
إعداد/ د راندة فخر الدين
التحرش هو أي سلوك جنسي أو جنساني غير مرغوب يهدف إلى التقليل من كرامة الضحية أو خلق بيئة معادية أو مهينة. يشمل التحرش طيفًا واسعًا من الأفعال سواء كانت لفظية أو جسدية أو رقمية، ويحدث في العمل، في الشارع، في الأماكن العامة، في المدارس والجامعات، أو عبر الإنترنت.
أنواع التحرش (تصنيف عملي):
1. التحرش اللفظي: تعليقات جنسية، نكات جنسية، إيحاءات جنسية، صيحات أو سباب ذات إيحاء جنسي.
2. التحرش الجسدي: لمس غير مرغوب، محاولات تقبيل أو احتضان قسري، اعتداء جنسي.
3. التحرش في مكان العمل: تلميحات أو طلبات مقابل الوظيفة/الترقية، بيئة عمل عدائية قائمة على الجنس.
4. التحرش في الأماكن العامة (الشارع والمواصلات): ملاحقة، تحرش لفظي/بصري أو لمس في الأماكن العامة.
5. التحرش الرقمي/الإلكتروني: رسائل جنسية غير مرغوبة، نشر صور/محتوى مسيء، تعقب رقمي، ابتزاز (sextortion).
6. التحرش المؤسساتي والسياسي: استهداف النساء في المؤسسات أو السياسة، أو إنشاء بيئات تمييزية تمنع المشاركة (مثال: تحرش داخل البرلمانات أو الأحزاب).
حجم الظاهرة وأحدث الأرقام (عالميًا ومحليًا — مصر)
ملاحظة مهمة: قياس حجم التحرش صعب بطبيعته (قلة الإبلاغ، تعريفات متباينة، طرق مسح مختلفة). أعرض أدناه أحدث التقديرات الدولية والبيانات المصرية الموثوقة المتاحة حتى 2025، مع توضيح نطاق وتواريخ المصادر.
أرقام عالمية رئيسية
• تقريبيًا ما يقرب من 1 من كل 3 نساء (≈30%) تعرضت للعنف الجسدي و/أو الجنسي على يد شريك حميم أو من قبل غير الشريك خلال حياتها — هذا رقم مرجع من تقارير منظمة الصحة العالمية/شبكة الأمم المتحدة حول العنف ضد النساء.
• تقديرات مخصصة للعنف الجنسي من غير الشريك تشير إلى أن نحو 6% من النساء (عمر 15–49) أبلغن عن تجربة عنف جنسي من غير الشريك مدى الحياة (تقدير نشر في 2024 وتحليلاته تشير إلى أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى بسبب نقص البلاغات). هذا تقدير استمده تحليل علمي منشور 2024.
المشهد في مصر
• دراسات ومسوح محلية ومنظمات مجتمع مدني مصرية أظهرت معدلات مرتفعة جدًا من التعرض للتحرش في الأماكن العامة؛ دراسات سابقة (مثل تقارير HarassMap) أظهرت نسبًا مرتفعة للغاية في القاهرة وما حولها (أرقام تاريخية تشير إلى معدلات تجاوزت 90% في بعض المسوحات المحلية)، لكن تلك أرقام تعتمد على منهجيات عينات مختلفة ويجب قراءتها بحذر.
• مراجعات ومنشورات حديثة (2024–2025) تؤكد استمرار ارتفاع حدة الظاهرة في مصر رغم سن تشريعات منذ منتصف العقد الماضي، وتشير إلى فروقات حسب العمر، التعليم، والبيئة الحضرية، مع ضعف الإبلاغ والعزوف عن التحرك القانوني. تقرير مسح سريع/مراجعة منهجية مصرية (IDS Rapid Scoping Review 2025) يؤكد استمرار الحوادث ووجود فجوات في التنفيذ والسياسات.
• مؤسسات مصرية (المجلس القومي للمرأة، وحدات جامعية لمكافحة التحرش وغيرها) بدأت تبني وحدات واستراتيجيات للتعامل مع الظاهرة، لكن التقارير الوطنية تشير إلى الحاجة لتحسين جمع البيانات، وتسهيل البلاغ، وحماية الضحايا.
أهم أسباب التحرش — نظرة تحليلية (عالميًا وفي مصر)
الأسباب العالمية الجذرية للتحرش
1. عدم توازن القوى بين الجنسين (الهيمنة الذكورية)
• في مجتمعات كثيرة، يُنظر إلى الرجال كأصحاب سلطة والنساء كأطراف تابعة أو أقل شأنًا.
• هذا التصور يُشجع بعض الرجال على ممارسة السيطرة عبر التحرش كوسيلة إثبات للهيمنة.
• الدراسات العالمية (WHO، UN Women) تشير إلى أن الدول التي ترتفع فيها فجوات المساواة الجندرية، ترتفع فيها نسب العنف والتحرش.
2. ثقافة الإفلات من العقاب
• غياب الردع القانوني، أو تطبيق القوانين بشكل ضعيف، يؤدي إلى شعور الجناة بالأمان.
• مثال: في دول كثيرة، قضايا التحرش تنتهي دون إدانة بسبب ضعف الأدلة أو الضغط الاجتماعي على الضحية.
• هذا المناخ يُشجع التكرار ويحوّل التحرش إلى سلوك “عادي”.
3. ضعف التربية على الموافقة والاحترام وثقافة حقوق الإنسان
• في غياب تعليم واضح حول حدود الجسد، والحق في الموافقة أو الرفض، ينشأ جيل لا يفرّق بين السلوك الطبيعي والمسيء.
• إدماج ثقافة الموافقة والاحترام وحقوق الإنسان في المناهج يقلّل من احتمالية ارتكاب التحرش على المدى الطويل.
4. تأثير التكنولوجيا والتحرش الرقمي
• منصات التواصل أتاحت مساحة جديدة للجناة: الرسائل الجنسية غير المرغوبة، مشاركة صور شخصية، والابتزاز.
• ضعف القوانين الرقمية أو بطء استجابة الشركات التقنية يزيد من توسع الظاهرة عالميًا.
5. العوامل الاقتصادية والاجتماعية
• بعض الدراسات تربط بين معدلات البطالة أو الإحباط الاقتصادي وبين السلوكيات العدوانية بما فيها التحرش.
• ليس السبب الوحيد، لكن الظروف الاقتصادية قد تزيد القابلية لممارسة العنف كتعويض عن فقدان السيطرة في مجالات أخرى.
الأسباب الخاصة بالسياق المصري
1. الأعراف الاجتماعية المحافظة + وصمة العار
• المجتمع يميل إلى لوم الضحية بدلًا من الجاني، خصوصًا النساء (“لبسك سبب”، “ليه كنتي في الشارع متأخر؟”).
• هذا يولّد خوفًا عميقًا من التبليغ ويُضعف مواجهة الظاهرة.
2. ضعف آليات التبليغ وتطبيق القانون
• رغم وجود قوانين تُجرّم التحرش (منذ 2014 وما بعدها)، إلا أن تطبيقها غير متسق.
• في الواقع، كثير من القضايا لا تصل إلى المحكمة بسبب صعوبة الإثبات أو ضغط المجتمع على الضحية للتنازل
2.نقص آليات الإبلاغ الآمنة والموثوقة
• في كثير من الحالات، لا توجد قنوات مضمونة أو سرية تسمح للضحايا بالإبلاغ عن التحرش دون خوف من الفضيحة أو الانتقام.
• على سبيل المثال: بعض النساء يترددن في التوجه إلى أقسام الشرطة بسبب الخوف من عدم تصديقهن أو التعرض للوم (“أنت السبب بملابسك أو سلوكك”).
• المؤسسات (مثل الجامعات أو أماكن العمل) قد تفتقر إلى وحدات مستقلة للتحقيق، ما يؤدي إلى تجاهل الشكوى أو الضغط على الضحية للتنازل.
• عالميًا، التجارب الناجحة (مثل الخطوط الساخنة في بعض الدول الأوروبية) أثبتت أن توفير قنوات إلكترونية سرية وسريعة (تطبيقات هاتفية، إيميلات مشفرة، صناديق شكوى داخل المؤسسات) يزيد من الإبلاغ بشكل كبير
3. ثقافة الصمت والتهكم
• هناك ثقافة مجتمعية تعتبر التحرش أمرًا عاديًا أو مزحة، مما يضعف من جدية التعامل معه.
• التهكم يظهر في صورة السخرية من الضحية (“هوّ دا تحرش؟ بسيطة”) أو حتى التشكيك (“أكيد بتبالغي”).
• هذه الثقافة تؤدي إلى صمت النساء وتجنبهن الحديث عن الحوادث خوفًا من السخرية أو اللوم.
• في مصر مثلًا، كثير من الدراسات الميدانية (مثل تقارير HarassMap) أظهرت أن النساء يواجهن تعليقات سلبية أو نصائح غير داعمة عند شكواهن (مثل “خليكي في بيتك” أو “اتجاهلي”).
• هذا المناخ يعيق بناء حركة اجتماعية واسعة لمحاربة التحرش، ويجعل الجناة يشعرون بالأمان من العقاب.
5 .الازدحام ووسائل النقل غير الآمنة
– الازدحام السكاني في المدن الكبرى (مثل القاهرة والإسكندرية) يخلق بيئات مثالية لمرتكبي التحرش، حيث يصعب على الضحية الدفاع عن نفسها أو الحصول على مساعدة.
• وسائل النقل العامة المكتظة (الميكروباص، المترو، الأتوبيسات) تجعل النساء أكثر عرضة للتحرش الجسدي مثل اللمس أو الاحتكاك القسري.
• قلة الإنارة في بعض الشوارع أو ضعف الرقابة الأمنية تزيد من المخاطر في ساعات الليل.
“على الصعيد العالمي، مدن عديدة واجهت نفس المشكلة (مثل نيودلهي، مكسيكو سيتي)، وقد أظهرت الدراسات أن تحسين الإنارة، وضع كاميرات، وتخصيص عربات نسائية قلل من الحوادث بنسبة ملموسة”
“في مصر، تجربة تخصيص عربات “سيدات فقط” في مترو الأنفاق خطوة مهمة، لكنها غير كافية بسبب استمرار الظاهرة في باقي العربات والمواصلات الأخرى”
6. ضعف التثقيف الجنسي والحقوقي
• غياب برامج منهجية في المدارس حول الموافقة، الاحترام، وحقوق الإنسان يؤدي إلى نقص وعي لدى الشباب.
• هذا يترك مساحة لتكرار الصور النمطية حول المرأة واعتبارها “مسؤولة عن التحرش”.
أهم الآثار المترتبة على التحرش:
• آثار نفسية: اضطراب ما بعد الصدمة، اكتئاب، قلق، شعور بالخزي.
• آثار اجتماعية: عزوف عن الوجود العام، تقييد حرية الحركة، انخفاض مشاركة النساء في التعليم والعمل. (أبحاث WHO وUN تشير إلى انعكاسات صحية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد).
حلول واستراتيجيات
1) إصلاح قانوني وتطبيق فعال
• مراجعة القوانين لتعزيز الحماية (تعريفات شاملة للتحرش تشمل الرقمي، اللفظي، والسلوكات غير الجسدية).
• إجراءات تطبيق سريعة وميسرة: وحدات جرائم العنف ضد المرأة في كل نيابة ومراكز شرطة مجهزة لاستقبال شكاوى بسرية.
• تدريب رجال إنفاذ القانون والقضاء على حساسية النوع الاجتماعي وطرق التعامل مع الضحايا.
• عقوبات رادعة إلى جانب برامج تأهيل للجانحين.
مؤشرات قياس: عدد البلاغات، نسبة التحقيقات التي تحولت لمحاكمات، مدة الإجراء القضائي، مستوى رضا/حماية الضحايا.
2) آليات بلاغ وحماية للضحايا
• خطوط مساعدة وطنية 24/7 وسرية باللغة العربية وتيسير الوصول عبر الإنترنت والهواتف.
• ملاجئ وخدمات شاملة (دعم طبي، نفسي، قانوني) ممولة من الدولة والشراكات مع المجتمع المدني.
• آليات حماية للعرضة للانتقام (حماية الشهود، تأمين أماكن العمل/الجامعة).
3) الوقاية عبر التعليم والتوعية
• منهجيات مدرسية وجامعية حول الموافقة، الاحترام، وثقافة حقوق الإنسان تبدأ مبكرًا وتستمر عبر التعليم الثانوي والجامعي.
• حملات وسائط متعددة تستهدف الرجال والشباب لتفكيك الصور النمطية وتعزيز أسس الذكور الإيجابية.
