلسي والبحر الأحمر، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية تمثل شرايين أساسية للتجارة العالمية، أبرزها مضيق باب المندب وقناة السويس، وإلى جانب موقعها، تتمتع المنطقة بثروات طبيعية متنوعة تشمل النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية اللازمة للتحول الطاقوي العالمي، إضافة إلى موارد زراعية ومائية واسعة ومصايد سمكية غنية.أما على الجانب الآخر فإن هذه المزايا تقابلها تحديات معقدة تتمثل في النزاعات الداخلية، وضعف البنى السياسية، والتغير المناخي، وظاهرة الهجرة، مما جعل المنطقة مجالا مفتوحا لتدخلات خارجية متباينة.

وفي ظل هذه المعطيات، برزت تناقضات المصالح بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية تسعى لترسيخ نفوذها في المنطقة. وتنوعت دوافع هذه القوى بين البحث عن النفوذ السياسي، وضمان الوصول الآمن للموارد، وبسط السيطرة على الممرات الاستراتيجية. ومن هنا تبرز أهمية تحليل انعكاسات هذا الصراع الدولي على مستقبل المنطقة وفرصها في تجاوز الأزمات نحو تعزيز الاستقرار والتنمية. وعليه يتناول هذا المقال الخلفية التاريخية والجغرافية للدول المعنية، ويحلل أدوار القوى الدولية الرئيسية، ثم يستعرض انعكاسات هذا التنافس على الأمن والاستقرار، وصولا إلى مناقشة الفرص والتوصيات الكفيلة بتقليل حدة التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

أولاً: خلفية تاريخية وجغرافية للدول المستهدفة:

تعد منطقة إفريقيا العربية بما تضم من دول مثل ليبيا والسودان وموريتانيا وتشاد، ساحة مركزية للتنافس الدولي في السنوات الأخيرة، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية مع وفرة الموارد الطبيعية وتعقيدات البنية الداخلية. فليبيا، الواقعة على البحر المتوسط بحدود طويلة مع أوروبا، لا تملك احتياطيات نفطية ضخمة بل وأيضا إنتاجا يصل في أوقات الاستقرار إلى أكثر من 1.2 مليون برميل يوميًا وفقا لتقديرات 2023، بل تحولت منذ سقوط نظام القذافي عام 2011 إلى مسرح مفتوح لتدخلات خارجية مباشرة، سواء عبر الدعم العسكري لفصائل متنازعة أو من خلال عقود اقتصادية تسعى قوى مثل روسيا وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة إلى الفوز بها، ويضاعف من أهمية ليبيا موقعها كأحد أهم معابر الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، ما جعلها محل تفاوض أمني مستمر مع الاتحاد الأوروبي. أما السودان، فهي تمثل عقدة جغرافية وسياسية بالغة الحساسية؛ إذ تجمع بين منابع النيل وأراضي زراعية شاسعة، وتشرف على البحر الأحمر، مما يجعلها محط أنظار القوى الكبرى الساعية لتأمين الممرات البحرية الحيوية وربطها بمبادرات استراتيجية مثل “الحزام والطريق” الصينية. غير أن الحرب الأهلية الدائرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع حولت الدولة إلى بؤرة صراع تستقطب دعما وتسليحا غير مباشر من أطراف خارجية، والتي بدورها تسببت في أزمة إنسانية كبرى تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي، هذا وفضلا عن نزوح ملايين المدنيين.

