
إعداد/ الباحث محمد الأمين أبوزيد
يتناول هذا الجزء من المقال النسخة السودانية من تجربة الاخوان فى السودان من منصة الحكم وهى فى مقاربتها ومقايستها لاتختلف عن الاصل الذى نشأت منه واستمدت افكارها ومرجعياتها(الاخوان فى مصر).
نشأة تنظيم الاخوان فى السودان تعود الى اربعينيات القرن العشرين، وقد تأثرت بالنشاط العام لتنظيم الاخوان فى مصر بالرغم من ان التنظيم فى السودان اتخذ خصوصية محلية نتيجة للتغيرات السياسية والاجتماعية فى البلاد لاسيما فى الستينات بعد تسلم الترابى مسؤلية القيادة.
دخل الفكر الاخوانى عبر الطلاب السودانيين الذين درسوا فى مصر حيث احتكوا بحركة الاخوان وتعرفوا على افكار حسن البنا.
يعتبر عام 49بداية التأسيس لجماعة الاخوان فى السودان، شهد بروز اول خلية فى الخرطوم.

اقرأ أيضا: محمد الأمين أبوزيد يكتب.. الدور التخريبى التاريخى لحركة الإخوان المسلمين فى السودان
تطور التنظيم وتمدد فى الخمسينات فى اوساط الطلاب وكان التركيز على الدعوة الاسلامية ومقاومة المد الشيوعى والقومى الذى شهد صعودا فى تلك الحقبة.
يمكن الاشارة تاريخيا الى حدثين يشكلان جذرا لممارسة العنف فى فكر الجماعة الحدث الاول استغلال ماحدث بمعهد المعلين العالى من شوقى محمد على بمشاركةقوى التخلف فى اصدارقرار حل الحزب الشيوعى تحت لافتة الدستور الاسلامى بعد ثورة اكتوبر ورفض قرار المحكمة العليا الذى يعد انتهاكا صريحا لحرية التعبير والتنظيم ومبدأ الفصل بين السلطات هذه الافادة من الاستاذ عثمان ادريس ابوراس احد معاصرى الحادثة.
وفى افادة اخرى للاستاذ عثمان ادريس ذكر الاعتداء على فقرة رقصة العاجكو فى المهرجان الثقافى بجامعة الخرطوم 1979.
فى الستينات حدث انشقاق كبير داخل حركة الاخوان المسلمين فى السودان أسس على اثره الترابى تنظيم جديد باسم جبهة الميثاق الاسلامى واخذ عناوين مختلفة لاحقا الحركةالاسلامية،
الجبهةالاسلامية،
وواجهات اخرى طلابية وغيرها حتى نسخة المؤتمر الوطنى بعد السيطرة على الحكم.
تعتبر مرحلة السبعينات هى مرحلة التوسع والتمدد والانغماس فى العمل السياسى والحركى على حساب الدعوى الارشادى.
ظل التنظيم الاخوانى الام موجودا لكنه ضعيف التاثير بينما صعد نجم التنظيم المنشق بقيادة الترابى واقام تحالفات سياسية مع المعارضة ومع سلطة مايو كان لها اثر كبير فى تطور الحركة وصولا لاستلام السلطة.
*التنظيم السرى للاخوان المسلمين فى السودان*
التنظيم السرى لجماعة الاخوان فى السودان هو جزء من استراتيجية العمل تحت الارض فى الظروف المعادية.نشأ التنظيم السرى بدوافع مواجهة التحديات السياسية والفكرية وابرزها مواجهة الفكر الشيوعى والتيارات القومية والتعامل مع الانظمة العسكرية(عبود ونميرى) وايضا وسيلة للتوسع بصمت وتامين القيادات.
اعتمد التنظيم على الخلية كاصغر وحدة لا تعرف عن الخلايا الاخرى شيئا وهناك تقسيم صارم للمهام بين العمل الدعوى والعمل الطلابى والعمل الامنى والعسكرى، يخضع التنظيم لهيكل هرمى تختار قياداته بسرية تامة.
ركز التنظيم السرى على العمل فى مجالات التجنيد العقائدى والتغلغل فى مؤسسات الدولة وظهر بشكل واضح بعد 89 فى السيطرة على مفاصل الدولة فى الامن والقضاء والاعلام عبر خطة محكمة للتمكين(اخونة الدولة) وتم ذلك من خلال سياسات فصل كل الخصوم السياسيين والعقائديين والكفاءات المهنية.
اهم دوافع وملامح التنظيم السرى هى القمع السياسى والعمل الدعوى والتغلغل فى الدولة، السرية والولاء العقائدى الذى بلغ زروته بعد89.
*الاجهزة الامنية الموازية*
بعد انقلاب 30يونيو89اعتمد التنظيم على انشاء اجهزة امنية موازية خارج اطار المؤسسة العسكرية والاجهزة النظامية وذلك لضمان السيطرة على الحكم ومراقبة حركة المجتمع وقمع المعارضة.
ابرز الاجهزة الامنية الموازية التى انشأها ودعمها النظام:
-جهاز الامن والمخابرات الوطنى كان الذراع الامنية الرسمية والاقوى استوعب داخله كل الكوادر التى عملت فى التنظيم السرى(الخاص). توسعت صلاحياته ومارس ابشع عمليات الاعتقال والتعذيب والرقابة على الاعلام والتدخل فى الشؤن الاقتصادية والسياسية.
2-كتائب الظل مليشيات امنية سرية تم تدريبها كقوة ضاربة حال انهيار النظام او حدوث انتفاضة اتهمت بارتكاب جرائم القتل فى انتفاضة سبتمبر 2013وثورة ديسمبر 2018 وفض الاعتصام.
3-الدفاع الشعبى ذراع تعبوى عسكرى عقائدى مهمته الجهاد فى جنوب السودان قبل الانفصال واى تمرد ضد الدولة(دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق).
4-الشرطة الشعبية جهاز امنى داخلى موجه للرقابة الاجتماعية وضبط السلوك لعبت دورا فى التجسس علي المواطنين ورفع التقارير الامنية.
5-الامن الطلابى ذراع امنى داخل الجامعات يقوده طلاب ينتمون للحركة الاسلامية تورط فى قمع التحركات الطلابية والاعتداء على النشطاء.
6-قوات الدعم السريع بدأت كمليشيا فى دارفور(الجنجويد) انشأها ومولها النظام لدعم الجيش فى دارفور ومواجهة الحركات المتمردة، قننها واصبحت قوة عسكرية ضاربة تتمتع بنفوذ اقتصادى وسياسى كبير.
7-المليشيات القبلية الموالية وهى مجموعات قبلية سلحها النظام فى مناطق النزاعات لضرب الحركات المسلحة استخدمت فى القتال والنهب والانتهاكات خارج القانون.
8-الامن الشعبى جهازامنى سرى غير رسمى يتبع مباشرةللحركة
الاسلامية السودانية يعملبالتوازى مع جهازالامن ولكنهاكثرتغلغلافى المجتمع.
تتمثل اهدافه فى؛
-حمايةالنظام الاسلامى من الداخل.
-مراقبةالمواطنين فى الاحياءواماكن العمل والجامعات.
-العمل كشبكة تخصص ومخبرين لخدمة حزب المؤتمر الوطنى.
-ادارة المعلومات السرية والاغتيالات الناعمة.
*العمليات المنسوبة للاجهزة الامنية:*
نفذت العديد من العمليات الامنية داخليا وخارجيا ضد معارضين سياسيين، وحركات مسلحة والدخول فى صراعات اقليمية ودولية وتنوعت بين الاعتقالات والاغتيال والتعذيب والمراقبة والقمع وتسليح المليشيات والتجسس.
ابرز هذه العمليات:
1-الاعتقالات والتعذيب والاغتيالات وشملت الاف المعارضين سياسيين ونقابيين ونشطاء مجتمع ابرزهم على فضل واحمد الخيروعبدالمنعم سليمان وغيرهم.
ونشطاء طلاب كثر تعرضوا للاعتقالات والتصفية ابرزهم التاية ومحمد عبدالسلام وعلى موسى ابكر من جامعةالخرطوم وطلاب دارفور بجامعة الجزيرة وميرغنى النعمان من جامعة سنار والسلسلة تطول.
2-استخدام بيوت الاشباح كمراكز سرية للتعذيب والاخفاء القسرى.
3-قمع التظاهرات والانتفاضات أبرزها مظاهرات 95/96 وانتفاضة سبتمبر 2013التى قتل فيها اكثر من 200متظاهر نفذتها اجهزة الامن
وكتائب الظل.
-قمع احتجاجات بورتسودان وكجبار.
-استخدام العنف المفرط فى ثورة ديسمبر ومئات الضحايا والاف المعتقلين تورطت فيها كتاىب الظل واجهزة الامن وقناصة مدربين.
4-التجسس والرقابة والاختراق بزرع مخبرين داخل الاحزاب ومنظمات المجتمع المدنى والاتحادات ودعم الانقسامات ومراقبة الانترنت والهواتف وتضييق الحريات.
5-حملات التطهير داخل مؤسسات الدولة بفصل الاف الموظفين من الخدمة المدنية لاسباب سياسية(الصالح العام) واستبدالهم بكوادر موالية(التمكين).
6-تسليح وتدريب الجنجويد والمليشيات القبلية.
7-ارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب من اغتصاب جماعى، تهجير، ابادة جماعية(مطلوبو المحكمة الجنائية الدولية).
8-العمليات الخارجية
محاولة اغتيال حسنى مبارك 95 اديس ابابا.
-دعم جماعات اسلامية متطرفة واستضافة قيادات القاعدة 91-96والجماعة الاسلامية المصرية وحماس وحزب الله وغيرهم.
9-الاتهام فى تهريب الاسلحة لدول الجوار والتدخل فى شؤنها.
10-العمليات التجسسية الخارجية بزرع عملاء فى السفارات لرصد انشطة الجاليات والمنظمات وتحليل انشطة المعارضة.
11-تامين مأوى ودعم عمليات ارهابية لمتطرفين(سفارة امريكا فى دار السلام والمدمرة كول 98)وضعت السودان فى قائمة الارهاب.
12-تسليم كارلوس للمخابرات الفرنسية.
13-عرض تسليم بن لادن الا انه ادرك ذلك وغادر القطر بعد الاستيلاء على شركاته وامواله.
14-استدراج بعض المناوئين لبعض الانظمة العربية مثال الطيار الليبى (عثمان عيسى) وعبدالغنى الجزائرى. هذه الافادة للاستاذ ابوراس حيث كان المزكورين زملاء له فى قسم الكرنتينة (ج) بسجن كوبر 1996
15-حادثة مسجد الثورة الحارة الاولى فى منتصف التسعينات(الخليفى).
*دور الاجهزة الامنية فى تخريب الاقتصاد الوطنى*
لعبت الاجهزة الامنية دورا محوريا فى تخريب الاقتصاد ااسودانى بشكل ممنهج ومركب من خلال الفساد المباشر من جهة وخلق اقتصاد مواز وتحويل موارد الدولة لصالح النخبة الامنية. علاوة على التمتع بموازنات مفتوحة خارج الموازنة العامة.
هذا التخريب ساهم فى اضعاف الدولة وتهميش المؤسسات المدنية وتكريس اقتصاد ريعى احتكارى مضارب من خلال:
-التمكين الاقتصادى عبر الاجهزة الامنية بالسيطرة على الشركات فى مجالات الذهب والمعادن والاتصالات والنقل والتجارة والعقارات والمقاولات، هذه الشركات معفاة من الضرائب والجمارك والرقابة من قبل ديوان المراجع العام وتعمل خارج الموازنة العامة للدولة.
-نشوء اقتصاد ظل امنى مواز لايخضع لوزارة المالية خلق تشوهات كبيرة فى سعر الصرف وتهريب موارد النقد الاجنبى.
_الاجهزة الامنية ساعدت علي حماية الفاسدين والتغطية على التجاوزات المالية.واستغلال الحصانات والتورط فى صفقات مشبوهة.
-تهريب الذهب والعملات الصعبة(الدعم السريع والاستخبارات كانت تسيطر على مناطق التعدين).
-قمع القطاع الخاص غير الموالى وتدميره بالترهيب والمصادرة وفرض الجبايات.
-تدمير الزراعة والصناعة بتحويل الموارد للامن والدفاع (60٪من الموازنة).
-اهمال البنية التحتية بتوجيه الانفاق نحو البنى التحتية العسكرية والامنية.
-تمويل الحرب بدل السلام الاجهزةالامنية كانت تقود الحروب وتوجيه الموارد لتسليح المليشيات وتجنيد المرتزقة.
اجهزة النظام الامنية لم تكن اداة قمع سياسى بل تحولت الى ذراع اقتصادى مافيوى قاد السودان الى الانهيار المالى الاقتصادى.
*خلاصة*
ساهمت البنية السرية لتنظيم الاخوان المسلمين فى السودان فى تسييس اجهزة الدولة المدنية والعسكرية والامنية وجعلها اداة قمع سلطوى بدلا من مهنيتها.
تلعب الاجهزة الرسمية وغير الرسمية دورا كبيرا فى الحرب المشتعلة فى السودان منذ ابريل 2023وتؤدى، مهام متنوعة عسكرية وامنية واعلامية واقتصادية وسياسية تحت عناوين وواجهات جديدة، مرتبطة اشد الارتباط باهداف الحرب الاستراتيجية فى عودة الاسلاميين للسلطة.. وتنسب اليها جرائم القتل والذبح والاعتقال والاخفاء القسرى وكافة الانتهاكات.
الجزء الأول من المقال
*مراجع مهمة حول الموضوع للاستزادة:
-الحركة الاسلامية فى السودان: دائرة الضوء وخيوط الظلام.
المحبوب عبدالسلام
-الاسرار الخفيف لتنظيم الاسلاميين فى السودان
فتح الرحمن شبارقة
-الاخوان المسلمون فى السودان: من الدعوة الى السلطة
بدر الدين يوسف
-تقارير المجموعة السودانية للدراسات الاستراتيجية.
-مؤلفات الاستاذ فتحى الضوء..
-الهيئة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات-تقارير.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



