تقدير موقف

رامي زهدي يكتب.. «”حميدتي” مطلوب حياً»

"حميدتي مجرم حرب لا شريك سياسة.. بعد الف يوم من الدم كيف دمر حميدتي الدولة السودانية"

إن الدعوة إلى محاكمة حميدتي حيا ليست شعارا انتقاميا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لأن موته في معركة أو اغتياله في الظل سيغلق ملفا دون كشف الحقيقة، وسيحرم الضحايا من حقهم في العدالة، وسيترك الشبكات المالية والعسكرية التي بناها دون تفكيك، المحاكمة العلنية، أمام قضاء وطني أو دولي، هي وحدها القادرة على تفكيك السردية الزائفة، وكشف من موّل ومن حرّض ومن تواطأ”

ليس ما جرى في السودان خلال العقد الأخير، ولا ما انفجر على نحو كارثي خلال ما يزيد على الف يوم من الحرب، مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة على السلطة، بل هو نموذج صارخ لانهيار الدولة حين تتحول المليشيا إلى بديل عن المؤسسات، وحين يُمنح السلاح بلا مساءلة، وتُشرعن الجريمة تحت لافتات زائفة من الشعارات السياسية أو الاجتماعية.
وفي قلب هذا المشهد يقف محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، لا كفاعل ثانوي أو نتيجة عرضية للفوضى، بل كأحد مهندسيها الأساسيين، وكرمز لتحول العنف من أداة إلى مشروع، ومن وسيلة إلى غاية.

منذ أيام النظام البشيري “عمر البشير”، لم تكن مليشيا الدعم السريع قوة هامشية، بل جرى تصنيعها سياسيا وأمنيا لتكون ذراعا قذرة تؤدي المهام التي تعجز الدولة عن تحمل كلفتها الأخلاقية والقانونية، ففي دارفور، حيث سقط أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل بحسب تقديرات الأمم المتحدة، ونزح ما يزيد على مليونين ونصف المليون إنسان، تشكلت البنية الأولى لجرائم ممنهجة، قتل على الهوية، حرق قرى كاملة، اغتصاب النساء كسلاح حرب، ونهب منظم للممتلكات، وهناك، لم يكن حميدتي مجرد قائد ميداني، بل شريكا كاملا في إعادة إنتاج الجنجويد بثوب رسمي، وبحماية سياسية كاملة.

ومع سقوط نظام البشير، لم يسقط المشروع، بل تبدلت واجهته وانتقلت المليشيا من هامش الدولة إلى قلبها، ومن أداة في يد النظام إلى لاعب ينازع الدولة ذاتها، وخلال الفترة الانتقالية، جرى تغليف الدعم السريع بخطاب الشراكة، بينما كانت الوقائع على الأرض تشير إلى تمدد اقتصادي وعسكري غير مسبوق، حيث سيطرت المليشيا على مناجم الذهب في جبل عامر ومناطق أخرى، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عائدات الذهب المهرب وحدها كانت تتجاوز مليار دولار سنويا، خارج أي رقابة مالية أو سيادية، ما وفر تمويلا مستقلا لحرب قادمة كان يجري التحضير لها بهدوء.

ثم جاءت الحرب المفتوحة، التي تجاوزت الف يوم، لتكشف الوجه الكامل للمشروع،حيث أكثر من عشرة ملايين نازح ولاجئ، وهو الرقم الأعلى عالميا في أزمة واحدة وفق تقارير أممية، انهيار شبه كامل للبنية التحتية في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، تدمير ممنهج للمستشفيات والجامعات والمصانع، ونهب البيوت على نطاق غير مسبوق، حتى تحولت سرقة ممتلكات المواطنين إلى اقتصاد حرب قائم بذاته، ولم يكن ذلك انفلاتا عشوائيا، بل سلوكا منظما، تؤكده أنماط التدمير والنهب المتكررة في كل منطقة تدخلها قوات الدعم السريع.

أما الجرائم ضد المدنيين، فقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء، حيث تقارير موثقة تحدثت عن آلاف حالات الاغتصاب، كثير منها جماعي، وعن استخدام النساء والأطفال كرهائن، وعن إعدامات ميدانية على أساس الانتماء الجغرافي أو العرقي، وفي غرب دارفور وحدها، قُتل خلال شهور قليلة عشرات الآلاف، وتم تفريغ مدن كاملة من سكانها الأصليين، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الإبادة الجماعية، لكن هذه المرة في ظل صمت دولي مريب، وتردد إقليمي قاتل.

الأخطر من كل ذلك أن الحرب لم تكن فقط ضد الدولة، بل ضد فكرة الدولة نفسها، حيث استهداف المؤسسات الوطنية، من الجيش إلى القضاء إلى الخدمة المدنية، لم يكن عرضيا، بل جزءا من محاولة تفكيك الكيان السوداني، وفتح الباب أمام سيناريو التقسيم، سواء عبر كانتونات مسلحة أو مناطق نفوذ خاضعة لاقتصاد المليشيا، وهنا يصبح الحديث عن مؤامرة على وحدة السودان حديثا مستندا إلى الوقائع لا إلى الخطاب العاطفي، فحين تُفرغ العاصمة من سكانها، وتُحرق الأقاليم، وتُدار الموارد خارج الدولة، فإن النتيجة الطبيعية هي دولة فاشلة أو دولة مجزأة.

من منظور استراتيجي أوسع، لا يمكن فصل ما يفعله حميدتي عن تداخلات إقليمية ودولية ترى في السودان ساحة مفتوحة للمصالح، وممرا للذهب والسلاح والهجرة غير الشرعية، لكن تحميل الخارج كل المسؤولية يظل هروبا من الحقيقة الجوهرية، فالجريمة كانت لها قيادة محلية، وعقل يديرها، ومشروع يستفيد منها، لذلك فإن العدالة في الحالة السودانية لا تعني فقط وقف إطلاق النار، بل تعني المحاسبة، ومحاسبة من هم في قمة هرم الجريمة، لا من نفذوا الأوامر تحت تهديد السلاح.

إن الدعوة إلى محاكمة حميدتي حيا ليست شعارا انتقاميا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لأن موته في معركة أو اغتياله في الظل سيغلق ملفا دون كشف الحقيقة، وسيحرم الضحايا من حقهم في العدالة، وسيترك الشبكات المالية والعسكرية التي بناها دون تفكيك. المحاكمة العلنية، أمام قضاء وطني أو دولي، هي وحدها القادرة على تفكيك السردية الزائفة، وكشف من موّل ومن حرّض ومن تواطأ، وهي وحدها الكفيلة بإرسال رسالة واضحة مفادها أن زمن الإفلات من العقاب في السودان يجب أن ينتهي.

من موقعنا كمصريين، وكمهتمين بالأمن القومي العربي والإفريقي، لا يمكن النظر إلى ما يحدث في السودان باعتباره شأنا داخليا معزولا، فاستقرار السودان هو ركيزة لأمن وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وكل يوم تستمر فيه هذه الحرب، تتضاعف كلفتها الإنسانية والسياسية، ليس على السودانيين وحدهم، بل على الإقليم بأسره، لذلك فإن دعم الدولة السودانية، ودعم مسار العدالة، ورفض أي شرعنة للمليشيات، هو موقف استراتيجي لا يحتمل الرمادية.

في النهاية، لا تبنى الدول على جماجم مواطنيها، ولا تُدار الأوطان بعقلية الغنيمة، وما ارتكبه حميدتي وقواته منذ دارفور وحتى الخرطوم ليس مجرد جرائم حرب، بل اعتداء شامل على فكرة السودان نفسها، والقصاص العادل، الحي، العلني، هو المدخل الوحيد لطي هذه الصفحة السوداء، ولبداية مسار وطني يعيد للسودان دولته، ولشعبه كرامته، وللمنطقة بعضا من توازنها المفقود.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى