
أ/ محمود سامح همام – باحث بوحدة الدراسات الأفريقية
تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولات جيوسياسية متسارعة، لا سيما بعد الأحداث التي تلت الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في 26 ديسمبر 2025، وما صاحب ذلك من توترات بين الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي. وقد انعكس هذا على الممرات البحرية الحيوية للبحر الأحمر وخليج عدن، حيث تمر سنويًا أكثر من 10% من التجارة العالمية و25 مليون برميل نفط يوميًا عبر باب المندب وقناة السويس. في هذا السياق، برزت مصر كقوة إقليمية فاعلة، ليس فقط عبر قدراتها العسكرية، بل أيضًا من خلال دبلوماسيتها النشطة لدعم سيادة الدول الإقليمية والحفاظ على استقرار الممرات البحرية. ففي قمة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في أديس أبابا في 15 فبراير 2026، شدّد وزير الخارجية المصري على أن “سيادة الدول على أراضيها ومياهها الإقليمية غير قابلة للتجاوز، وأن التوازن الإقليمي في القرن الأفريقي يرتبط مباشرة بقدرة الدول على حماية حدودها وممراتها البحرية”.

الدمج الجيوسياسي للقرن الأفريقي مع الخليج والشرق الأوسط
يشهد القرن الأفريقي اليوم دمجًا متزايدًا في الأنظمة الأمنية الإقليمية الممتدة من الخليج والشرق الأوسط إلى المحيطين الهندي والهادئ، مع تأثير مباشر على التجارة العالمية والأمن البحري. فقد أبرمت مصر اتفاقية أمنية مع الصومال وإريتريا في مارس 2025، تضمنت إرسال قوات تدريبية وإمدادات عسكرية لحماية مقديشو، وذلك في إطار دعم سيادة الدولة الصومالية ومنع توسع النفوذ الإثيوبي على الممرات البحرية الحيوية.
كما أسهمت الأحداث التي أعقبت الهجوم الإسرائيلي على الأراضي في 7 أكتوبر 2023، بما في ذلك إطلاق الحوثيين صواريخ عبر البحر الأحمر، في توسيع نطاق التوترات بين القرن الأفريقي والخليج. هذه التطورات دفعت دولًا مثل تركيا والإمارات والسعودية إلى لعب أدوار وسيطة، فيما تدرس قطر وماليزيا وإندونيسيا وأذربيجان الانضمام إلى ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، أطلق عليها محللون وصف “حلف شمال الأطلسي الإسلامي الجديد” في منتصف 2025.
في هذا السياق، أصبح البحر الأحمر وخليج عدن محورًا للتشابك الجيوسياسي، حيث تتداخل قضايا التجارة العالمية، وحركة النفط، والأمن البحري مع التنافس على النفوذ السياسي. فعلى سبيل المثال، خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في أبريل 2025، أكد على أن السيطرة على الممرات البحرية يجب أن تكون من نصيب الدول المطلة عليها، مؤكّدًا أن أي تدخل أحادي أو إعادة رسم الوقائع بالقوة يهدد الاستقرار الإقليمي.
علاوة على ذلك، يؤدي هذا التكامل إلى تعزيز قدرة الدول على حماية سيادتها عبر دعم الشبكات الإقليمية، وضبط النفوذ الخارجي، وإدارة الأزمات بشكل جماعي. فالقرن الأفريقي اليوم أصبح محورًا إستراتيجيًا متشابكًا مع الخليج والشرق الأوسط، يرتبط أمنه البحري والتجاري مباشرة بالتحالفات الإقليمية، وبدور مصر الحيوي في تثبيت التوازنات وحماية القانون الدولي، وهو ما يجعل استقرار المنطقة رهينًا بفاعلية التعاون الإقليمي والمبادرات الاستراتيجية للقوى الرئيسية.
سباق النفوذ البحري والطاقة في القرن الأفريقي
يشهد القرن الأفريقي تصاعدًا واضحًا في التنافس البحري، حيث باتت السواحل الممتدة لأكثر من 3,300 كيلومتر على المحيط الهندي وخليج عدن نقطة ارتكاز لصراع نفوذ إقليمي ودولي متداخل. وتزداد أهمية هذا المجال البحري في ضوء مرور ما بين 12% و15% من التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، إضافة إلى نحو 6–7 ملايين برميل نفط يوميًا عبر مضيق باب المندب، وهو ما يجعل أي تموضع عسكري أو نشاط اقتصادي في هذه المنطقة مؤثرًا مباشرة في معادلات الأمن العالمي.
في هذا السياق، برزت تركيا كفاعل بحري مباشر عبر إرسال أسطول بحري كبير إلى المياه الإقليمية الصومالية لتنفيذ عمليات تنقيب عن الغاز والبترول. وضم الأسطول فرقاطات عسكرية وسفن دعم لوجستي وسفن مسح سيزمي متخصصة في الاستكشاف البحري، بما يعكس انتقال أنقرة من دور التدريب والدعم الأمني إلى الانخراط الفعلي في معادلة الطاقة البحرية. وتشير تقديرات أولية إلى أن أحواض شرق أفريقيا البحرية قد تحتوي على احتياطات تُقدّر بمليارات الأقدام المكعبة من الغاز الطبيعي، ما يفسر حدة التنافس على مناطق الامتياز البحرية.
في المقابل، تتداخل أدوار قوى إقليمية أخرى في المشهد، سواء عبر دعم ترتيبات محلية على الساحل، أو من خلال الاستثمار في الموانئ الحيوية، أو عبر بناء شراكات أمنية موازية تعزز الحضور البحري طويل الأمد. ويعكس هذا الواقع انتقال التنافس من مستوى النفوذ السياسي إلى مستوى تثبيت وجود عسكري واقتصادي دائم على خطوط الملاحة.
كما أن المسافة الجغرافية القصيرة نسبيًا بين عدد من النقاط الساحلية المتنازع على أهميتها – والتي لا تتجاوز في بعض الحالات 357 كيلومترًا – تجعل أي تحرك عسكري أو تنقيبي في إحدى هذه النقاط مؤثرًا بشكل مباشر في ميزان الردع البحري. وهنا يتقاطع البعد الاقتصادي المرتبط بالموارد الطبيعية مع البعد الأمني المتعلق بحماية الممرات الاستراتيجية ومنع فرض وقائع أحادية على الأرض.
وعليه، فإن المشهد البحري في القرن الأفريقي لم يعد مجرد امتداد لصراعات برية داخلية، بل أصبح مسرحًا قائمًا بذاته لسباق نفوذ متعدد الأطراف، تتداخل فيه حسابات الطاقة مع اعتبارات الأمن القومي، وتتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية مع رهانات التجارة العالمية.
في الختام، تكشف هذه التطورات أن القرن الأفريقي تحول إلى محور مركزي في معادلة الأمن البحري الإقليمي، وأن تصاعد الحضور العسكري وعمليات التنقيب عن الطاقة يعمّق من حساسية التوازنات القائمة. ومن ثم، فإن حماية سيادة الدول، وضبط عسكرة السواحل، وترسيخ قواعد واضحة لإدارة الموارد البحرية، تمثل شروطًا أساسية للحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة إلى سباق نفوذ مفتوح طويل الأمد.