أما موريتانيا، ورغم ما يظهر عليها من استقرار نسبي مقارنة بجيرانها، فهي تكتسب أهمية مضاعفة لاعتبارين أساسيين: موقعها على الساحل الأطلسي بما يوفره من منفذ استراتيجي، ومواردها الطبيعية المتنوعة التي تشمل ثروة سمكية ضخمة، واحتياطات الغاز الطبيعي المشتركة مع السنغال في مشروع “السلحفاة الكبرى” الذي استقطب استثمارات غربية ضخمة، إلى جانب ذلك تعد موريتانيا إحدى بوابات العبور بين المغرب العربي ومنطقة الساحل، ما يجعلها معنية بموجات الهجرة غير الشرعية والتهريب العابر للحدود. وبالنسبة لتشاد، فهي دولة حبيسة في قلب إفريقيا، تطل على محيط إقليمي مشتعل بالصراعات (من ليبيا والسودان إلى جمهورية إفريقيا الوسطى ونيجيريا)، وتواجه تهديدات مستمرة من جماعات متمردة عابرة للحدود، وعلى الرغم من إنتاجها النفطي المحدود نسبيا (124 ألف برميل يوميا تقريبا وفقا لعام 2023)، فإن موقعها الاستراتيجي جعلها محورا لتواجد عسكري فرنسي طويل الأمد، وفي السنوات الأخيرة لمحاولات روسية للتغلغل عبر قنوات أمنية غير رسمية، ما جعلها ساحة اختبار لتنافس النفوذ التقليدي والناشئ في إفريقيا، وبالتالي يتضح أن إفريقيا العربية ليست مجرد فضاء جغرافي متنوع، بل هي منطقة استراتيجية تجمع بين المتوسط والأطلسي والبحر الأحمر، وتختزن موارد نفطية وزراعية ومعدنية حيوية تدخل في صلب الاقتصاد العالمي، لا سيما مع تصاعد الطلب على الطاقة والمعادن الاستراتيجية اللازمة للتحول نحو الطاقات المتجددة، غير أن هشاشة مؤسسات الدولة، والانقسامات الداخلية، والتأثيرات المدمرة للتغير المناخي، تجعل من هذه الدول أرضا خصبة لتنافس خارجي يأخذ أشكالا متعددة من التدخل العسكري المباشر، إلى إبرام صفقات اقتصادية غير متوازنة، وصولا إلى استخدام الأزمات الداخلية كأداة للضغط والنفوذ. ومن ثم، فإن هذه المنطقة باتت تمثل نموذجا صارخا لكيفية تقاطع الجغرافيا والموارد مع التنافس الدولي، بما يطرح تحديات جادة أمام الأمن والاستقرار في إفريقيا والعالم العربي على السواء.

ثانياً: تحليل دور القوى الكبرى:

في خضم التنافس الدولي على إفريقيا العربية، تلعب الولايات المتحدة والصين وروسيا أدوارا متباينة لكنها متقاطعة في كثير من الأحيان، إذ تسعى كل قوة كبرى إلى ترسيخ نفوذها بوسائل مختلفة. فالولايات المتحدة، عبر القيادة العسكرية لإفريقيا بإنشاء (AFRICOM) التي تأسست عام 2007 التي تعتبر الأمن ومكافحة الإرهاب أولويتها الأساسية، حيث تشرف على ما يقرب من 30 موقعا عسكريا في القارة، وتستخدم قواعد استراتيجية مثل قاعدة “كامب ليمونيير” في جيبوتي التي تضم نحو 4000 جندي أمريكي، لتأمين البحر الأحمر والمحيط الهندي ومراقبة أنشطة الجماعات الجهادية العابرة للحدود، وعلى الصعيد الاقتصادي، برزت واشنطن في السنوات الأخيرة كمنافس رئيسي في سباق الحصول على المعادن الاستراتيجية الضرورية للتحول العالمي للطاقة النظيفة، مثل الكوبالت والليثيوم واليورانيوم، حيث يتركز 30% من الاحتياطيات العالمية لهذه المعادن في إفريقيا. ومن هذا المنطلق، أطلقت الولايات المتحدة مبادرات مثل Minerals Security Partnership (MSP) في 2022 لتقليل الاعتماد على الصين. كما تراهن واشنطن على شراكات دبلوماسية مع دول أكثر استقرارا مثل المغرب وموريتانيا، لتعزيز وجودها الأمني دون التورط في حروب أهلية مفتوحة كما في السودان أو ليبيا.

في المقابل، توسع الصين حضورها من خلال أدوات اقتصادية بالدرجة الأولى، إذ تعد القارة الإفريقية الوجهة الثانية عالميا لاستثماراتها في إطار مبادرة “الحزام والطريق”. فحتى 2023، تجاوز حجم التجارة بين الصين وإفريقيا 282 مليار دولار من بينها مليارات موجهة نحو مشروعات بنية تحتية في إفريقيا العربية مثل خطوط السكك الحديدية، ومشروعات النفط في السودان، واتفاقيات الصيد البحري والموانئ في موريتانيا. ورغم تبني بكين خطاب “عدم التدخل”، فإنها عمليا تعزز حضورها الأمني من خلال شركات أمنية خاصة مكلفة بحماية الاستثمارات ومشروعات الطاقة، إضافة إلى عمليات إجلاء كبرى لمواطنيها، مثلما حدث عام 2011 حين أجلت أكثر من 35 ألف مواطن صيني من ليبيا في واحدة من أضخم عمليات الإجلاء في تاريخها الحديث.

أما روسيا، فقد وجدت في هشاشة الدولة والنزاعات الداخلية فرصة مثالية للتوسع عبر أدوات غير تقليدية، فبعد دور مجموعة فاغنر في ليبيا منذ 2019، برزت اليوم قوات “Africa Corps” كأداة بديلة لتثبيت النفوذ الروسي من خلال توفير مستشارين عسكريين، وتدريب قوات محلية، والمشاركة في حماية المنشآت النفطية والذهبية، ويلاحظ أن روسيا تميل إلى استغلال حالات الفراغ، إذ تفاوضت منذ 2020 على إنشاء قاعدة بحرية في ميناء بورتسودان تمنحها موطئ قدم على البحر الأحمر بطاقة استيعابية لأربع سفن حربية، بينها سفن تعمل بالطاقة النووية، وعلى صعيد الاقتصاد العسكري، تعد روسيا ثاني أكبر مصدر للسلاح إلى إفريقيا ـ بعد الصين ـ حيث مثلت صادراتها نحو 26% من واردات السلاح الإفريقي بين 2018 و2022 وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI). وبذلك، يتضح أن موسكو لا تسعى فقط للنفوذ السياسي بل أيضا لتوظيف أدواتها العسكرية والاقتصادية كوسيلة لمواجهة العزلة الغربية وتعويض الخسائر الناجمة عن العقوبات بعد حرب أوكرانيا.

ثالثاً: أثر التنافس على الأمن والاستقرار:

التنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا العربية له أثار عميقة ومباشرة على الأمن والاستقرار المحلي والإقليمي. إذ أن دعم قوى خارجية لفصائل محلية في نزاعات كهذه لا يطيل فقط أمد العنف بل يعمق انقسامات مجتمعية وسياسية يصعب بعدها تجاوزها سياسيا، كما نرى في السودان حيث أدت الحرب منذ أبريل 2023 إلى نزوح جماعي ضخم أكثر من 8 إلى 10 ملايين شخص نزحوا داخليا وخارجيا بحسب تقديرات الأمم المتحدة والتقارير الإنسانية، مما خلق فراغا إنسانيا وسياسيا يستغله اللاعبون الخارجيون لتثبيت قدمهم،  وفي ليبيا، تقلبات إنتاج النفط والاعتماد الكبير على عائداته يجعل كل صفقة أمنية أو اقتصادية تمولها جهة خارجية عاملا يغير موازين القوى المحلية: فليبيا كانت حتى فترة قريبة من بين كبار منتجي النفط في إفريقيا بإنتاج متذبذب قد يصل إلى أكثر من مليون برميل يوميًا في أوقات الاستقرار، وهو ما يفسر سعي أطراف دولية للسيطرة على مرافق وموانئ الطاقة كمدخل للنفوذ والموارد.

كل هذه التدخلات لا تنعكس فقط على ساحات القتال بل تولد أيضا أزمات إنسانية واجتماعية واقتصادية، كموجات الهجرة والاتجار بالبشر المتصلة بليبيا والبحر المتوسط التي بلغت ارقاما كبيرة ، فقد سجلت المنظمات الدولية مئات الآلاف من محاولات العبور نحو أوروبا في 2023، بينما شكلت ليبيا مصدر انطلاق لنحو 42 ألف وافد بحري إلى إيطاليا في موجات عام 2024، ما يؤكد أن التداخل بين الفوضى الداخلية والاتفاقات الأمنية الخارجية له تبعات تتطلب استجابات دولية وإقليمية.

من ناحية أمنية بحتة، يسهل التدفق المكثف للأسلحة والمستشارين العسكريين عبر الخطوط استمرارا للعنف؛ فالتجارة العالمية للأسلحة والتدفق غير المتوازن للأنظمة العسكرية جعل جزءا من القارة عرضة لتسليح الفصائل الحكومية وغير الحكومية، وهذا ما تكشف عنه بيانات معاهد رصينة حول اتجاهات نقل الأسلحة إلى إفريقيا خلال فترات حديثة، مما ساهم في تحويل نزاعات محلية إلى صراعات طويلة الأمد ذات أبعاد إقليمية.

اقتصاديا واجتماعيا، فالاستثمارات الخارجية الكبرى في البنية التحتية والطاقة لا تضمن بالضرورة فوائد مباشرة للمجتمعات المحلية، فكثير من المشاريع تظل مركزة على استخراج الموارد أو الممرات اللوجستية دون استثمار كافٍ في تشغيل القوى العاملة المحلية أو تعزيز سلاسل القيمة الوطنية، الأمر الذي يزيد من إحساس السكان بالإقصاء ويغذي جذور الاحتقان الذي تستغله الجماعات المسلحة أو الأصوات المناهضة للنفوذ الأجنبي. ومع تفاقم التغير المناخي ـ جفاف ممتد، شح موارد مائية ـ تتقاطع هذه الضغوط لتزيد من نقطة هشاشة الدولة، فتتضاعف مخاطر النزوح الداخلي والاعتماد على موارد مدفوعة من جهات خارجية مقابل تنازلات سيادية.

ولأن النزاعات في هذه الدول نادراً ما تظل محلية، فإن استقطاب قوى كبرى يؤدي إلى تصدير عدم الاستقرار عبر الحدود (تهريب أسلحة ومقاتلين، ضغط هجرات جماعية، وتدهور الاقتصادات المحلية) ما يضع البلدان المجاورة والمجتمع الدولي أمام تحديات أمنية وإنسانية معقدة تتطلب استجابات متكاملة تجمع ضبط الحدود، مبادرات تنموية محلية قابلة للقياس، وآليات رقابة دولية على مبيعات السلاح والاتفاقات الأمنية لتقليل مخاطر تحويل الأزمات الوطنية إلى صراعات إقليمية دائمة.

رابعاً: فرص الحل والتوصيات:

في ضوء ما يواجهه الفضاء العربي الإفريقي من تحديات متشابكة بفعل التنافس الدولي على موارده وموقعه الاستراتيجي، يصبح البحث عن حلول عملية ضرورة ملحة لضمان قدر من الاستقرار والتنمية هذه الحلول لا تقتصر فقط على البعد الأمني، بل تشمل أيضا تشمل مسارات التعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية والإصلاح الداخلي، بما يجعل المنطقة أقل هشاشة أمام التدخلات الخارجية وأكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها.

. 1 تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول العربية الإفريقية: والذي يعد مدخلا أساسيا لتخفيف حدة التدخلات الخارجية، فالتجارب أثبتت أن غياب آليات تنسيق فعالة في قضايا مثل مراقبة الحدود أو مكافحة الإرهاب جعل دول المنطقة ساحة مفتوحة للجماعات المسلحة والقوى الكبرى التي تنمو بملء “الفراغ الأمني”. من هنا تبرز أهمية إقامة منتديات عربية إفريقية مشتركة تعنى بالتنسيق الأمني، وتوقيع اتفاقيات شفافة لمراقبة الاستثمارات الأجنبية، خاصة في القطاعات الحيوية كالمياه والبنية التحتية والموانئ. على سبيل المثال، مبادرة “مجموعة العمل حول الساحل” التي انطلقت عام 2023 يمكن أن تكون نموذجا لتوسيع التعاون العربي الإفريقي، لكن بشرط أن تقاد من الداخل لا من الخارج.

. 2 التركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية يشكل خط الدفاع الحقيقي ضد هشاشة الدولة: فالتقارير الأممية تظهر أن 60% من سكان إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون تحت خط الفقر، وأن المناطق الريفية في السودان وتشاد وليبيا هي الأكثر عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة، وبالتالي لا يمكن معالجة الأزمات الأمنية دون استثمار حقيقي في التعليم والصحة والبنية التحتية، وضمان أن تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى فرص عمل محلية ونقل للتكنولوجيا، بدل أن تكون مجرد استنزاف للموارد، كما أن دعم اقتصادات الريف والمناطق المهمشة يقلل من دوافع الشباب للهجرة غير الشرعية أو الانضمام إلى جماعات متمردة.

. 3 الضغوط والمبادرات الدبلوماسية الموحدة تشكل أداة مهمة في موازنة النفوذ الخارجي: فغياب موقف عربي أو إفريقي موحد سمح بتعدد القواعد العسكرية في جيبوتي مثلا، حيث تتواجد خمس قوى كبرى في مساحة صغيرة لا تتجاوز 23 ألف كم². لذلك يصبح تبني خطاب عربي إفريقي مشترك يرفض التدخل غير المنظم ويفرض معايير واضحة للصفقات العسكرية والاستثمارات ضرورة قصوى. كما أن استخدام المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لدعم هذه المواقف يمنحها شرعية أوسع، على سبيل المثال قرار الاتحاد الإفريقي لعام 2022 بشأن منع التوسع في القواعد الأجنبية دون موافقة إقليمية يعكس وعيا متزايدا بضرورة حماية السيادة الوطنية.

