تقارير ومنوعات

المشرق العربي في يونيو 2025.. صراع مستعر وأزمات متشابكة

إعداد: علي فوزي الباحث في الشؤون العربية والأفريقية

شهد شهر يونيو 2025 تصاعدًا لافتًا في وتيرة الأحداث في المشرق العربي، حيث تداخلت الملفات الأمنية والسياسية والإنسانية في مشهد معقد، وسط تصاعد غير مسبوق في الصراع الإيراني – الإسرائيلي، واشتداد المأساة في غزة، وتجدد الهجمات الإرهابية في سوريا، وتنامي التحديات البيئية. وبين هذه الأزمات، تسعى القوى الإقليمية والدولية جاهدةً لاحتواء الموقف عبر تحركات دبلوماسية وأمنية محدودة، بينما تبقى الحلول بعيدة المنال.

في سوريا، عاش البلد شهرًا مثقلًا بالأحداث التي رسمت صورة معقدة لمستقبل البلاد. ففي الوقت الذي واصلت فيه دمشق جهودها لتثبيت ما يُسمى “سوريا الجديدة”، كان المشهد الداخلي والخارجي مليئًا بالتناقضات، ما بين خطوات سياسية جريئة وانفراجات اقتصادية من جهة، وتصعيدات أمنية وهجمات إرهابية من جهة أخرى. استقبلت دمشق وفودًا عربية ودولية، في خطوة تعكس رغبة القيادة الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في إعادة دمج سوريا ضمن محيطيها الإقليمي والدولي. وشكلت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ولقاء الشرع مع أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، ملامح هذا الانفتاح. وعلى الصعيد الأمني، جاءت الموافقة الأميركية على إدماج المقاتلين الأجانب السابقين في الجيش السوري كمؤشر على تعقيد المشهد ومحاولة ضبطه.

اقتصاديًا، شهد الشهر بارقة أمل مع إعلان واشنطن نيتها رفع حزمة من العقوبات، بالتزامن مع قرب عودة سوريا إلى نظام سويفت للمدفوعات الدولية بعد سنوات من العزلة. وأعلن البنك الدولي تقديم منحة بقيمة 146 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، بهدف تخفيف المعاناة اليومية ودفع عجلة التعافي. إلا أن هذه الإيجابيات لم تحجب الواقع الأمني الهش، إذ شهدت العاصمة تفجيرًا انتحاريًا دمويًا استهدف كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة، خلف أكثر من 25 قتيلًا وعشرات الجرحى. وتبنى الهجوم تنظيم داعش، ما أعاد التذكير بشبح الإرهاب، رغم إعلان السلطات القبض على زعيم الخلية وعناصرها.

وفي الجنوب السوري، زادت التوترات مع سقوط صواريخ أُطلقت من الأراضي السورية على مناطق مفتوحة بالجولان، لترد إسرائيل بقصف جوي استهدف مواقع تزعم تل أبيب أنها تؤوي فلولًا موالية لإيران. الاتهامات طالت دمشق بتحمل مسؤولية التصعيد، بينما كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود اتصالات مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين لاحتواء الموقف، في مؤشر على تغير عميق في طبيعة العلاقة بعد سنوات القطيعة. داخليًا، استمرت حملة السلطات لضبط الأمن، وأعلنت القبض على شخصيات بارزة من النظام السابق، بينهم اللواء موفق نظير حيدر، واللواء الطيار ميزر صوان.

وعلى المستوى الاجتماعي، برزت مبادرات لترميم العقد الاجتماعي، أبرزها فتوى تاريخية أصدرها مجلس الإفتاء الأعلى بتحريم جرائم الشرف والثأر والعدالة الذاتية، في خطوة لاقت ترحيبًا دوليًا واسعًا. وفي موازاة ذلك، فرضت السلطات ضوابط على اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، ما أثار نقاشًا مجتمعيًا محتدمًا. وظلت الأوضاع في الجنوب متوترة مع استمرار القصف الإسرائيلي واتهامات متبادلة بين دمشق وتل أبيب، في حين أكدت سوريا أن الهجمات الإسرائيلية محاولة لتقويض جهود الاستقرار.

وفي لبنان، عاش مطار بيروت حالة ارتباك وتأجيلات واسعة للرحلات مع تصاعد مخاوف من انزلاق البلاد إلى أتون حرب شاملة في ظل الصراع الإيراني – الإسرائيلي، خصوصًا بعد الضربة الجوية الإسرائيلية واسعة النطاق ضد منشآت إيرانية في 13 يونيو ضمن عملية “Rising Lion”. وردت إيران بعاصفة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أوقع قتلى وجرحى في إسرائيل، بينما استمرت المخاوف من انخراط حزب الله في المواجهة دعمًا لطهران.

وفي فلسطين، تواصل آلة الحرب الإسرائيلية حصد الأرواح. فقد اقتحمت قوات الاحتلال قرية العروج جنوب شرقي بيت لحم واعتقلت أكثر من 20 فلسطينيًا، ضمن حملات يومية من المداهمات. وفي غزة، تواصل القصف المكثف، وأدى في 5 يونيو وحده إلى مقتل 97 فلسطينيًا وإصابة 440 آخرين. ومنذ أكتوبر 2023، ارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 54,607، فيما تجاوز عدد الجرحى 125 ألفًا، مع تدمير المدارس والمستشفيات ومراكز توزيع المساعدات. وتكررت مجازر مثل تلك التي استهدفت مدرستي الجرجاوي وشهداء الأقصى. وتفاقمت الأزمة مع استهداف نقاط توزيع المساعدات، ما أسفر عن مقتل 102 مدني وإصابة نحو 500 آخرين منذ مايو.

 

وفي العراق، خطت الدولة خطوات جدية نحو تنويع الاقتصاد وتطوير البنية التحتية. ووافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 930 مليون دولار لتحديث السكك الحديدية، وأُنشئت خطوط جديدة لقوافل النقل الدولي (TIR)، ما قلص زمن الشحن إلى 10 أيام. كما أعيد فتح معبر القائم مع سوريا، في مؤشر على تحسن التنسيق الأمني. في الوقت نفسه، عززت بغداد قدراتها الدفاعية حول القواعد الأميركية، في ظل تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، بينما تتقدم الدولة في مكافحة الفساد وترسيخ حكم القانون.

أما الأردن، فواصل مساره لتحقيق استقرار اقتصادي وسط المخاطر. وأعيد فتح المجال الجوي منتصف يونيو، وعادت الحركة الجوية لطبيعتها. ورغم ذلك، حذرت “الخارجية” البريطانية رعاياها من الاقتراب من الحدود الشمالية. وشهد الاقتصاد الأردني انتعاشًا بارتفاع تسجيل الشركات الجديدة بنسبة 35 % عن 2019، مع تعزيز الشراكات التجارية، خصوصًا مع الإمارات، إلى جانب تقدم مشروع تحلية المياه بين العقبة وعمّان كركيزة للأمن المائي.

ختامًا، لم يكن يونيو 2025 شهرًا عاديًا في المشرق العربي؛ بل تجسدت فيه أزمات متشابكة وصراعات متصاعدة، بين قصف متبادل، ومأساة إنسانية، وانفلات أمني، ومحاولات دبلوماسية خجولة. وفيما تحاول دول المنطقة موازنة أدوارها بين دعم القضايا الإنسانية وحماية أمنها، يبقى السؤال معلقًا: هل ينجح المشرق في الخروج من عنق الزجاجة، أم أن الأشهر المقبلة ستشهد فصولًا أكثر قتامة؟

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى