رامي زهدي يكتب.. «دول انتهت وذهبت ولن تعود.. ولن تكون من بينها ليبيا»
الكاتب خبير الشؤون الإفريقية — نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات
دول انتهت وذهبت ولم تعد، أضحت مجرد صفحات في كتب التاريخ أو أسماء ترددت في الأخبار وتلاشت مع الزمن، دول ضاعت في دوامة الانقلابات والصراعات المسلحة لعقود، ودول تحطمت مؤسساتها تحت وطأة الحروب الداخلية، وأخري غرقت في صراع طويل أجهز على بنية الدولة وأحلام شعبها، كلها نماذج تشير إلى مصير أي دولة تفقد سيطرتها على مؤسساتها، وتغرق في الانقسامات الداخلية، وتتخلى عن إرادتها في مواجهة تحديات السيادة.
ليبيا، رغم كل الصراعات والانقسامات التي عانت منها منذ 2011، تختلف جوهريا عن هذه التجارب، فهي ليست مجرد تجربة سياسية عابرة، بل مشروع دولة وشعب يمتلك موارد طبيعية، موقعا استراتيجيا، ومجتمعا مدنيا ما زال قادرا على الصمود، وهو ما يجعلها حالة استثنائية في شمال أفريقيا والعالم العربي.
الأزمة الليبية تراكمت على مدار أكثر من عقد، شملت الانقسام الجغرافي والسياسي بين الشرق والغرب، وجود حكومات موازية، صراع على الموارد، ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار المليشيات المسلحة التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد والمجتمع.
الأمم المتحدة تشير إلى نزوح أكثر من مليون ليبي داخليا وخارجيا، مع تراجع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 80 مليار دولار قبل 2011 إلى نحو 32 مليار دولار حاليا، أي بانخفاض يقارب 60%. إنتاج النفط، الذي يشكل 48% من الناتج المحلي و80% من الإيرادات الحكومية، تراجع من 1.6 مليون برميل يوميا قبل 2011 إلى أقل من 700 ألف برميل في فترات متقطعة نتيجة النزاعات على الحقول والموانئ.
الأحداث الأخيرة، بما فيها الإعلان عن مقتل سيف الإسلام القذافي، تعكس استمرار الانقسام وعدم الاستقرار، لكنها أيضا تظهر قدرة المجتمع الليبي على الصمود أمام الصراعات الداخلية والخارجية.
ليبيا ليست دولة عاجزة، بل تملك موارد طبيعية هائلة، منها النفط والغاز، وتربة صالحة للزراعة تمتد على أكثر من 2.5 مليون هكتار، وإمكانيات ضخمة لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى موقع استراتيجي على البحر المتوسط يجعلها بوابة مهمة لشمال أفريقيا وأوروبا.
الدول التي انتهت ولم تعد، تشترك في أخطاء جوهرية منها انهيار مؤسسات الدولة، الانقسامات السياسية العميقة، الصراع على الموارد، التدخلات الأجنبية المباشرة أو غير المباشرة، وفشل الإدارة الاقتصادية.
الحالة العراقية بعد 2003 شهدت انهيار مؤسسات الدولة وتحول الصراع على السلطة والموارد إلى نزاع دائم، سوريا منذ 2011 غرقت في حروب أهلية أجهزت على مؤسساتها، والصومال طوال العقود الماضية لم تتمكن الدولة من فرض سيطرتها على كامل أراضيها.
ليبيا يمكنها تفادي هذه الأخطاء من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون، وضمان وحدة سياسية تشمل كل الأطراف الليبية، ودمج القوات المسلحة والمليشيات ضمن هيكل رسمي للدولة، مع مراعاة توزيع السلطة بشكل متوازن بين الشرق والغرب والمناطق الجنوبية.
القدرة على الصمود ليست اقتصادية فحسب، بل اجتماعية أيضا، حيث يبلغ عدد السكان نحو 7 ملايين نسمة، مع نسبة كبيرة من الشباب تحت سن الثلاثين، وهو عنصر حاسم لإعادة بناء الدولة والمجتمع المدني.
وأكثر من 60% من السكان قادرون على الانخراط في مشاريع تنموية إذا توافرت السياسات والإرادة.