  1. 4. الإصلاح الداخلي للدولة يظل الركيزة الأساسية لضمان الاستقرار على المدى الطويل: فالتاريخ يؤكد أن الدول الأكثر عرضة للتدخل الخارجي هي تلك التي تعاني من فساد وضعف مؤسساتي وانقسامات سياسية، لذا يصبح تحسين الحوكمة ومحاربة الفساد وضمان مشاركة سياسية أوسع وحقوق إنسان حقيقية عاملا رئيسيا لتعزيز شرعية الدولة، كما أن بناء مؤسسات أمنية مهنية ومحايدة تخضع للرقابة البرلمانية والشعبية، يقطع الطريق على استغلالها من قبل قوى خارجية أو نخب محلية مرتبطة بالخارج. إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز الأمن البشري عبر حماية المدنيين وتبني سياسات عادلة تجاه اللاجئين والنازحين، يقلل من الأزمات الإنسانية التي غالبا ما تستغل كذريعة للتدخل الدولي.

ختاما، فإن المواجهة بين القوى الكبرى في إفريقيا العربية ليست مجرد تنافس اقتصادي أو استثماري، بل هي معركة على النفوذ السياسي، السيطرة الأمنية، والقدرة على تحديد مسارات التنمية، وبالتالي فإن الاستقرار الإقليمي يتطلب أن تجد الدول المعنية توازنا بين الاستفادة من الاستثمارات الخارجية وضمان سيادتها واستقلالية قراراتها، لذلك إن السبيل للأمن الحقيقي لا يمر فقط بالقوة العسكرية، بل بالشرعية الداخلية، التنمية الشاملة، والتعاون العربي الإفريقي الموحد ،إذن على السياسات العربية أن تعيد رسم استراتيجياتها لتكون فاعلة واقعية تحمي مصالح شعوبها وتُبنى على أساس قوة الدولة الداخلية لا على تبعيتها الخارجية.

المراجع:

  1. Krukowska, M. M. (2024). China’s security relations with Africa in the 21st century. Security and Defence Quarterly, 46(2),4:23. https://securityanddefence.pl/China-s-security-relations-with-Africa-in-the-21st-century%2C190066%2C0%2C2.html
  2. China’s military and private security inroads in Africa, GIS Reports, 6 2024.https://www.gisreportsonline.com/r/china-africa-military-private-security/
  3. The US is Losing the Great Power Competition in Africa, American Security Project، 2024. https://www.americansecurityproject.org/the-u-s-is-losing-the-great-power-competition-in-africa/?utm_source=chatgpt.com
  4. Guardians of the Belt and Road, MERICS Report.https://merics.org/en/report/guardians-belt-and-road
  5. China’s Bid for a Bigger Security Role in Africa, US Institute of Peace (USIP)، 2024. https://www.usip.org/publications/2024/09/chinas-bid-bigger-security-role-africa
  6. Notte, Hanna. Russia Is Shrewdly Playing the Long Game in Africa, War on the Rocks، 2025.https://warontherocks.com/2025/09/russia-is-shrewdly-playing-the-long-game-in-africa/
  7. Sudan says plan for first Russian naval base in Africa will go ahead, The Guardian، 2025. https://www.theguardian.com/world/2025/feb/13/sudan-first-russian-naval-base-in-africa-go-ahead
  8. A U.S. Sahel Strategy Anchored in Morocco and Mauritania, New Lines Institute، 2025.https://newlinesinstitute.org/strategic-competition/a-u-s-sahel-strategy-anchored-in-morocco-and-mauritania/
  9. Competing for Africa’s Resources: How the U.S. and China Invest in Critical Minerals, Stimson Center، 2025.https://www.stimson.org/2025/competing-for-africas-resources-how-the-us-and-china-invest-in-critical-minerals/
  10. What Has Become of Mauritania’s Fishermen…, Global Voices، 2025.https://globalvoices.org/2025/08/04/what-has-become-of-mauritanias-fishermen-fifteen-years-after-the-authorities-signed-an-agreement-with-china/
  11. Reuters. Russia says plan to boost role in Africa includes ‘sensitive’ security ties, 9 2025. https://www.reuters.com/world/europe/russia-says-plan-boost-role-africa-includes-sensitive-security-ties-2025-06-09/
  12. AP News. Wagner Group leaving Mali after heavy losses but Russia’s Africa corps to remain ,2025.

https://apnews.com/article/b29349be737cbc14dfc435b3536711eb

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى