د. راندة فخر الدين تكتب.. ثوابت الدين والمجتمع في مواجهة محاولات فرض المثلية

المقدمة
في السنوات الأخيرة، أصبح موضوع التوجهات الجنسية غير المغايرة (المثلية) واحدًا من أكثر القضايا المثيرة للجدل على مستوى العالم. ففي الوقت الذي تتجه فيه بعض الدول الغربية إلى تقنين هذه الممارسات والدعوة لقبولها اجتماعيًا، نجد أن غالبية شعوب العالم، خاصة في الدول العربية والإسلامية، ترفضها رفضًا قاطعًا، معتبرة إياها مخالفة للفطرة الإنسانية والدين والقيم الأخلاقية. ومع ذلك، فإن هذا الرفض لا يُعد دعوة للعنف أو الكراهية، بل هو موقف قائم على التمسك بالثوابت، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة احترام كرامة كل إنسان وعدم الإساءة إليه.
الموقف الطبي
لم تعد المنظمات الطبية العالمية تصنف التوجهات الجنسية غير المغايرة كمرض، بل تعتبرها أحد أنماط السلوك البشري. في المقابل، تؤكد هذه الهيئات أن ما يُسمى بالعلاج التحويلي غير فعّال وقد يكون ضارًا نفسيًا. ويقتصر دور الطب هنا على الجوانب الفردية، دون التدخل في المسائل الدينية أو القيمية، ما يترك للمجتمعات حرية تحديد موقفها الأخلاقي والديني من هذه الممارسات.
الموقف الديني
تتفق الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، المسيحية، اليهودية) على رفض هذه الممارسات بشكل واضح:
- في الإسلام: يورد القرآن الكريم قصة قوم لوط كدليل على مخالفة هذه الأفعال للفطرة، وأجمع الفقهاء على تحريمها، مع التأكيد على ضرورة معاملة الأفراد بالرحمة وفتح باب التوبة.
- في المسيحية: تعتبر النصوص في العهدين القديم والجديد المثلية خطيئة، مع دعوة الكنيسة للمحبة والتوبة.
- في اليهودية: ترفض النصوص التوراتية المثلية بشكل صريح، خاصة لدى التيار الأرثوذكسي التقليدي.
الخلاصة أن الأديان السماوية ترفض الفعل، لكنها تفرق بين رفض الممارسة واحترام كرامة الإنسان.
الموقف المجتمعي
تشهد المجتمعات الغربية قبولًا متزايدًا للمثلية، حيث سنت بعض الدول قوانين تسمح بالزواج المثلي والتبني، وأدخلت هذه الأفكار في التعليم والإعلام. أما في العالم العربي والإسلامي، فالسمة الغالبة هي الرفض، إذ أظهرت دراسات مثل Pew (2019) أن أكثر من 90% من المصريين يرفضون المثلية، ما يعكس قوة المرجعية الدينية والثقافية. ويأتي هذا الرفض من التمسك بالقيم الأسرية والدينية التي تشكل أساس المجتمع، وليس من كراهية الآخر.
التحديات والضغوط الخارجية
لم تعد المثلية تُعتبر مجرد “حرية شخصية” في المجال الخاص، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي وثقافي على الدول والمجتمعات التي تتمسك بقيمها، ويتجلى ذلك في:
- إدخال موضوع المثلية في المناهج الدراسية:
تم تعديل المناهج في دول غربية لتشمل المثلية كخيار طبيعي وطلب تقبّلها منذ مراحل عمرية مبكرة.
يثير هذا التوجه قلق المجتمعات العربية والإسلامية التي ترى في المدرسة مكانًا لغرس القيم الدينية والأخلاقية.
- الترويج الإعلامي عبر الأفلام والمسلسلات:
أصبح الإعلام أداة تأثير قوية بإدخاله شخصيات مثلية وعرضها كرموز إيجابية في كثير من الأعمال.
يهدف ذلك إلى التطبيع التدريجي مع هذه الأفكار، بينما يُطلب من الإعلام المحلي تقديم محتوى يحترم الفطرة ويحافظ على ثوابت المجتمع.
- ربط المساعدات أو الاتفاقيات الدولية بقبول هذه الأفكار:
تستخدم بعض المنظمات العالمية المساعدات الاقتصادية أو الاتفاقيات كورقة ضغط لقبول المثلية أو تخفيف القوانين التي تقيّدها.
يُعد هذا تدخلاً في السيادة الثقافية والدينية وتهديدًا للهوية المجتمعية.
الموقف المتوازن المطلوب
أمام هذه الضغوط، يصبح من الضروري تبني موقف واضح ومتوازن:
- رفض الفعل: فالمثلية تتعارض مع الدين والفطرة، ومن الطبيعي أن يرفضها المجتمع.
- رفض خطاب الكراهية: الرفض لا يعني التحريض على العنف أو الإساءة، بل يجب الحفاظ على احترام كرامة الإنسان.
بهذا الموقف، يمكن إعلان: “نرفض هذه الممارسات ولن نقبل فرضها علينا، لكننا نحترم كرامة كل إنسان ونرفض التعدي عليه”. ويجعل هذا التوازن الموقف أكثر قوة، لأنه يجمع بين الثبات على القيم والإنسانية في التعامل.
كيف نحمي مجتمعاتنا؟
- التعليم:
ينبغي أن تكون المناهج الدراسية حصنًا للقيم، تزرع في الأطفال احترام الدين والأسرة والفطرة.
يساعد إدراج مواد تعزز الهوية الثقافية والدينية على مواجهة أي أفكار دخيلة.
- الإعلام:
يجب الاستثمار في إنتاج محتوى إعلامي يبرز القيم الأسرية والروابط الإنسانية الطبيعية.
ينبغي مواجهة المحتوى الوافد بوعي ناقد، ليتمكن الشباب من التمييز بين ما يتفق مع قيمهم وما يخالفها.
- الأسرة:
الأسرة هي خط الدفاع الأول عبر زرع الثقة والفطرة السليمة في الأبناء.
الحوار المفتوح داخل الأسرة يقي الأبناء من اللجوء إلى مصادر مشوهة أو مضللة.
- القانون:
على الدولة تحقيق التوازن بين حماية الأفراد من العنف أو التمييز، وحماية المجتمع من محاولات فرض الممارسات المخالفة للفطرة.
يتطلب ذلك تشريعات واضحة تعكس هوية المجتمع وتحافظ على قيمه، مع ضمان عدم التعدي على أي إنسان.
الخاتمة
على الرغم من تقديم المثلية في بعض المجتمعات الغربية كأمر طبيعي أو “حق من حقوق الإنسان”، إلا أن هذا الطرح لا يغير من حقيقة موقف الأديان السماوية ولا من موقف الأغلبية الساحقة في العالم، خاصة في الدول العربية والإسلامية. المطلوب هو التمسك بالثوابت الدينية والقيمية، ورفض الضغوط الخارجية، مع الحفاظ على خطاب إنساني يرفض العنف ويصون كرامة كل فرد. بذلك الموقف المتوازن يمكننا الحفاظ على إنسانيتنا، وحماية شبابنا، وصون قيمنا التي تمثل أساس قوتنا وتماسكنا.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



