تقدير موقف

«اللامركزية السياسية في إفريقيا: وسيلة للاستقرار أم تفكيك الدول؟»

"قراءة استراتيجية في المسارات المتشابكة ما بين تعزيز الحكم المحلي وضمان وحدة الدولة الوطنية"

إعداد/  رامي زُهدي، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيچية ورئيس وحدة الدراسات الإفريقية بالمركز، خبير الشؤون الإفريقية ومساعد رئيس حزب الوعي

بينما تتسارع التحولات السياسية في إفريقيا، تعود إلى الواجهة قضية اللامركزية السياسية كخيار استراتيجي بين أيدي صانعي القرار، لتُطرح على طاولة النقاش ليس فقط كأداة للحكم الرشيد، بل أيضًا كوسيلة محتملة لضبط التعدد العرقي والإثني والثقافي، وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني. ولكن، في المقابل، لا تخلو هذه التجربة من مخاطر كامنة قد تنزلق نحو الفوضى والانفصال، إذا لم تُحسن إدارتها وتُربط برؤية وطنية شاملة.

سد النهضة
رامي زهدي

اقرأ أيضا: قراءة استراتيجية في تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على أمن القارة الأفريقية

اللامركزية وتحديدا في السياق السياسي الإفريقي، تعني توزيع السلطات والصلاحيات من المستوى المركزي إلى مستويات أدنى من الحكم، سواء على أساس إداري، أو سياسي، أو مالي، أو حتى ثقافي. وفي إفريقيا، تتنوع نماذج اللامركزية، من الحكم الذاتي المحلي إلى الفيدرالية، مرورًا بالحكم الإقليمي، وذلك وفقًا لخصوصيات كل دولة.

وهناك اللامركزية الإدارية والتي تركز على نقل تنفيذ السياسات للمحافظات دون استقلال في التشريع.

واللامركزية السياسية وتعني تمكين الوحدات المحلية من انتخاب قياداتها ووضع تشريعات محلية.

ثم اللامركزية الفيدرالية وفيها تقسم السيادة بشكل دستوري بين المركز والأقاليم.

وفي القارة الإفريقية تتعدد الدوافع الداعمة الي طريق التحول نحو اللامركزية، فمنها التعدد الإثني والقبلي، فالقارة تضم أكثر من 3 آلاف مجموعة إثنية، ما يجعل فكرة “الدولة المركزية الصلبة” غير عملية في كثير من الأحيان.

وأيضا، إخفاق المركزية في التنمي، حيث تركّز الثروة والسلطة في العاصمة ساهم في تهميش الأطراف وخلق حركات تمرد (مثل الطوارق في مالي، والجنوب في السودان سابقًا).
وكذلك ضغوط المانحين الدوليين، فمؤسسات مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي تدفع باتجاه لامركزية الحكم كأداة لتحسين الشفافية والمساءلة.

وأخيراََ، تلبية مطالب حركات سياسية محلية، ويحدث هذا خاصة في الدول التي عانت من صراعات داخلية أو حروب أهلية، حيث يُنظر إلى اللامركزية كأداة لتقاسم السلطة.

وهناك تجارب إفريقية متعددة حدثت لكنها ظلت في دائرة تقييم مُعقدة ما بين النجاح والفشل منها؛

. إثيوبيا – الفيدرالية الإثنية:

اعتمدت إثيوبيا منذ 1995 نظامًا فيدراليًا قائمًا على العِرق، سمح للأقاليم بتشكيل حكومات خاصة و”حق تقرير المصير”، مما أضعف الدولة المركزية.

أدى ذلك إلى صراعات داخلية (مثل حرب تيجراي 2020–2022)، وتهديد وحدة الدولة نفسها.

. نيجيريا – فيدرالية النفط والعرق:

تطبّق نيجيريا نظامًا فيدراليًا على أساس الولايات الـ36، مع توزيع عائدات النفط بنسب معينة.

ورغم النجاحات التنموية، عانت البلاد من الحركات الانفصالية (بيافرا، بوكو حرام)، وأزمة العدالة في توزيع الثروة.

. جنوب إفريقيا – اللامركزية المقيدة:

تمتلك أقاليمها سلطات واسعة في التعليم والصحة والتنمية، ضمن إطار دولة موحدة قوية، ما ساهم في ترسيخ الديمقراطية بعد الفصل العنصري.

. كينيا – اللامركزية التنموية:

تبنّت كينيا اللامركزية عام 2010، بإنشاء 47 مقاطعة ذات صلاحيات تنموية، ونجحت نسبيًا في تقليص الفجوة بين المركز والأطراف.

لذلك تظل تحديات بنيوية أمام اللامركزية في إفريقيا واضحة ومؤثر، منها، ضعف البنية الإدارية والمؤسسية المحلية،وانعدام الشفافية في توزيع الموارد بين المركز والأقاليم.

كذلك، سوء التوظيف السياسي للانقسامات الإثنية، وتضارب المصالح بين النخب المحلية والمركزية.

إضافة إلي تدخلات خارجية تستغل هشاشة الدولة المركزية.

لكن هل فعلا ومؤكداََ أن تقود اللامركزية إلى تفكيك الدول الإفريقية!
إن اللامركزية، متى ما افتقدت الضوابط الدستورية الصارمة، تتحول إلى “نقطة بداية” لتفكك الدولة، خاصة إذا تم بناءها على أسس عرقية أو لغوية دون إطار وطني جامع، أو تمويلها بشكل غير عادل يؤدي إلى أقاليم “غنية” وأخرى “فقيرة”.

وكذلك احتمالية توظيفها كأداة سياسية من قبل حركات انفصالية.

وقد دلّت بعض التجارب على ذلك، مثل، السودان، فالتجربة الفيدرالية فشلت بسبب غياب الإرادة السياسية في دمج الأطراف، وانتهت بانفصال الجنوب.
وإثيوبيا، حيث ان الفيدرالية الإثنية أطلقت سباقًا نحو “الانفصال الدستوري”.

لكن، هل يمكن أن تكون اللامركزية وسيلة للاستقرار في ظروف وحالات أخري!

نعم، بشرط توفر، دستور وطني يضمن التوازن بين المركز والأطراف، وتمكين المجتمعات المحلية دون تهديد وحدة الدولة.

وتوفير نظام مالي عادل لتوزيع الإيرادات.
وكذلك، استثمار اللامركزية في تعزيز المشاركة الشعبية والتنمية، وربط اللامركزية بمشروع وطني لا يقبل التفسيرات الانفصالية.

كما انه من الضروري صياغة رؤية استراتيجية مستقبلية تتيح التوازن بين تطبيق واهداف افكار اللامركزية الافريقية الصحيحة، ربما منها دمج اللامركزية في أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، حيث يجب أن تكون أي خطوة نحو اللامركزية جزءًا من الرؤية القارية للوحدة والاستقرار والتنمية، وليس استنساخًا لتجارب غربية غير ملائمة للسياق الإفريقي.

وأيضا، تبني نموذج “اللامركزية التنموية” لا “اللامركزية الإثنية”، مع منح صلاحيات تنموية وإدارية للأقاليم وفقًا لمعايير الجغرافيا والاقتصاد وليس العِرق، لتجنب النزعات الانفصالية.

والعمل علي تدريب الكوادر المحلية وتمكين المجالس المنتخبة، مثل إنشاء أكاديميات قومية لتأهيل القيادات المحلية، مثل النموذج المصري في الأكاديمية الوطنية للتدريب.

ومن الأمور الهامة، تعزيز الرقابة على الموارد المحلية، وتطوير نظم مالية رقمية لمتابعة الإنفاق المحلي وشفافيته، مع تمكين المجتمع المدني من المتابعة.

“مصر نموذجًا يمكن الاقتداء به”

رغم أنها لا تعتمد اللامركزية السياسية الكاملة، فإن مصر قدّمت نموذجًا ناجحًا في تعزيز الحكم المحلي بشكل تدريجي ومتوازن عبر المجالس المحلية المنتخبة (قيد الاستكمال)، ومشروع حياة كريمة كمثال واضح على توزيع التنمية للأطراف.
وكذلك مركزية القرار مع لا مركزية تنفيذ المشروعات.
وهذا النموذج يمكن أن يُلهم دولًا إفريقية في كيفية الجمع بين الحكم الرشيد ووحدة الدولة.

اللامركزية ليست غاية، بل وسيلة. وفي إفريقيا، تتقاطع هذه الوسيلة مع تحديات التعدد والتاريخ الاستعماري والهشاشة المؤسسية. لذا، فإن التسرع في تبني نماذج مستوردة من اللامركزية دون فهم السياق المحلي قد يقود إلى تفكيك الدول بدلًا من تثبيتها. الحل يكمن في “اللامركزية الذكية”، المتدرجة، المرتبطة برؤية وطنية جامعة، التي تعزز المشاركة ولا تهدد السيادة.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى