تقدير موقف

جمال المحلاوي يكتب.. الصومال وحلم الدولة الفيدرالية الموحدة

المقدمة

عزيزي القاريء في محاولة لفهم مايحدث في الصومال خاصة بعد الأحداث الأخيرة والتي ارتبطت بإعلان إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند وماتبعه من رد فعل دولي وإفريقي وعربي وفي القلب منه رد الفعل المصري الرافض لتلك الخطوة والمؤكد على احترام وحدة أراضي الصومال حيث شدد وزير الخارجية على دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية غير القابلة للمساس، باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مؤكدًا الرفض التام وإدانة مصر لأي إجراءات أحادية أو محاولات لفرض كيانات موازية أو خلق واقع سياسي جديد خارج الأطر القانونية المعترف بها دوليًا، لما لذلك من آثار خطيرة وتداعيات سلبية على استقرار الصومال والقارة الأفريقية بأكملها، منوهًا بأن الاعتراف الإسرائيلي يسهم في تأجيج النزاعات وانعدام الأمن في المنطقة، ومحمّلًا إسرائيل المسؤولية الكاملة عن التداعيات المترتبة على هذا القرار غير المشروع (إسراء خليل, 15 مارس 2023, موسوعة الدول العربية)

وقبل أن نخوض في تداعيات تلك المشكلة بالتفصيل لابد لنا أن نتعرف على الصومال كبلد عربي إفريقي مهم.

1– ماطبيعة نظام الحكم في الصومال ؟

صدر الدستور المؤقت للصومال عام 2012 والذي نص في مادته الأولى أن “الصومال جمهورية اتحادية ديمقراطية ذات سيادة تقوم على التمثيل الشامل للشعب، ونظام التعددية الحزبية والعدالة الاجتماعية” إلا أنه في يناير 2024 تم إدخال تعديلات على الدستور المؤقت سعيا من الرئيس الصومالي إلى معالجة التحديات التي تواجه البلاد مثل عدم الاستقرار السياسي ونقص المشاركة الشعبية وضعف المؤسسات الديمقراطية. وتركز مراجعة الدستور على نقاط أساسية تشمل الإطار الانتخابي، والتحول للنظام الرئاسي، والاقتراع العام، وانتخاب المجالس الولائية، وتكوين الأحزاب السياسية، وتمثيل المرأة، وضمان نزاهة وحيادية الانتخابات وتجاوبا مع تلك الظروف صوت البرلمان الصومالي بمجلسيه على مشروع التعديلات الدستورية، سعيا من الرئيس حسن شيخ محمود إلى تنفيذ وعوده الانتخابية، والتي كان من أهمها استكمال الدستور المؤقت. وتعد هذه الخطوة، إذا ما تمت بنجاح، إنجازا تاريخيا يؤسس لمرحلة جديدة في بناء الدولة الصومالية حيث لم يفلح أي رئيس سابق باستكمال الدستور. ولكن، تواجه التعديلات بعض التحديات، مثل إقناع المتحفظين عليها والعمل على آليات الضمان الدستوري، وإشراك كافة القوى الفاعلة في الواقع. وفي 24 ينايرالماضي، وافق البرلمان الصومالي على مشروع التعديلات الدستورية بأغلبية 201 صوتاً مقابل 19 صوتاً معارضاً و حضر الجلسة 220 نائباً من أصل 329 نائبا ( أحمد صديق , 3 أبريل 2024 ,المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات)

2- ما مراحل تطور التاريخ السياسي في الصومال ؟يمكن تقسيم التاريخ السياسي للصومال إلى 5 مراحل، وهي كالتي: المرحلة الأولى في التاريخ السياسي للصومال: وكانت أبرز الأحداث في هذه المرحلة* تأسيس الحكومات المدنية، في عهد الرئيس أدم عبدلي عثمان 1960-1967م، وعهد عبدالرشيد علي شرماركي من فترة 1967 إلى أن توفي في عام 1969م

* استقلال الصومال من الاستعمار في يوليو/تموز 1960م، حيث أصبحت تعرف بـ “جمهورية الصومال المتحدة”، وانضمت أراضي الصومال البريطانية والإيطالية سابقًا لتشكل دولة واحدة موحدة..

المرحلة الثانية في التاريخ السياسي للصومال:وتمثلت هذه الفترة بالحكومة العسكرية (1969-1991م) في عهد الرئيس محمد سياد بري، وفي عام 1991م، أنشئت هياكل إقليمية إدارية أصبحت تنادي بنظام فيدرالي للحكم، وذلك بحجة أنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تتحد بموجبها الوحدات القائمة.

المرحلة الثالثة في التاريخ السياسي للصومال:وتضمنت هذه المرحلة حدوث الجبهات المسلحة (1991-2000م)، وتحول الصومال إلى إقطاعات، كما شملت هذه المرحلة على الحروب الأهلية..

المرحلة الرابعة في التاريخ السياسي للصومال:ومن أبرز أحداثها ,تشكل الحكومات الانتقالية، في عهد الرئيس عبد القاسم صلاد حسن (2000 – 2004م) وفي عهد الرئيس عبدالله يوسف أحمد (2004 – 2008م)، وعهد الرئيس شيخ شريف شيخ أحمد (2008-2012م)).

المرحلة الخامسة في التاريخ السياسي للصومال: تميزت هذه الفترة بوجود الحكومة الفيدرالية من سنة 2012م، وحتى فبراير 2017م، في عهد الرئيس حسن شيخ محمود في فترته السابقة، كما تم انتخاب الرئيس محمد فرماجو رئيسًا لجمهورية الصومال الفيدرالية بتاريخ 8 فبراير 2017 ثم عاد الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو 2022 لفترة رئاسية جديدة .

3-أهم الولايات الفيدرالية في الصومال:ولاية بونت لاند، وعاصمتها جروي- ولاية جنوب وغرب الصومال، وعاصمتها المؤقت بيدوا- ولاية جوبالاند، وعاصمتها كسمايو- ولاية جلمدغ، وعاصمتها المؤقت عذاذ-وولاية هيرشبيلي، وعاصمتها جوهر- إقليم صومالي لاند وعاصمته هيرجيسيا . تعد مقديشيو عاصمة الصومال الرسمية

4- ملامح بعض الولايات الفيدرالية في الصومال: تُعد جنوب غرب الصومال منطقة زراعية حيوية لمرورها نهري شبيلي وجوبا، وتتمتع بتربة خصبة وموارد طبيعية مهمة، مما يجعلها مركزًا اقتصاديًا رئيسيًا لدعم التنمية في الجنوب وربطها بالولايات الأخرى –(ولاية هيرشبيلي),تقع ولاية هيرشبيلي في وسط جنوب الصومال، وتجاور العاصمة مقديشو من الجهة الشرقية. تحدها شمالًا ولاية غلمدغ، جنوبًا ولاية جنوب غرب الصومال ومنطقة بنادر، غربًا إثيوبيا، وشرقًا المحيط الهندي.تعد هيرشبيلي من الولايات الزراعية الحيوية لمرور نهر شبيلي عبر أراضيها، كما تتمتع بسواحل طويلة وثروات طبيعية مهمة تشمل الزراعة والثروة الحيوانية والصيد البحري، مع وجود موارد معدنية محتملة غير مستغلة. تلعب الولاية دورًا محوريًا في تعزيز الترابط بين جنوب ووسط البلاد – (ولاية غلمدغ )هي ولاية وسطى في الصومال، تتميز بموقع استراتيجي يربط بين إثيوبيا غربًا والمحيط الهندي شرقًا، وبين بونتلاند شمالًا وولاية هيرشبيلي جنوبًا اقتصاديًا، تعتمد الولاية على الثروة الحيوانية والصيد البحري والزراعة، وتحتوي على مناطق غنية بالثروات المعدنية المحتملة والبترول الذي سيبدأ حفره قريبًا لتعزيز التنمية الداخلية وربط الشبكات التجارية بين الولايات المختلفة تعتبر غلمدغ حلقة وصل طبيعية بين شمال وجنوب الصومال، وتلعب دورًا مهمًا في دعم وحدة الدولة واستقرارها السياسي-( ولاية بونتلاند)*
تقع ولاية بونتلاند في شمال شرق الصومال، وتمتد على طول ساحل خليج عدن والمحيط الهندي، وتحدها شمال الشرق غربًا، وغلمدغ جنوبًا

تتمتع بونتلاند بموقع استراتيجي مهم لأمن الملاحة البحرية وحماية الممرات الدولية القريبة من مضيق باب المندب
اقتصاديًا، تعتمد الولاية على الثروة البحرية والزراعة وتربية الماشية، وتلعب دورًا حيويًا في الربط بين شمال وشرق البلاد، كما تسهم في تعزيز وحدة الدولة واستقرارها السياسي- (ولاية شمال الشرق) تقع ولاية شمال الشرق بين ولايتي بونتلاند وصومال لاند، وتطل شمالًا على خليج عدن، وتمتد جنوبًا نحو العمق الجغرافي للصومال و تُعد من أبرز مناطق مقاومة مشروع الانفصال سياسيًا واجتماعيًا، حيث خاض السكان نضالًا طويلًا للحفاظ على ارتباطهم بالدولة الصومالية و تكتسب الولاية أهمية استراتيجية كونها جسرًا جغرافيًا وسياسيًا بين شمال البلاد وجنوبه، واعتراف الحكومة بها ككيان فيدرالي مستقل يعزز وحدة الدولة ويحد من نفوذ الانفصاليين و اقتصاديًا، تتميز ولاية شمال الشرقي بمواردها الزراعية، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية، كما تُعد من أهم المناطق الغنية بالثروات المعدنية في الصومال، ما جعلها نقطة ارتكاز للاستثمارات الأجنبية، حيث استهدفتها بعض الجهات لجلب الذهب والمعادن إلى الخارج، بما يعكس أهميتها الاقتصادية الاستراتيجية – ( ولاية صوماليلاند,الإدارة المعلنة من طرف واحد): تقع صومال لاند في شمال غرب الصومال، وتشمل إقليمي توغدير والشمال الغربي، وتشكل الحاضنة الأساسية لمشروع الانفصال المرتبط بقبيلة إسحاق. تحدها جيبوتي غربًا، وإثيوبيا جنوبًا، وولاية شمال الشرق شرقًا، وتطل شمالًا على خليج عدن ورغم إعلان الإدارة الانفصالية منذ عام 1991، فإن المشروع يظل فاقدًا للشرعية الوطنية لأنه يمثل توجهًا سياسيًا محدودًا داخل قبيلة واحدة دون أن يحظى بإجماع القبائل الأخرى. ويبرز ذلك من خلال مشاركة أبناء القبيلة في مؤسسات الدولة المركزية بمناصب عليا مثل نواب ووزراء وتظل المنطقة جزءًا لا يتجزأ من أراضي الدولة الصومالية وفق الدستور الوطني والقانون الدولي، ويؤكد الاعتراف الرسمي بها ضمن النظام الفيدرالي حرص الدولة على صون الوحدة الوطنية والسيادة – (ولاية أودل المشروع المحتمل) تقع ولاية أودل في شمال غرب الصومال، وتكتسب أهمية استراتيجية لاحتضانها مدينة زيلع التاريخية القريبة من مضيق باب المندب، وكذلك قربها من مكة المكرمة والمدينة المنوّرة، حيث لعبت مملكة زيلع دورًا دفاعيًا في العصور الوسطى بالتعاون مع سلطنة أجوران ضد الغزوات البرتغالية والإثيوبية , ويهدف إنشاء ولاية أودل الفيدرالية إلى تمكين السكان من الارتباط المباشر بالدولة المركزية، وضمان التمثيل العادل وفرص التنمية، كما يسهم في الحد من نفوذ الانفصاليين وتقويض المشاريع الخارجية التي تحاول استغلال الموقع الاستراتيجي للإقليم اقتصاديًا، تتميز الولاية بمواردها الزراعية، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية مع احتمال وجود ثروات معدنية واعدة، كما تُعد نقطة وصل حيوية بين الصومال وجيبوتي وإثيوبيا، ما يعزز التنمية الداخلية ويربط الشبكات التجارية بين هذه البلدان المتجاورة، ويسهم في تقوية وحدة الدولة واستقرارها السياسي وأما العاصمة مقديشو، فهي تتمتع بوضع إداري خاص يؤهلها للقيام بدور مشابه للولايات الفيدرالية، لكنها تظل خاضعة مباشرة لسلطة الحكومة المركزية، ما يجعل حقوق تمثيل سكانها، الذين يشكّلون أغلبية البلاد بحوالي ثلاثة ملايين نسمة، على المحك، ويستدعي ضمان مشاركتهم الفعّالة في المؤسسات الحكومية والمحصلة، مع استحداث ولاية أودل مستقبلًا، ومنح العاصمة مقديشو وضعًا قريبًا من الولاية الفيدرالية، سيصل عدد الولايات الفيدرالية إلى تسع، “ما يعكس تطور النظام الإداري وتوسيع دائرة التمثيل الشعبي ويظل مستقبل الدولة الصومالية واستقرارها السياسي مرهونًا بقدرتها على بناء نظام إداري عادل يعكس الإرادة الحقيقية لجميع مكوناتها، ويُغلق الطريق أمام مشاريع التفكيك والانقسام. إن دعم الولايات المرتبطة بالدولة المركزية، ومساندة المناطق التي عانت من التهميش مثل أودل وشمال الشرق، لا يُعد تكريسًا للانفصال، بل يُمثل خطوة جوهرية لترسيخ الوحدة الوطنية، وصون السيادة، وبناء دولة قائمة على العدالة والشراكة، لا على الإقصاء والهيمنة . وننبه على أن لا توجد في الصومال اختلافات إثنية أو دينية أو حتى مذهبية، فالسكان يشكلون وحدة متجانسة من حيث النسب والصهر، مما يفند أي ذريعة لمطالبة قبيلة من القبائل الصومالية بالانفصال، على غرار ما حدث في دول أخرى مثل السودان أو تيمور الشرقية” (المقدسي أحمد ,16 يناير 2026 ,قراءات صومالية )

الخاتمة

إن الصومال كبلد عربي إفريقي قد عانى كثير من المشكلات على مر العقود الماضية وقد حان لذلك البلد ذو التاريخ العريق أن ينعم بالاستقرار في ظل قيادة واعية تدرك أن خروج الصومال من حالة التشرذم لابد أن يكون باتخاذ إجراءات لتجميع ذلك الشعب الذي لايوجد بينه اختلافات إثنية أو دينية أو حتى مذهبية , بل إن عوامل وحدته تجب أي ادعاء بتفكيكه .

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى