د. نبيل أبو الخير يكتب.. قراءة في زيارة أردوغان للقاهرة
الكاتب خبير في العلوم السياسية والاستراتيجية

لم تكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في هذا التوقيت الحرج مجرد “زيارة دولة” بروتوكولية، بل كانت إعلاناً رسمياً عن طي صفحة “الخلافات الأيديولوجية” وفتح كتاب “المصالح الجيوسياسية المشتركة”. إن جلوس القيادتين المصرية والتركية على مائدة واحدة في هذا التوقيت هو رسالة إقليمية ودولية مفادها أن القوتين الأكبر في شرق المتوسط قد قررتا صياغة “معادلة استقرار” لا يمكن تجاوزها.
أولاً: من “تصفير المشاكل” إلى “تعظيم الشراكة”
إن الانتقال بالعلاقة من مرحلة “جس النبض” إلى مستوى “مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” يعكس إدراكاً عميقاً في أنقرة بأن مصر هي البوابة الوحيدة والشرعية للاستقرار في أفريقيا والعالم العربي، ويقابله إدراك مصري بأن تركيا شريك صناعي وعسكري وازن لا يمكن تجاهله. نحن لا نتحدث فقط عن رفع التبادل التجاري إلى حاجز الـ 15 مليار دولار، بل نتحدث عن تكامل في سلاسل الإمداد، وتعاون دفاعي يشمل التصنيع المشترك للطائرات المسيرة والقطع البحرية، وهو ما يغير قواعد اللعبة في التوازن العسكري الإقليمي.
ثانياً: شرق المتوسط.. تحول من “ساحة صراع” إلى “مساحة تفاهم”
لقد أثبتت الزيارة أن لغة المصالح الاقتصادية في ملف الغاز والطاقة بدأت تتفوق على لغة التنافس التاريخي. إن التنسيق المصري التركي في شرق المتوسط، القائم على احترام قواعد القانون الدولي البحري، سيؤدي بالضرورة إلى تحجيم التدخلات الخارجية التي كانت تقتات على الخلاف بين البلدين. هذا التقارب يمنح كلا الدولتين ثقلاً أكبر في مواجهة محاولات عزل أي طرف عن ثروات المنطقة.
ثالثاً: التنسيق في غزة وليبيا.. صمام أمان الإقليم
في الملف الفلسطيني، ظهر جلياً أن هناك تطابقاً في الرؤى حول ضرورة وقف العدوان وإعادة الإعمار، حيث تدعم تركيا الدور المصري المركزي في الوساطة، بينما توفر مصر الغطاء الإقليمي للتحركات الإنسانية والسياسية التركية.
أما في الملف الليبي، فقد انتقل البلدان من مرحلة “التنافس بالوكالة” إلى مرحلة “التوافق على وحدة الدولة”. إن وجود تفاهم (مصري – تركي) هو الضمانة الوحيدة لإجراء الانتخابات الليبية ومنع انزلاق البلاد نحو التقسيم أو الفوضى المسلحة مجدداً.
رابعاً: الاستثمار في “القوة الناعمة” والاقتصاد
بعيداً عن السياسة الخشنة، تمثل الاستثمارات التركية في مصر (التي تجاوزت 3 مليارات دولار وتوفر آلاف فرص العمل) “قوة ناعمة” تربط مصير الشعبين ببعضهما. إن تسهيل إجراءات الرخصة الذهبية للمستثمرين الأتراك، وزيادة تدفق السياح، يعزز من مفهوم “الأمن الاقتصادي المشترك” الذي يجعل من الصعب العودة إلى مربع التوتر مرة أخرى.
ختاماً،
إن القمة المصرية التركية في القاهرة هي انتصار للمنطق البراجماتي على الحسابات الضيقة. إننا أمام “محور استقرار” جديد يمتد من أنقرة إلى القاهرة، وهو محور يمتلك القدرة على تهدئة الجبهات المشتعلة وحماية الممرات الملاحية في البحرين الأحمر والمتوسط. إن مصر، بدبلوماسيتها الرصينة وثقلها الجغرافي، استطاعت احتواء الخصومات السابقة وتحويلها إلى شراكة استراتيجية، لتثبت للعالم أن القاهرة تظل دائماً هي “بوصلة الحل” في الشرق الأوسط.



