
الدكتور سمير الوصبي مدير وحدة الدراسات الاجتماعية والمشرف العام على الابحاث والدراسات بمركز العرب للأبحاث والدراسات.
تهم هذه الدراسة “المذهب الكلامي للأشاعرة بالغرب الإسلامي” من الناحية الجغرافية الغرب الإسلامي الذي عرف خصوصيات طبعت تاريخه والذي أصبح مشعل الإسلام شمالا وجنوبا ولازال منطلق ذلك الإشعاع إلى الآن، أما من الناحية الزمنية فهو يهمُ فترة طويلة تمتد من منتصف القرن 2هـ / 8م. إلى الآن من حيث معرفة حقيقة الاعتقاد الديني، ففي هذه الفترة تكونت الشخصية المغربية العربية الإسلامية المؤيدة لاتجاه ديني سني معين، استقر على ثنائية دينية تجمع بين العقيدة الأشعرية والفقه المالكي؛ لقد حظي هذا التوجه المذهبي في المشرق باهتمام الباحثين والمفكرين سواء من ناحية تطوره التاريخي أو مضامينه ودلالاته وأساليب الاستدلال المنهجي. لكن بالغرب الإسلامي ظلت المقاربة العلمية له يشوبها الغموض، وعدم وضوح الرؤية لأنها لم تتناول أثر الشخصية المغربية التي طبعت هذا الاقتباس المذهبي، ولا نغالي في القول بأنه وعلى الرغم من التصريح بنهوض الدولة المغاربية على ثنائية العقيدة الأشعرية والفقه المالكي تقل الدراسات العلمية لهذه القناعة الفكرية، وإن وجد بعضها فإنها تناقش المسألة من بعيد وتقف عند الأسباب والدواعي دون التعرف على الغايات والمقاصد، وتبقى المعالجة حينئذ بعيدة عن ملامسة الواقع، في محاولة إدراك حقيقة التوجه المذهبي للمغاربة .
تأتي هذه الدراسة إذن، لتسد فراغا في هذا المجال وتغطي النقص الحاصل فيما أهمل الدارسون في استفادة بما كتبه الباحثون لتدارك النقص وبقصد الإضافة العلمية من غير جحود لفضل من سبقنا.
لقد قمنا في هذه الدراسة بكشف حقيقة الالتزام بالمنهج الاستدلالي العقدي الاشعري بالغرب الاسلامي عبر مستويين نظري وتطبيقي.
المستوى النظري : خصصناه للتعريف بالأشعري والأشعرية، قبل التطرق إلى ناحية تتبع مساراته بدءا من ارهاصات دخوله إلى الغرب الاسلامي وتجلي تأثيراته في النواحي العقدية والفكرية للمغاربة، وانبناء الوحدة المذهبية عليه. وكذا لتاريخ الاعتقاد الديني في الغرب الاسلامي قبل دخول الأشعرية، وعن أسباب انتشار المذهب العقدي والمحددة في عوامل ذاتية وأخرى موضوعية دون إغفال منهجية المدرسة الأشعرية في نشر المذهب الأشعري، ودور أبي بكر الباقلاني الذي ساعدت مذهبيته الفقهية المالكية في تحبيب العقيدة الأشعرية للمغاربة مما خلق ازدواجية تجمع بين الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية. وتناولنا جانب رصد التطور المذهبي العقدي للمدرسة الأشعرية في مراحلها وأدوارها لمعرفة النواحي العلمية، والتي على أساسها اختار المغاربة المذهب الأشعري.
المستوى التطبيقي :جاء مخصصا للتعرف على الاستدلال العقدي عند الأشاعرة عموما وعلماء العقيدة الأشعرية في الغرب الاسلامي خاصة، وتفصيل الأمر في مسائل العقيدة الاسلامية بمنظور وتحليل وفق الاستدلال العقدي الأشعري، وهي الإضافة التي أتينا بها في هذا البحث إذ لازال الاهتمام بآراء أشاعرة الشرق الإسلامي مؤسسي المذهب الأشعري في تغييب للنقاش المغربي للعقيدة الأشعرية من قبل علماء الغرب الاسلامي للتعرف على مستويات الترجيح الذاتي للمغاربة للفكر العقدي الأشعري.
توطئة:
شهدت الفترة من النصف الثاني للقرن الثالث الهجري والنصف الأول من القرن الرابع، أحداثا فكرية هامة في الدولة الإسلامية، وازدهارا للعلوم الإسلامية، واتسمت بحرية الفكر، وأصبح كل ذي رأي يعلن عن رأيه. كما شهدت هذه الفترة انتصارا لتيار أهل السنة؛ الذي بدأ على يد المتوكل(234-247هـ) الذي أحيا تعاليم أهل السنة، وتكلم بها في مجالسه، وكتب إلى الأفاق برفع المحنة عنهم، وهي المحنة التي أثارها المعتزلة، وبخاصة “مشكلة خلق القرآن”، وجعلها عقيدة رسمية للدولة وفرضها بالقوة.
