د. راندة فخر الدين تكتب.. هل شوَّه الفهم الخاطئ للحركة النسوية حقوق النساء؟ قراءة هادئة في الفكرة والتطبيق

عندما ظهرت الحركة النسوية في بداياتها، لم تكن صرخة تمرد على الدين أو الأخلاق، ولم تكن دعوة إلى العري أو الانفلات من القيم، كما يُصوِّرها البعض اليوم. بل وُلدت النسوية في سياق تاريخي ظالم، كانت فيه المرأة محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية، كالتعليم، وامتلاك المال، والمشاركة في القرار العام، والاعتراف بإنسانيتها الكاملة.
في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت المرأة في كثير من المجتمعات الغربية تُعامَل بوصفها تابعًا، لا رأي لها ولا كيان مستقل. ومن هنا جاءت المطالب النسوية الأولى: العدالة، والكرامة، والمساواة أمام القانون. كانت الفكرة الأساسية بسيطة وعميقة في آن واحد: المرأة إنسان، وليست أقل قيمة من الرجل.
غير أن المشكلة لم تكن في الفكرة، بل في ما آلت إليه مع مرور الزمن.
من قضية عدالة إلى صراع مع القيم
مع تطور الحركة النسوية وتعدد تياراتها، بدأت بعض الأصوات المتطرفة تختزل “تحرر المرأة” في مظاهر خارجية لا علاقة حقيقية لها بالحقوق، مثل خلع الحجاب، أو رفض الدين، أو التمرد على الأسرة، أو تقليد سلوكيات ضارة كالتدخين وشرب الكحول. هذا التحول أفرغ القضية من مضمونها الإنساني، وحوّلها في نظر كثيرين إلى صدام مباشر مع الفطرة والأخلاق.
فبدل أن يكون الحديث عن حق المرأة في التعليم الكريم، والعمل الشريف، والحماية من العنف، والاحترام داخل الأسرة والمجتمع، أصبح التركيز منصبًا على الجسد، والمظهر، وكسر كل ما هو ثابت، وكأن القيم هي العدو الحقيقي.
وهنا ضاعت البوصلة.
الحرية… هل تعني الفوضى؟
الحرية في معناها الإنساني العميق لا تعني الانفلات، ولا تعني الثورة على كل ما يضبط السلوك البشري. الحرية هي الوعي، والقدرة على الاختيار المسؤول، لا مجرد تقليد أنماط سلوكية تُسوَّق على أنها “تقدم”.
فالمرأة لا تفقد كرامتها حين تلتزم بقيمها الدينية، ولا تصبح أقل شأنًا حين تختار الاحتشام. كما أنها لا تصبح أكثر تحررًا حين تُجبر – اجتماعيًا أو إعلاميًا – على التخلي عن هويتها باسم النسوية. هذا النوع من الضغط لا يختلف في جوهره عن القهر الذي جاءت النسوية لمقاومته.
حتى بعض المفكرات النسويات، مثل سيمون دي بوفوار، أكدن أن جوهر القضية ليس شكل المرأة، بل موقعها الإنساني وحقها في أن تُعامَل كذات واعية، لا كوسيلة أو تابع.
النسوية في ميزان الدين والأخلاق
في المجتمعات الإسلامية، لا يمكن فصل الحديث عن حقوق الإنسان – ومنه حقوق المرأة – عن الدين والأخلاق. فالدين لم يكن يومًا عدوًا للمرأة، بل ضمن لها منذ قرون حقوقًا لم تعرفها بعض المجتمعات الحديثة إلا متأخرًا: حق التملك، وحق التعليم، وحق الاختيار، وحق الكرامة.
لكن الإشكال يظهر عندما يُقدَّم خطاب نسوي يصادم مفاهيم الحلال والحرام، أو يسخر من القيم الأخلاقية، فيُصوَّر الأمر وكأنه معركة بين “حقوق المرأة” و”الدين”. هذا الصراع في حقيقته مفتعل، ونتيجة فهم مشوه للنسوية، لا لجوهرها الحقيقي.
نحو فهم متوازن وعاقل
لسنا اليوم بحاجة إلى رفض النسوية بالكامل، ولا إلى تبنيها دون نقد، بل إلى إعادة فهمها في سياقنا الثقافي والديني. نحتاج إلى خطاب يدافع عن المرأة المظلومة، لا عن صورة نمطية مستوردة. خطاب يرى أن العدالة لا تتعارض مع الأخلاق، وأن الكرامة لا تُبنى على التمرد، بل على الوعي.
فالمرأة إنسان كامل، تُكرَّم بعقلها، وأخلاقها، واختياراتها الحرة الواعية، لا بما يُفرض عليها باسم “التحرر”.
لنختم كلامنا بنعم، لقد أسهم الفهم الخاطئ والتطبيق التمييزي للحركة النسوية في تشويه صورتها، وحصر حقوق النساء في مظاهر سطحية لا تعبر عن جوهر العدالة الإنسانية. أما النسوية في أصلها، فهي دعوة للإنصاف لا للفوضى، وللمساواة لا للصدام، ولتحرير الإنسان من الظلم، لا من القيم والدين والأخلاق. وإعادة هذا التوازن هي الطريق الوحيد لحوار صادق وعادل حول حقوق المرأة.