البنك الدولي يشير إلى أن إعادة تشغيل الحقول النفطية بالكامل قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20 إلى 25 مليار دولار سنويا، بينما مشاريع الطاقة المتجددة يمكن أن تخلق نحو 50 ألف فرصة عمل خلال خمس سنوات، وتعزز استقلال الطاقة وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
السياسة الداخلية تتطلب وحدة وطنية حقيقية، تفعيل مؤسسات البرلمان والحكومة الموحدة، ضمان فصل السلطات، وتعزيز سيادة القانون، والالتزام بمبدأ الشراكة الوطنية بين كل القوى الليبية أمر حاسم، لأن أي تقدم اقتصادي أو اجتماعي لن يتحقق دون استقرار سياسي شامل.
على جميع الأطراف الالتزام بخارطة طريق واضحة لإعادة بناء الدولة، مع وضع جدول زمني للانتخابات، وتفعيل مؤسسات العدالة، وضمان حقوق الأقليات والمناطق المهمشة، خصوصا في الجنوب الشرقي وغرب ليبيا.
الجانب الأمني يتطلب دمج المليشيات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، وتفكيك الهياكل غير الرسمية التي تؤدي إلى تفشي الفوضى.
تجارب جنوب أفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري، وفنزويلا في دمج القوات المسلحة السابقة، تؤكد أن دمج القوى المسلحة ضمن هيكل الدولة الموحد يعزز الأمن الداخلي ويحد من انتشار الفوضى ويعيد سلطة الدولة إلى مناطق كانت خارج السيطرة.
المجتمع المدني الليبي هو الضامن الحقيقي لاستمرارية الدولة، عبر لعب دور الوسيط بين الأطراف المختلفة، والمساهمة في التعليم والتثقيف المدني، وتعزيز ثقافة الحوار والمصالحة الوطنية.
إعادة بناء المدارس والمستشفيات ومراكز التدريب الفني أمر بالغ الأهمية لإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وكذلك تعزيز الإعلام المحلي المستقل الذي يمثل صوت الشعب دون أجندات خارجية.
من المطلوب من الجميع الالتزام بمصلحة ليبيا العليا: فعلى الليبيين تجاوز الخلافات وتحمل المسؤولية الوطنية، ووضع مصالح الوطن فوق المصالح الشخصية أو الفئوية، وعلى القوى الإقليمية والدولية تقديم الدعم السياسي والاقتصادي دون تدخل مسلح مباشر، والعمل على إزالة العقوبات الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن، وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تكون شريكا فاعلا في المصالحة الوطنية وتعزيز الانتماء للوطن.
السيناريوهات المستقبلية لليبيا واضحة: الأول، استمرار الوضع الحالي مع الانقسامات والمليشيات، ما سيؤدي إلى تراجع اقتصادي أكبر ونزوح جماعي واستمرار ضعف الدولة،
الثاني، تحقيق الوحدة السياسية وإصلاح المؤسسات، وهو السيناريو الأكثر قدرة على إعادة بناء الدولة وتحقيق استقرار اقتصادي وأمني مستدام، ويستلزم توافقا داخليا ودعما دوليا متوازنا، والثالث، تدخل خارجي واسع قد يفرض تغييرا سريعا لكنه سيزيد الانقسام ويفقد الشعب السيطرة على قراره الوطني، وهو سيناريو غير مرغوب به تمامًا.
ليبيا قادرة على الصمود لأنها تمتلك مزيجا فريدا من الموارد الطبيعية، الموقع الاستراتيجي، الإرث المؤسسي الجزئي، والمجتمع المدني النشط.
المستقبل الليبي ليس حكما بالإعدام، بل دعوة لإعادة كتابة قصة صمود دولة وشعب.
الاستقرار الليبي ممكن إذا التزم الجميع بالعمل الوطني، وتجنب الانقسامات الفئوية، وركز على المصالحة الوطنية، وإعادة بناء الدولة بشكل عملي وواقعي،
تجاوز الانقسامات، تفعيل المؤسسات، تحقيق الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كلها عوامل حاسمة ليكون ليبيا نموذجا للنجاة والتعافي في شمال أفريقيا والعالم العربي، وقصة تثبت أن الدول يمكن أن تنهض من بين الأنقاض إذا امتلكت الإرادة، والموارد، والشعب الواعي.