وقام في هذه الفترة فريق يدافع عن آراء أهل السنة بسلاح العقل بجانب النص، فظهر أبي الحسن الأشعري (324هـ) في قلب عاصمة الخلافة الإسلامية يعلن عن ارتداده عن آراء المعتزلة ومناصرته لآراء أهل السنة، وفي أقصى الشرق قام أبو منصور الماتريدي(321هـ) ببيان موقف أهل السنة والجماعة.
ففي هذه الفترة نشأ ما يمكن أن نسميه علم الكلام السني أي نصرة عقائد أهل السنة بالأدلة العقلية بجانب الأدلة النقلية، وذلك في نسق مذهبي متكامل، ولقد سبقت تلك الفترة إرهاصات لذلك، نجدها عند بعض الفقهاء مثل أبو حنيفة(150هـ) وغيرهم كابن كلاب(240هـ) وأتباعه كالقلانسي والمحاسبي، لكن هذه المحاولات كانت بمثابة مقدمات لإقامة علم كلام سني، ولم ترق إلى مستوى تكوين نسق مذهبي متكامل، وهي في غالبها ردود على ما قد أثير من آراء معارضة لآراء أهل السنة وخاصة من المعتزلة الأوائل، لكنهم بلا شك أسلاف للأشاعرة والماتريدية.
– أبو الحسن الأشعري :
الأشعري هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، ولد سنة (260هـ) بالبصرة، وهذا التاريخ قال به ابن عساكر والسبكي[1]، بينما يذكر ابن خلكان أن تاريخ ولادته سنة (270هـ)[2]، ونسبة الأشعري إلى أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله، فيها تشريف للأشعري، ولقد أفاض ابن عساكر في ذكر فضائل هذه النسبة.
وقد تتلمذ الأشعري على يد أبي علي الجبائي زوج أمه. وقد ظل الأشعري على مذهب الاعتزال لا يفارقه أربعين سنة – وهذا رقم مشكوك في صحته ومبالغ فيه- وكان ينوب عن أستاذه في المناظرة، وعده بعضهم أنه كان رديئا في التصنيف، ويدافع ابن عساكر عن جمود خاطر الأشعري عند الأخذ في التأليف، بأنه كان كذلك في ابتداء حاله لا بعد ما مَن الله عليه به من الإهتداء، فإن تصانيفه مستحسنة مهذبة، وتواليفه وعباراته مستجادة مستصوبة[3]، ويقصد ابن عساكر أن مؤلفات الأشعري التي بين أيدينا يعيب بعضها الترتيب وذلك في كتابه ” مقالات الإسلاميين “. إلا أن هذا لا يقلل من أهمية ذلك الكتاب، والجدير بالذكر أن تصانيف الأشعري لا تقل جودة عن تصانيف معاصريه أو حتى من جاءوا بعده بفترة، إن لم تفقها في الجيدة والموضوعية عند عرض آراء الخصوم.
ولقد تحول الأشعري عن مذهب المعتزلة، وحول أسباب هذا التحول ترد قصص موضوعة، الغرض منها إضافة نوع من القداسة على ذلك التحول، وكأنه جاء بأمر الهي، وأنه موافق لما جاء به الدين، وتم بأمر النبي عليه السلام له؛ فمما ذكر أن تحوله كان نتيجة رؤيا منامية رأى فيها النبي عليه السلام في العشر الأول من شهر رمضان يأمره بنصرة مذهب أهل السنة، وتتكرر الرؤيا في العشر التالية ثم العشر الأخيرة في الشهر، وفي ليلة القدر يحذره النبي بضرورة تنفيذه ما أمره به، وإلا فلن يراه بعد هذا، ويقول النبي أن الله سيمده بمدد من عنده، ويذكر الأشعري أنه استيقظ ونوى تنفيذ ما أمر به، وأنه أخذ في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة وغير ذلك، وأن الله أعانه على إفحام الخصم وإبطال دعواه[4].
وتذكر رواية أخرى عن سبب تحوله عن مذهب المعتزلة، أنه اعتكف في بيته خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وأعلن رجوعه عن موقف الاعتزال وانخلع منه كما ينخلع من الثوب، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب التي ألفها على مذهب أهل السنة إلى الناس.
ويرجع البعض تحوله عن مذهب الاعتزال إلى مناقشات دارت بينه وبين أستاذه حول قول المعتزلة بالصلاح والأصلح، وأيضا حول أسماءٍ لله تعالى لم ترد في الشرع.
