رأي
د. راندة فخر الدين تكتب.. المخدرات استهداف للشباب وتهديد للأمن القومي

تُعتبر المخدرات من أخطر الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تهدد استقرار الدول، ليس فقط لأنها تدمر صحة الأفراد وتفتك بعقولهم، بل لأنها تُضعف المجتمع من الداخل، وتستنزف موارده، وتفتح ثغرات أمام خصومه وأعدائه. وفي مصر، حيث يمثل الشباب النسبة الأكبر من عدد السكان، تبرز خطورة الظاهرة بصورة أكبر، إذ إن استهداف هذه الفئة الحيوية بالمخدرات يُعدّ استهدافًا مباشرًا لقوة الدولة الشاملة وأمنها القومي.
المخدرات كأداة لإضعاف الدول
من منظور الأمن القومي، لا يمكن النظر إلى المخدرات باعتبارها مشكلة فردية أو أزمة صحية فقط، بل ينبغي التعامل معها كأداة حرب ناعمة تستغلها قوى داخلية وخارجية لشل طاقات المجتمع. فالمجتمع المريض بالمخدرات يصبح هشًّا، سريع الانهيار، قليل الإنتاجية، ومنهكًا في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ومن ثم، فإن مواجهة هذه الآفة يجب أن تحتل أولوية قصوى ضمن استراتيجيات الأمن الوطني.
خريطة المخدرات في مصر
تشير التقارير إلى تنوع المواد المخدرة في السوق المحلي:
•الحشيش والبانجو: الأكثر انتشارًا نظرًا لرخص ثمنهما وسهولة الحصول عليهما.
•الأقراص المخدرة (مثل الترامادول وبعض العقاقير الطبية): دخلت مصر بقوة في العقد الأخير، وتستغل كبديل رخيص للهروب من ضغوط الحياة.
•الهيروين والكوكايين: رغم خطورتهما الشديدة، إلا أن ارتفاع سعرهما قلّل من انتشارهما الواسع.
•المخدرات التخليقية (الاستروكس، الفودو، الشابو): وهي الأخطر في الوقت الحالي، إذ تُصنع بطرق كيميائية متغيرة تجعلها صعبة على الرقابة السريعة وتضاعف من آثارها المدمرة.
هذا التنوع يعكس مرونة شبكات التهريب والتجارة، ويؤكد أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، بل لا بد من نهج شامل يشمل الوقاية والعلاج والوعي.
لماذا الشباب؟
يمثل الشباب أكثر من 60% من سكان مصر، وهم المخزون الاستراتيجي للدولة في كل المجالات. استهدافهم بالمخدرات يعني:
•إضعاف اجتماعي: انهيار الأسرة والمجتمع بفقدان عموده الفقري.
•إضعاف اقتصادي: شباب مدمن يعني قوة عمل عاجزة، وإنتاجية منخفضة، وعبء متزايد على الاقتصاد الوطني.
•إضعاف أمني: المدمن أكثر عرضة للجريمة والانحراف والتجنيد في شبكات إجرامية أو متطرفة.
•إضعاف سياسي: الشباب المقهور بالمخدرات يفقد وعيه وقدرته على المشاركة في صنع القرار أو الدفاع عن الدولة.
وعليه، فإن استهداف الشباب ليس عرضًا جانبيًا، بل استراتيجية منظمة تهدف إلى شل قدرات الدولة وتحييد أهم مصادر قوتها.
المخدرات والأمن القومي المصري
يتمثل جوهر مفهوم الأمن القومي في حماية الدولة من أي تهديد داخلي أو خارجي يهدد بقاءها أو يضعف قوتها الشاملة. وفي هذا السياق، فإن المخدرات تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي من عدة زوايا:
•تهديد الصحة العامة: تفشي الإدمان يرفع معدلات الوفاة والعجز ويقلل من متوسط العمر الإنتاجي للمواطن.
•تهديد اقتصادي: إنفاق مليارات الجنيهات على العلاج وملاحقة المروجين، وخسائر في سوق العمل نتيجة غياب الكفاءات وانخفاض الإنتاجية.
•تهديد أمني: زيادة معدلات الجرائم المرتبطة بالمخدرات من سرقة وقتل واعتداء، إلى جانب تغذية شبكات الجريمة المنظمة.
•تهديد اجتماعي: تفتت الأسرة وانهيار العلاقات الإنسانية وزيادة نسب الطلاق والتفكك الأسري.
•تهديد استراتيجي: استغلال هذه الآفة كأداة لإضعاف الدولة من قِبل قوى خارجية تسعى لزعزعة استقرارها.
من هنا، تصبح قضية المخدرات قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، لا تقل خطورة عن حماية الحدود أو مواجهة الإرهاب.
أسباب الانتشار
رغم الجهود الكبيرة، تظل هناك عوامل تدفع إلى استمرار الظاهرة، أبرزها:
•البطالة والفقر وما يولدانه من يأس وإحباط.
•ضعف الوعي والتثقيف الصحي والاجتماعي.
•تأثير رفاق السوء والبيئات غير المستقرة.
•التجارة المنظمة وشبكات التهريب.
•ضعف الرقابة الأسرية والاجتماعية.
استراتيجية المواجهة الشاملة
إن النجاح في مواجهة المخدرات يتطلب رؤية متكاملة على ثلاثة محاور رئيسية:
1. الوقاية والوعي
•حملات توعية موجهة للشباب بلغة معاصرة عبر الإعلام ومواقع التواصل.
•دمج مناهج توعوية في المدارس والجامعات.
•دور فاعل لرجال الدين في الخطاب الديني.
2. العلاج وإعادة التأهيل
•زيادة مراكز العلاج المجانية أو منخفضة التكلفة.
•توفير دعم نفسي واجتماعي للمتعافين ولأسرهم.
•برامج إعادة دمج المتعافين في سوق العمل لقطع الطريق أمام الانتكاسة.
3. الردع والملاحقة الأمنية
•تشديد الرقابة على الحدود والمعابر لمواجهة التهريب.
•تطوير التشريعات لتشمل المخدرات التخليقية الحديثة.
•تفكيك الشبكات الإجرامية بدل الاقتصار على الموزعين الصغار.
توصيات لتعزيز البُعد الأمني
•اعتبار مكافحة المخدرات أولوية وطنية ضمن الاستراتيجية الشاملة للأمن القومي.
•إنشاء مجلس وطني موحد يجمع بين وزارات الصحة والداخلية والتعليم والشباب والرياضة والمجتمع المدني.
•توظيف التكنولوجيا والاستخبارات في تتبع شبكات الاتجار والتهريب.
•توجيه موارد تنموية للمناطق الأكثر عرضة للانتشار لتقليل دوافع التعاطي.
•تعاون دولي وإقليمي مع الدول المجاورة لمكافحة شبكات التهريب عبر الحدود.
ختاما إن معركة مصر مع المخدرات ليست معركة ضد مرض فردي فحسب، بل هي معركة على مستقبل الأمة ذاته. استهداف الشباب بالمخدرات هو استهداف لبقاء الدولة، والقضاء على هذه الآفة يندرج مباشرة ضمن أولويات الأمن القومي. وعليه، فإن تكاتف جهود الدولة والمجتمع المدني والأسرة والإعلام ضرورة ملحّة، ليس فقط لإنقاذ جيل من الضياع، بل لحماية مصر من تهديد وجودي قد يُنهكها من الداخل.
المراجع
1.«معدلات انتشار تعاطي المخدرات في مصر»، المجلة الوطنية للدراسات الجنائية والاجتماعية، المجلد 17، العدد 2، يوليو 2020.
2.تقرير «مكافحة الإدمان»: نسبة تعاطي المخدرات في مصر 5.6٪ وتتفق مع المعدلات العالمية، صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، الرئيس نيوز.
3.«نسبة تعاطي المخدرات في مصر وصلت إلى 5.9٪»، تصريحات مسؤولي صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي، رصد.
4.«صندوق مكافحة الإدمان يطلق مبادرات للتوعية بخطورة المخدرات في الأندية الرياضية»، اليوم السابع، 2 يونيو 2024.
5.«تنمية العمل التطوعي والتوعية بأضرار المخدرات في معسكر لصندوق مكافحة الإدمان»، الهيئة العامة للاستعلامات.
6.تقرير الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات: «المخدرات الاصطناعية تهديد عالمي للصحة العامة»، المصري اليوم، 2023.
7.وزارة الداخلية المصرية، مؤتمر «مكافحة المخدرات في ظل التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري»، المصري اليوم، 2023.
8.برنامج «الحماية من المخدرات» بالمناطق المطورة، وزارة التضامن الاجتماعي وصندوق مكافحة الإدمان، المصري اليوم، 2024.
9.«جهود صندوق مكافحة الإدمان في تنفيذ البرامج التوعوية خلال 2022»، الهيئة العامة للاستعلامات.



