تقدير موقف

جزيرة هاينان مغناطيس تجاري جديد للصين…هل تقتنص مصر الفرصة؟

إعداد/ د. أشرف ممتاز 

بينما تدهس الولايات المتحدة حلفاءها في أوروبا وتنسف شراكاتها الاقتصادية عبر الأطلسي للاستيلاء على جزيرة “جرينلاند” بمبررات أنانية ومتغطرسة، كانت الصين تقوم بهدوء بتحويل جزيرة في أقصى جنوبها إلى سلاح جديد لتوسيع نفوذها الاقتصادي ومواجهة حرب الحمائية التجارية في العالم؛ وذلك بإعلان ميناء جزيرة “هاينان” للتجارة الحرة “منطقة جمركية خاصة”، في أوسع عملية تغييرات تنفذها الصين في الهيكل الجمركي منذ انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية قبل 25 عاماً.

وبموجب هذا التغيير، تحولت جزيرة هاينان إلى منطقة جمركية خاصة تسمح بدخول السلع المستوردة بحرية، مع توسيع نطاق الإعفاءات الجمركية الكاملة وتطبيق عدد من الإجراءات الجديدة لتسهيل بيئة الأعمال أمام الاستثمارات الأجنبية، تشمل إعفاءات جمركية وضريبية وتسهيلات لوجستية؛ وهو ما يجعل هاينان اليوم أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم، والمنصة الرئيسية لوصول الشركات الأجنبية إلى السوق الصيني.

تقع جزيرة هاينان في أقصى جنوب الصين، وتبلغ مساحتها حوالي 35 ألف كيلومتر مربع (ما يعادل مساحة بلجيكا تقريباً)، وتُعرف بلقب “هاواي الشرق” نظراً لطبيعتها السياحية الخلابة، كما تستضيف الجزيرة سنوياً “منتدى بوآو الآسيوي” (Boao Forum)، وهو نسخة آسيوية موازية لمنتدى “دافوس” الاقتصادي. وفي عام 1988، تم إعلان الجزيرة منطقة اقتصادية خاصة ضمن سلاسل المناطق الاقتصادية التي أطلقتها الصين آنذاك لقيادة التحول نحو اقتصاد السوق والانفتاح على التجارة العالمية، وفي عام 2020 أعلنت الصين عن خطة طموحة لتحويل الجزيرة إلى ميناء تجارة حرة عالمي، ومنذ ذلك العام نجحت هاينان في استقطاب أكثر من 9500 شركة أجنبية، ليبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 113 مليار دولار في عام 2025.

التغييرات الجديدة، التي أطلقت عليها الحكومة الصينية “نظام العمليات الجمركية المستقلة”، تمثل نقلة نوعية في حركة التجارة وسلاسل التوريد الدولية؛ لما يوفره النظام الجديد من مزايا تنافسية لا يستطيع الاستثمار الأجنبي مقاومة مغرياتها. تتضمن باقة الحوافز “الخط الأول” الذي يتيح حرية تامة في حركة البضائع بين هاينان والدول الأجنبية بنسب إعفاءات جمركية تصل إلى 75%، و”الخط الثاني” الذي يقدم تسهيلات جمركية عند انتقال البضائع من هاينان إلى “البر الرئيسي” للصين.

أما الميزة الأهم في النظام الجديد فهي “قاعدة الـ 30%”؛ فالمنتجات التي تُصنع في الجزيرة وتضيف 30% لقيمتها تُعفى من الرسوم الجمركية تماماً عند دخولها لبقية أسواق الصين. فمثلاً، أي منتج يُصنع في الهند عند دخوله إلى الصين سيدفع عنه المستثمر 12% جمارك و13% ضرائب، أما إذا تم تصنيع هذا المنتج أو معالجته (كما في حالة المنتجات البتروكيماوية) في هاينان، فسيدفع المستثمر “صفراً” للجمارك والضرائب، ليصل بذلك الفارق في التكلفة إلى 40%، وهو ما ينسف أي محاولة للمنافسة من قبل الآخرين.

إضافة إلى نظام العمليات الجمركية، تقدم هاينان حزماً من التسهيلات غير المسبوقة، تشمل تطبيق ضريبة دخل منخفضة تصل إلى 15% للشركات المؤهلة والأفراد ذوي المهارات العالية، وهي أقل بكثير من معدلات الضرائب في البر الرئيسي، فضلاً عن سياسة الإعفاء من التأشيرة لمواطني أكثر من 50 دولة؛ مما يعزز مكانة هاينان كمركز سياحي وتجاري ينافس مراكز عالمية مثل سنغافورة ودبي.

وبعد أسبوعين فقط من إطلاق النظام الجديد، بلغ حجم الواردات بمعدل رسوم جمركية “صفرية” نحو 60 مليون دولار، فيما بلغت واردات السلع التي خضعت لمعالجات إضافية 10 ملايين دولار، وتم تسجيل أكثر من 5000 شركة جديدة تعمل في مجال التجارة الخارجية، كما تجاوزت نفقات المستهلكين على المشتريات المعفاة من الرسوم الجمركية 300 مليون دولار. هذه النتائج الأولية تشير إلى النجاح الكبير للصين في تحويل هاينان إلى قاعدة مزدوجة: للشركات الصينية المنطلقة إلى الأسواق الدولية، وللشركات الأجنبية القادمة إلى السوق الصيني.

السؤال الجوهري هنا: هل أدرك صانع القرار الاقتصادي في مصر أهمية ما حدث في هاينان؟ وهل لدى المسؤولين عن ملف التجارة الخارجية خطة لاقتناص الفرص الواعدة من النظام الجديد لتعظيم الصادرات المصرية إلى الأسواق الصينية؟ أغلب الظن أن الإجابة هي “لا” حتى الآن. على كل حال، فإن نظام العمليات الجمركية المستقلة في هاينان لا تقتصر مكاسبه على الصين وحدها، بل يمكن للاقتصادات الناشئة أن تستفيد منه في تسهيل التبادل التجاري وزيادة عوائد التصدير. ومن المؤكد أن منطقة هاينان الحرة تفتح آفاقاً استراتيجية هامة للاقتصاد المصري من خلال ستة محاور رئيسية:

أولاً: بوابة ضخمة لعبور المنتجات المصرية إلى الصين

تعتبر هذه الميزة هي الأهم لقطاع التصدير المصري؛ فإذا قامت شركات مصرية بتصدير مواد خام أو منتجات نصف مصنعة إلى هاينان، وخضعت لعمليات تصنيع إضافية ترفع قيمتها بنسبة 30%، فإن المنتج النهائي يدخل إلى الأسواق الصينية الكبرى (1.4 مليار مستهلك) بدون رسوم جمركية. ويمكن لمصر تحقيق عوائد هائلة في قطاعي المنتجات الزراعية والمنسوجات. فوفقاً لبيانات وزارة الزراعة، تصدر مصر إلى الصين 150 ألف طن سنوياً من المنتجات الزراعية بقيمة تتجاوز 75 مليون دولار، ويتصدر البرتقال القائمة، يليه العنب والبطاطس والرمان والمانجو. وهنا بدلاً من بيع البرتقال كـ “مادة خام”، يمكن تحويله إلى عصائر معلبة أو مجففة في هاينان، مما يرفع القيمة المضافة ويجعله يصل للمستهلك الصيني بسعر تنافسي للغاية. السيناريو ذاته ينطبق على المنسوجات والقطن المصري؛ لتصبح مصر “المورد الرئيسي” وهاينان “مركز التصنيع والتوزيع”، مما يقلل العجز في الميزان التجاري.

ثانياً: التكامل بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وميناء هاينان

تعد مصر الشريان البحري الرئيسي لمبادرة “الحزام والطريق”، والمنطقة الاقتصادية بقناة السويس يمكن أن تكون منصة تكامل تجاري لميناء هاينان عبر عقد اتفاقيات توأمة لتحويل قناة السويس إلى مركز لتجميع المكونات الصينية المتجهة لأوروبا وأفريقيا، مقابل جعل هاينان مركزاً لتجميع المنتجات المصرية المتجهة لشرق آسيا، مع الاستفادة من الخبرة الصينية في إدارة الموانئ الذكية والرقمنة الجمركية.

ثالثاً: جذب الاستثمارات الصينية “العابرة للحدود”

بما أن هاينان تقدم إعفاءات ضريبية (15%)، يمكن لشركات التصنيع المشترك (المصرية-الصينية) أن تتخذ من هاينان مقراً إدارياً ومالياً، بينما تتم العمليات الإنتاجية الكثيفة في مصر للاستفادة من العمالة واتفاقيات التجارة الحرة المصرية مع أفريقيا وأوروبا والدول العربية.

رابعاً: تعزيز التعاون في “الاقتصاد الأزرق”

هاينان مركز رائد في أبحاث البحار والزراعة الاستوائية. ويمكن لمصر الاستفادة من هذا النظام لعمل شراكات بحثية في الاستزراع السمكي الحديث، وتحلية مياه البحر، وتقنيات إنتاج بذور المحاصيل التي تتحمل الملوحة، واستيراد هذه التقنيات بتسهيلات جمركية واسعة.

خامساً: التمويل والخدمات المالية

يسمح النظام الجديد بحرية أكبر في تدفق رؤوس الأموال؛ لذا يمكن للبنوك المصرية أو الشركات الكبرى الاستفادة من تلك الحوافز لتسهيل التبادل التجاري باليوان الصيني والجنيه المصري، مما يقلل الاعتماد على الدولار ويوفر فرصاً لتمويل المشروعات المشتركة.

سادساً: تشجيع صغار المستثمرين ورواد الأعمال

أصبحت هاينان أكثر انفتاحاً في سياحة التسوق، مما يتيح لمصر الترويج للمنتجات اليدوية والتراثية في “الأسواق الحرة” التي يرتادها ملايين السياح، وهو ما يفتح المجال أمام رواد الأعمال لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

الخلاصة هنا انه بينما تحاول الشركات العالمية تنويع سلاسل التوريد والهروب إلى دول أخرى، نجحت الصين في خلق “مغناطيس تجاري” في هاينان يجعل التصنيع داخلها أرخص من أي مكان آخر. يتوجب على مصر الإسراع في تحقيق عوائد تجارية من هذه البوابة، مستغلة العلاقات السياسية القوية والشراكة الاستراتيجية مع بكين، لمنح المنتجات المصرية “جواز سفر صيني” للدخول إلى الأسواق الكبرى في دول الجنوب، بعيداً عن عوائق النظام الدولي الراهن الذي يشارف على الانهيار.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى