رامي زهدي يكتب.. «”الرئيس في الرياض” هندسة التوازن العربي في زمن التحولات الكبرى»
"قراءة استراتيجية في لحظة اقليمية فارقة"

في سياق اقليمي مضطرب واعادة تشكيل موازين القوة ومن ادارة الازمات إلى صناعة المسارات وعبر شراكة استراتيجية تتجاوز اللحظة، تتكثف التحولات الاقليمية والدولية بوتيرة غير مسبوقة، يتوجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية للقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في زيارة تتجاوز بعدها الثنائي إلى فضاء استراتيجي أوسع يرتبط بمستقبل التوازن العربي ذاته، فالمشهد الاقليمي لم يعد يحتمل فراغات قيادية، ولا يسمح بتباطؤ في اتخاذ القرار، في ظل صراعات مفتوحة، وخرائط نفوذ يعاد رسمها، وتنافس دولي محتدم على الممرات البحرية ومصادر الطاقة وسلاسل الإمداد.
العلاقات المصرية السعودية ليست فقط علاقة تاريخية راسخة، بل هي في بنيتها العميقة معادلة استقرار اقليمي، فالدولتان تمثلان معا ثقلا سكانيا يتجاوز 140 مليون نسمة، وناتجا محليا اجماليا يقترب من 1.5 تريليون دولار، وتملكان تأثيرا مباشرا في معادلات الطاقة والامن البحري والغذائي في المنطقة، ومصر تتحكم في شريان الملاحة العالمي عبر قناة السويس التي سجلت ايرادات قاربت 9.4 مليار دولار في عام 2023 قبل ان تتأثر بالتوترات الامنية في البحر الاحمر، والسعودية تمثل اكبر مصدر للنفط في العالم بقدرة انتاجية تقارب 10 الى 11 مليون برميل يوميا، وتدير احد اكبر الصناديق السيادية عالميا بأصول تتجاوز 700 مليار دولار.
الزيارة تأتي في توقيت تتداخل فيه ازمة غزة مع توترات البحر الاحمر، وتتصاعد فيه المخاطر في السودان وليبيا، بينما تتقدم مسارات اعادة التموضع الدولي في الشرق الاوسط على وقع تفاهمات اميركية صينية وحراك روسي متنام، وفي هذا السياق، يصبح التنسيق المصري السعودي ضرورة استراتيجية لا خيارا سياسيا.
امن البحر الاحمر يمثل اولوية قصوى للبلدين، فقرابة 12 في المئة من التجارة العالمية تمر عبر قناة السويس، كما يمر جزء معتبر من صادرات النفط الخليجي إلى اوروبا عبر هذا الممر، واي اضطراب طويل الامد في هذا الشريان ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري وعلى المشاريع السعودية الكبرى على ساحل البحر الاحمر، وفي مقدمتها نيوم ومناطقها اللوجستية والصناعية، ومن ثم فإن اللقاء بين الرئيس السيسي وولي العهد السعودي يحمل بعدا امنيا يتصل بتعزيز التنسيق العسكري والاستخباراتي، وارسال رسالة واضحة بأن امن الممرات البحرية مسؤولية اقليمية لا تقبل التفويض.
سياسيا، يتوقع ان تتصدر القضية الفلسطينية جدول الاعمال، خاصة في ظل تعقيدات المشهد بعد الحرب في غزة، واحتمالات اعادة صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، ومصر بحكم الجغرافيا والاتصال المباشر بقطاع غزة، والسعودية بحكم ثقلها العربي والاسلامي والدولي، قادرتان معا على بلورة موقف عربي متماسك يرفض التهجير ويؤكد على حل الدولتين باعتباره المسار الواقعي الوحيد للاستقرار طويل الامد، والتنسيق في هذا الملف لا يقتصر على البيانات، بل قد يمتد إلى مبادرات اعادة اعمار، او تحركات دبلوماسية منسقة في المحافل الدولية.
وفي السودان، حيث تتفاقم الحرب بما يهدد وحدة الدولة، تمثل القاهرة والرياض طرفين قادرين على الدفع نحو مسار سياسي يوقف النزيف، واستقرار السودان ليس شأنا حدوديا بالنسبة لمصر فحسب، بل هو عنصر اساسي في معادلة الامن القومي العربي، والسعودية لعبت ادوارا مهمة في استضافة محادثات بين الاطراف السودانية، ما يجعل التنسيق بين العاصمتين ضرورة لتجنب سيناريوهات التفكك.
اقتصاديا، الزيارة يمكن قراءتها كجزء من هندسة تكامل اقتصادي اعمق بين اقتصادين يمران بمرحلة اعادة هيكلة طموحة، ومصر تنفذ برنامجا اصلاحيا يهدف إلى خفض عجز الموازنة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وجذب استثمارات مباشرة تتجاوز 15 مليار دولار سنويا خلال السنوات المقبلة، والسعودية تمضي في تنفيذ رؤية 2030 التي تستهدف رفع مساهمة القطاع غير النفطي إلى 65 في المئة من الناتج المحلي، وجذب استثمارات اجنبية مباشرة تصل إلى 100 مليار دولار سنويا بحلول نهاية العقد.
الاستثمارات السعودية في مصر تجاوزت 30 مليار دولار، مع وجود اكثر من 7000 شركة سعودية عاملة في قطاعات العقارات، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والسياحة، لكن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالا من الاستثمار التقليدي إلى الشراكات الانتاجية ذات القيمة المضافة العالية، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الاخضر، حيث تسعى مصر لتصبح مركزا اقليميا للطاقة النظيفة مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، فيما تسعى السعودية إلى تصدر سوق الهيدروجين العالمي باستثمارات ضخمة في هذا القطاع.
كما ان التكامل بين الموانئ المصرية على البحرين المتوسط والاحمر، والموانئ السعودية ومناطقها الاقتصادية، قد يؤسس لممرات لوجستية عربية تنافس الممرات الدولية الاخرى، وتعيد تموضع المنطقة كمحور رئيسي في سلاسل الامداد العالمية، وهذا النوع من التكامل لا يعزز فقط العوائد الاقتصادية، بل يمنح البلدين اوراق قوة تفاوضية في علاقاتهما مع القوى الكبرى.
ماليا، يمكن ان تتجه المباحثات إلى توسيع دور الصناديق السيادية في تمويل مشروعات مشتركة، وتفعيل آليات تمويل مبتكرة تقلل من الاعتماد على الاقتراض الخارجي التقليدي، كما قد يتم بحث تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية في بعض القطاعات، في ظل اتجاه عالمي نحو تقليل الاعتماد على عملة واحدة في التسويات الدولية.
البعد الافريقي للزيارة لا يقل اهمية، فمصر تمتلك شبكة علاقات مؤسسية عميقة في القارة، والسعودية عززت حضورها الاستثماري في الزراعة والطاقة والبنية التحتية في عدد من الدول الافريقية، التنسيق بينهما قد ينتج صيغة شراكة ثلاثية تستهدف دول حوض النيل وشرق افريقيا والقرن الافريقي، بما يعزز الامن الغذائي العربي، ويفتح اسواقا جديدة للصناعات المشتركة، ويمنح البلدين نفوذا تنمويا مستقرا في مواجهة تنافس قوى اقليمية ودولية.
على المستوى الاستراتيجي الاشمل، تعكس الزيارة ادراكا مشتركا بأن المرحلة المقبلة ستشهد اعادة صياغة للعلاقات الدولية في الشرق الاوسط، سواء في ضوء مسارات التطبيع، او الترتيبات الامنية الجديدة، او التنافس على الطاقة الخضراء، وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الشراكات العميقة بين القوى العربية الكبرى ضمانة لعدم تهميش الدور العربي في اي ترتيبات قادمة.
في تقديري، النتائج المتوقعة للزيارة لن تقتصر على اعلان اتفاقيات او بيانات مشتركة، بل ستتمثل في تثبيت معادلة سياسية مفادها ان القاهرة والرياض تتحركان كقطبي توازن في النظام العربي، قادرين على ادارة الازمات، بل وصناعة مسارات جديدة تتجاوز رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، وهذا التحول من منطق ادارة الازمة إلى منطق بناء النظام هو جوهر اللحظة، وهو ما يمنح الزيارة معناها الاستراتيجي الحقيقي.
اللقاء بين الرئيس السيسي وولي العهد محمد بن سلمان في هذا التوقيت ليس حدثا عابرا، بل خطوة في مسار اعادة تعريف الفعل العربي المشترك، فإذا ما احسن توظيف نتائجه، فقد نشهد مرحلة جديدة من الشراكة التي تعيد للمنطقة توازنها، وتمنحها قدرة اكبر على صياغة مستقبلها بعيدا عن ضغوط الاستقطاب والتجاذب الدولي، وبما يرسخ مفهوم الدولة الوطنية، ويعزز مناعة الامن القومي العربي في زمن تتكاثر فيه التحديات.



