الرئيسيةدراساتسياسية

بين اليوم العالمي لمكافحة الفساد واليوم العالمي لحقوق الإنسان هل تُوجد ثمتْ علاقة؟

دراسة تحليلية في ترابط مكافحة الفساد ببناء منظومة الحقوق والحريات

إعداد دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر، زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية


مقدمة:

يُحتفى في التاسع من ديسمبر باليوم العالمي لمكافحة الفساد وفي العاشر من ديسمبر من كل عام بـ اليوم العالمي لحقوق الإنسان، ورغم اختلاف المناسبة نظريًّا، فإن الترابط بينهما عميق وبنيوي؛ فمكافحة الفساد ليست مجرد مسار إداري أو سياسي أو قواعد تشريعية فحسب، بل هي شرط أساسي لقيام دولة الحقوق، وضمان تمتع الأفراد بحرياتهم وكرامتهم، كما أن ترسيخ منظومة حقوق الإنسان يُعدّ أداة فعّالة لتقييد الفساد وتجفيف منابعه بكافة مستوياته، ونطاق تأثيره على صعيد الأفراد أو المؤسسات، أو داخل الدول والعابر للحدود الوطنية، وكل ذلك ينعكس على حقوق الإنسان، فالعلاقة طردية بين مكافحة الفساد وحقوق الإنسان، وبذلك يتداخل البُعد الأخلاقي والقانوني والمؤسسي لكلا اليومين، في إطار واحد هو بناء دولة فعّالة وعادلة ومستدامة، وحماية المجتمع الدولي من فساد الحريات والحريات والفساد الأكبر الذي يزهق أرواح الأبرياء عن طريق التطهير العرقي، وممارسات الإرهاب الدولي في سفك دماء الأبرياء مثلما يحدث في فلسطين.

أولًا: الإطار الدولي للمناسبتين ودلالاتهما المشتركة:
اعتمدت الأمم المتحدة اليوم العالمي لمكافحة الفساد في عام 2003 مع دخول اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) حيّز التنفيذ، بهدف تعزيز الوعي بخطر الفساد على التنمية، وعلى النزاهة العامة، وعلى الثقة بالمؤسسات، والفساد وفق الاتفاقية: ظاهرة متعددة المستويات تُضعف سيادة القانون، وتنهك الاقتصاد، وتُقوّض العدالة والمساواة.
أما اليوم العالمي لحقوق الإنسان فــيرتبط بإعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 1948، والذي يمثل المرجعية الدولية لحماية الكرامة الإنسانية، وضمان الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتوجد دلالات مشتركة بين اليومين:
• كلا اليومين يتمحوران حول كرامة الإنسان بوصفها أصلًا لكل الحقوق، وكل منهما يركز على سيادة القانون ونزاهة المؤسسات، وكلاهما يعزز المساءلة والشفافية كأدوات لضمان عدم انتهاك الحقوق أو إساءة استخدام السلطة أو الانحراف بها.
ثانيًا: كيف يؤدي الفساد إلى انتهاك حقوق الإنسان؟
الفساد هو الآلية التي تتحول بها السلطة العامة من “خدمة الإنسان” إلى “استغلال الإنسان”، ويمكن تحليل هذا الارتباط على النحو الآتي:
1. انتهاك الحق في المساواة وعدم التمييز: فـالفساد يُقيم نظامًا مبنيًّا على المحسوبية والواسطة والرشوة والشللية، فيتلقى المواطنون معاملة غير متكافئة في الخدمات والفرص والوظائف.
كما يُقوض الفساد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: على سبيل المثال: الفساد في الصحة يعني تردي الخدمات الطبية، والاستهتار بحياة المواطنين، بما يضر بحقوقهم، والفساد في التعليم يؤدي إلى هدر الموارد وإضعاف جودة التعليم وتفشي الجهل والأمية وما يترتب عليهما من عنف وتطرف وإرهاب، والفساد في إدارة الموارد ينعكس مباشرة على مستوى المعيشة، ويرفع من مستوى الفقر، وتتنامى معه الجرائم بكافة صورها.
كما يؤدي الفساد إلى إضعاف الحقوق المدنية والسياسية، فـالفساد يؤثر على: نزاهة الانتخابات، واستقلال القضاء، وحق الوصول للمعلومات، وحرية الرأي والتعبير، كما يؤدي الفساد إلى إضعاف الثقة العامة بالمؤسسات، وعندما تتراجع تلك الثقة تنتشر الشائعات وتُستهدَف المؤسسات، وتستغل مواقع التواصل بتكدير السلم العام، وتتنامى أصوات الأبواق المأجورة للتشهير بالمسؤولين، ويزداد الأمر سوءًا كلما ضعفت مناعة المجتمع وضعفت الهوية والانتماء للوطن فيصير لقمة سائغة للأيادي الخارجية من حروب الجيل الرابع، والتي تجر البلاد إلى ويلات الثورات والتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
ثالثًا: كيف تعزز حماية حقوق الإنسان مكافحة الفساد؟
إن حقوق الإنسان لا تتأثر بالفساد فحسب، بل تشكل كذلك أداة لمحاربته.
فممارسة الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات؛ يسمح في الكشف عن إساءة استخدام السلطة وإتاحة الرقابة الشعبية على أداء المؤسسات، ويعزز من ثقة المواطن فيها، والحق في حرية الرأي وفق الضوابط القانونية المشروعة؛ يسمح بفضح الفساد وخلق بيئة تمنع الإفلات من العقاب، واستقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة؛ يمكّن من محاسبة الفاسدين والخارجين على القانون.
وحماية المبلغين والشهود تعد من أهم الحقوق الحديثة، إذ تشجع الشفافية والإبلاغ عن المخالفات دون خوف من الانتقام.
رابعًا: البعد الفلسفي والأخلاقي للعلاقة بين اليومين:
تتأسس العلاقة بين اليومين على مبدأين:
أولهما العدالة: فـحماية حقوق الإنسان ومكافحة الفساد كلاهما يهدفان إلى تحقيق المجتمع العادل، الذي تُصان فيه الكرامة، ويشعر فيه الإنسان بآدميته، وأهميته في بنيان الدولة القوية.
ثانيهما المسؤولية الأخلاقية: فـالفساد ليس جريمة قانونية وفقط، بل هو “انحراف أخلاقي”، بينما حقوق الإنسان تجسّد “الالتزام الأخلاقي تجاه الآخر”.
خامسًا: الترابط في السياقين على المستوى المحلي والإقليمي والدولي
إن العلاقة بين حقوق الإنسان ومكافحة الفساد علاقة طردية، فالدول ذات الانتشار العالي للفساد غالبًا ما تعاني من ضعف الحقوق والحريات، وتؤثر بالضرورة على دول الجوار بما يرفع حالة الاستعداد لحماية الأوطان من فساد الغير، ومن ثم أصبحت الإصلاحات الوطنية تربط اليوم بين حوكمة الإدارة والإصلاح التشريعي والرقابة التنفيذية؛ لتقوية تلك العلاقة في مكافحة الفساد وإعلاء حقوق الإنسان ورعايتها بما يحقق مصالح الوطن، وتؤكد المنظمات الدولية أن التنمية المستدامة لا يمكن تحقيقها دون ربط مكافحة الفساد بحماية الحقوق، كما ورد في أهداف التنمية المستدامة 2030 ولاسيما الهدف السادس عشر منها.
وختامًا: إن الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد في 9 ديسمبر، واليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر، ليس مجرد تتابع زمني عابر، بل هو ترتيب رمزي يؤكد أن مكافحة الفساد هي الخطوة الأولى لضمان حقوق الإنسان، وأن احترام حقوق الإنسان هو السلاح الأكثر فاعلية لمحاربة الفساد، فالحق والشفافية وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن لدولة أن تبني مجتمعًا عادلًا دون أن تكافح الفساد من جهة، وتكفل الحقوق والحريات من جهة أخرى، ومن هنا تبنى الأوطان ويتحقق العمران.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى