خالد فواز يكتب.. لماذا تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على جرينلاند ؟

تُعد جزيرة جرينلاند واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، رغم قلة عدد سكانها وقسوة ظروفها المناخية. فهي أكبر جزيرة في العالم، وتبلغ مساحتها نحو 2.1 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل ضعف مساحة مصر تقريبًا، وتغطي الثلوج حوالي 80% من مساحتها.
ويبلغ عدد سكانها نحو 68 ألف نسمة فقط، يعيشون على حوالي 20% من مساحة الجزيرة، بينما الباقي غير صالح للسكن. ورغم ذلك، تحظى جرينلاند باهتمام دولي متزايد، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية.
الوضع القانوني والسياسي لجرينلاند
تتبع جرينلاند رسميًا مملكة الدنمارك، لكنها حصلت على حكم ذاتي موسع عام 1979، ثم توسع أكثر عام 2009، فأصبحت تدير شؤونها الداخلية، بينما بقيت السياسة الخارجية والدفاع بيد الدنمارك.
ويطالب جزء من شعبها بالاستقلال الكامل، لكنهم لا يتعجلون ذلك، بسبب:
الحاجة إلى موارد مالية مستقرة.
الخوف من استغلال الثروات الطبيعية بشكل يضر بالبيئة.
رفض التبعية لقوى أجنبية لأهداف اقتصادية أو سياسية.
الأهمية الاقتصادية لجرينلاند
يعتمد اقتصاد جرينلاند بنسبة تقارب 80% على صيد الأسماك، كما تقدم الدنمارك دعمًا سنويًا يقارب 600 مليون دولار لتمويل الخدمات العامة.
لكن الأهمية الحقيقية تكمن في ثرواتها الطبيعية، ومنها:
- المعادن النادرة
تحتوي جرينلاند على معادن استراتيجية مثل:
النيوديميوم
الساماريوم
الديسبروسيوم
وهي معادن ضرورية لصناعة:
التكنولوجيا الحديثة
السيارات الكهربائية
الأسلحة المتقدمة
- الموارد الطبيعية
تضم الجزيرة احتياطيات من:
النفط
الغاز
الزنك
الحديد
الرصاص
الذهب
اليورانيوم
- الطرق البحرية الجديدة
بسبب ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، بدأت تظهر ممرات ملاحية جديدة في القطب الشمالي، ما يؤدي إلى:
تقليل زمن الشحن بين آسيا وأوروبا وأمريكا.
زيادة الأرباح التجارية.
تمكين الولايات المتحدة من مراقبة حركة السفن.
الأهمية العسكرية والاستراتيجية
تمثل جرينلاند موقعًا محوريًا في منظومة الدفاع الأمريكية، لأنها:
تقع على أقصر طريق جوي وصاروخي بين روسيا وأمريكا.
تضم قاعدة أمريكية مهمة في شمال شرق الجزيرة (قاعدة ثولي).
وتُستخدم هذه القاعدة في:
رصد الصواريخ الباليستية.
الإنذار المبكر.
مراقبة الفضاء.
وبالتالي، تُعد جرينلاند خط الدفاع الأول عن أمريكا من جهة القطب الشمالي.
محاولات أمريكا السابقة لشراء جرينلاند
لم تكن فكرة شراء جرينلاند جديدة، فقد تكررت عدة مرات:
- عام 1865
عرض وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد شراءها، وتم الرفض.
- عام 1946
عرض الرئيس ترومان شراءها مقابل 100 مليون دولار ذهبًا (نحو 44 طنًا)، ورفضت الدنمارك.
- عهد ترامب (2019)
جدد ترامب الفكرة، وأثار جدلًا عالميًا، لكن قوبل بالرفض الشعبي والسياسي.
لماذا تخشى أمريكا من دخول الصين وروسيا؟
أولًا: الصين
تسعى الصين إلى التوسع عبر الاستثمار، وليس المواجهة العسكرية المباشرة. وقد عرضت:
شراء موانئ قديمة.
الاستثمار في المطارات.
تنفيذ مشروعات تعدين.
وتخشى أمريكا أن يؤدي ذلك إلى:
إنشاء قواعد عسكرية مستقبلًا.
التجسس على القواعد الأمريكية.
التشويش على أنظمة الدفاع.
ثانيًا: روسيا
روسيا موجودة بالفعل بقوة في القطب الشمالي، وتقوم بـ:
فتح ممرات بحرية قديمة.
إجراء مناورات عسكرية.
تشغيل غواصات نووية.
التعاون العسكري مع الصين.
ودخول روسيا أو الصين بقوة إلى جرينلاند يعني تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.
موقف جرينلاند والدنمارك
رفضت كل من جرينلاند والدنمارك فكرة البيع، وأكدت أن:
جرينلاند ليست سلعة.
الجزيرة ليست للبيع.
السيادة غير قابلة للتفاوض.
كما عززت الدنمارك وجودها العسكري، ونفذت مناورات جوية وبحرية لإظهار قدرتها على حماية الإقليم.
البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة
يرتبط طرح ترامب للفكرة أيضًا بالسياسة الداخلية، حيث:
حاول إظهار نفسه كزعيم قوي.
سعى لكسب دعم القوميين.
أراد توظيف الملف انتخابيًا.
لكن الفكرة اصطدمت برفض أوروبي واسع، خاصة من الاتحاد الأوروبي.
الخلاصة
يمكن تلخيص اهتمام الولايات المتحدة بجرينلاند في ثلاثة محاور رئيسية:
- أمني وعسكري
حماية أمريكا من روسيا.
السيطرة على القطب الشمالي.
تأمين منظومة الدفاع الصاروخي.
- اقتصادي
السيطرة على المعادن النادرة.
الاستفادة من الطرق البحرية.
ضمان مصادر طاقة مستقبلية.
- سياسي واستراتيجي
منع تمدد الصين وروسيا.
الحفاظ على الهيمنة العالمية.
تأمين النفوذ في الشمال.
وفي المقابل، تسعى جرينلاند إلى تحقيق توازن بين:
التنمية الاقتصادية،
حماية البيئة،
الحفاظ على السيادة.
دون الوقوع في فخ التبعية لأي قوة كبرى.