• تدريب بُناة رأي (المعلمون، القادة الدينيون، المشاهير) ليكونوا سفراء للتغيير.
4) تدابير في الأماكن العامة والعمل
• تحسين الأمن في المواصلات: كاميرات (مع ضمان الخصوصية)، إنارة أفضل، خطوط طوارئ، حضور منسقات للسلامة في محطات مزدحمة.
• سياسات مؤسساتية في مكان العمل: بيئات إبلاغ مستقلة، دورات تدريب إلزامية، لجان تحقيق محايدة، عقوبات للانتهاكات.
• حماية رقمية: قوانين ضد الابتزاز الرقمي، آليات إبلاغ سريع عن المحتوى المسيء وإزالته، تعليم المستخدمين حول الخصوصية الرقمية.
5) إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص مع حوافز للمؤسسات
• حوافز قوية للمؤسسات:
• شهادات اعتماد أو جوائز وطنية للجامعات والشركات التي تطبق سياسات صارمة ضد التحرش.
• إعطاء أفضلية في التعاقدات الحكومية أو المناقصات للمؤسسات التي تحقق معايير الحماية.
• إعفاءات أو تخفيضات ضريبية للشركات الملتزمة.
• إبراز هذه المؤسسات إعلاميًا كنماذج يحتذى بها، لخلق ثقافة تنافس إيجابية في السوق.
• شراكات مع منظمات مثل HarassMap ومؤسسات نسوية محلية لبناء منصات إبلاغ آمنة وجمع بيانات ميدانية.
6) مشروعات توفير بيئة آمنة
• مواصلات آمنة: تخصيص عربات أو حافلات، تدريب السائقين، كاميرات مراقبة.
• تحسين الإنارة في الشوارع والأحياء.
• مراكز دعم مجتمعية محلية تقدم استشارات وتدريبات مباشرة.
• تصميم أماكن عامة صديقة للنساء، تشجع النساء على المشاركة الحرة وتمنحهن إحساسًا بالأمان.
7) جمع بيانات رصينة ومتابعة المستجدات
• إجراء مسوح دورية ممثلة على المستويين الوطني والمحلي (بروتوكولات موحدة) لتقدير حجم الظاهرة بشكل موثوق. تقارير WHO والأبحاث الأكاديمية الحديثة تؤكد أن جودة البيانات أساسية لتصميم تدخلات فعالة.
• قاعدة بيانات وطنية محمية عن البلاغات والإجراءات والمخرجات (مؤشّرات شفافة مُنسقة).
الخلاصة التحليلية
• عالميًا: التحرش نتيجة مزيج من ثقافة ذكورية + ضعف الردع + غياب التثقيف + بيئات غير آمنة.
• في مصر: هذه العوامل موجودة، لكن تتفاقم بسبب العزوف عن التبليغ، وصمة العار، الزحام الحضري، وضعف ثقافة الموافقة
ختاما ان التحرش مشكلة عالمية ذات جذور اجتماعية وقانونية عميقة، وأرقام المنظمات العالمية (WHO، تقارير بحثية 2024) توضح أن عشرات إلى مئات الملايين من النساء يعانين من أشكال مختلفة من العنف والتحرش. في مصر، رغم تقدم تشريعي وتجارب مدنية راسخة (مثل HarassMap ومبادرات جامعية)، تبقى التحديات في تطبيق القانون، تغيير الأعراف، وتوفير خدمات دعم جيدة. أي استراتيجية فعالة تتطلب مشاركة حكومية قوية، مشاركة مجتمعية، تمويل مستمر، وبيانات موثوقة لقياس التقدّم.
مصادر رئيسية
• WHO — “Violence against women” (factsheet).
• Sardinha et al., 2024 — تحليل تقديرات العنف الجنسي من غير الشريك (مطبوعة/عن طريق PubMed / Lancet-related).
• IDS — Rapid Scoping Review: Egypt (2025).
• HarassMap — دراسات وتقارير ميدانية عن مصر.
• المجلس القومي للمرأة – نشرات /معلومات عن وضع النساء في مصر (نشرات/حقائق وطنية).
• مبادرات ووحدات جامعية مصرية ومراكز مدنية (مثال: وحدة مكافحة التحرش في جامعة القاهرة، تقارير محلية 2025).