ويفسر جلال موسى تحول الأشعري عن مذهب أهل المعتزلة بقوله:«أن الأشعري كان رجلا ألمعيا ذا نظر ثاقب رأى أن الفقهاء والمحدثين قصروا همتهم على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس. ورأى المتكلمين قصروا همتهم على الدفاع عن الدين ضد غوائل أعدائه مستخدمين نفس أسلحتهم من الجدل والمنطق وتحكيم العقل وطرح النص جانبا. وكان العداء بين الفريقين شديدا فساءل الأشعري نفسه: وما الذي يمنع أن يكون المرء فقيها متكلما ويجمع بين الأمرين وهو ليس جمعا بين متناقضين. وكما رأى المعتزلة تجعل العقل رائدا والحنابلة والحشوية تجعل النص رائدا، فساءل نفسه وهل هناك ما يمنع من الجمع بين الإثنين ولذلك يقول الكوثري: فسعى أولا للإصلاح بين الفريقين من الأمة بإرجاعها عن تطرفها إلى الوسط العدل»[5].
أي بين المعتزلة والحشوية من الحنابلة، وقد كان في الكثير من آرائه يتوسط بين العقل والنقل وهو موقف دقيق جدا، وكان الشافعي قد استنبط علم الأصول، وأحمد بن حنبل كان محدثا يروي الأحاديث ويختبر صحتها عن طريق الدراية، وكان المعتزلة ممثلي علم الكلام، فرأى الأشعري أن الاقتصار على ناحية واحدة من النواحي هو الذي أدى إلى التناحر بين هذه الفرق: الفقهاء والمحدثين، فتردد على حلقة أبي إسحاق المروزي ودرس ورجح بين الآراء فَغلبَ رأي أهل السلف، ولكنه رأى أن الاقتصار على قضايا الفقهاء والمحدثين يجعل الدين قضايا جامدة والاقتصار على آراء المعتزلة الكلامية يجعل الدين قضايا عقلية وبراهين منطقية، ولما كان الدين يخص العامة والخاصة لزمه منهج وسط وشخص وسط يجمع بين الطريقتين؛ فكان أبو الحسن الأشعري هو هذا الشخص[6]، وفيه يقول الكوثري: «وفقهُ الله لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وقمع المعاندين وكسر تطرفهم. فكان لزاما أن يجمع علم الكلام إلى الفقه والحديث. ولذلك أرى أن الأشعري تردد على حلقة أبي إسحاق المروزي قبل تركه الاعتزال وأثناء الفترة التي قضاها معتزليا،- ولا يعقل أن يكون ذلك بعد التحول- أصبح ذا مذهب مستقل وآراء منفردة وتأتيه المسائل من كل صوب فيجيب عليها، وكثر الأتباع والمؤيدون، وبعد مقارنة وموازنة واطلاع على أراء أهل السلف وله في موقف أحمد بن حنبل من محنة خلق القرآن قدوة حسنة، فموقف أحمد بن حنبل هو الذي خلق منه إماما للسنة، ولذلك وجد في الجمع بين الفقه والحديث وبين علم الكلام فرصة لتوحيد الكلمة. وهو موقف جديد لأن السابقين عليه حاربوا علم الكلام إلى حد أنهم كانوا لايعتبرون المتكلمين علماء فخالفهم في ذلك وأتى بمنهج وسط بين العقل والنقل؛ لأنه رأى أن طريقة المعتزلة ستؤدي بالإسلام إلى الدمار كما أن طريقة المحدثين والمشبهة ستؤدي إلى الجمود والانهيار مع ما في ذلك من تفـرقة للأمة وغـرس بذور الشـقاق بينها، وأنه من الخير لهذه الجماعة أن يلتقي العقليون والنصيون على مذهب وسط يوحد القلوب ويعيد الوحدة للصفوف مع احترام النص والعقل معا»[7].
هذا الكلام وإن كان يشير إلى منهج الأشعري الذي يجمع بين النص والعقل إلا أن فيه دلالة على التغيير المنهجي في تناول القضايا العقدية عند أهل السنة، والتي رسم معالمه أحمد بن حنبل في نصرة العقيدة بتركيز على النص لأن واقع الحال آنذاك كان يفرض ذلك، ثم نحا المسلك الاستدلالي منهجا آخر يزاوج بين العقل والنقل برز مع أبي الحسن الأشعري.
[1]– ابن عساكر، تبين كذب المفتري، ص 146/ السبكي، طبقات الشافعية، ج 1، ص 242.
[2]– ابن خلكان، و فيات الأعيان، ج 2 ، ص 446.
[3]– المصدر السابق، ص 91 وما بعدها.
[4]– ابن عساكر، تبين كذب المفتري، ص 41.
[5]– الكوثري، مقدمة تبين كذب المفتري، ص 15.
[6]– جلال موسى، نشأة الأشعرية و تطورها، ص 186 و ما بعدها.
[7]– الكوثري، مقدمة تبين كذب المفتري، ص 15.



