العميد عماد اليماني يكتب.. مصر فاعل محوري في استقرار المنطقة العربية

في خضم إقليم عربي يعجّ بالأزمات والصراعات الممتدة، تبرز مصر بوصفها أحد أهم الفواعل المحورية في معادلة الاستقرار الإقليمي، ليس فقط بحكم ثقلها الجغرافي والديمغرافي، وإنما نتيجة دور تاريخي متراكم، ورؤية سياسية تتسم بالاتزان، وقدرة عملية على إدارة الأزمات ومنع انزلاق المنطقة إلى الفوضى الشاملة.
مصر وثابت الاستقرار العربي
منذ نشأة الدولة الوطنية الحديثة، لعبت مصر دور «صمام الأمان» في محيطها العربي، إدراكاً منها أن أمنها القومي لا ينفصل عن أمن الإقليم ككل. وقد تأسست السياسة المصرية على مبدأ واضح مفاده أن استقرار المنطقة العربية هو شرط أساسي لاستقرار الدولة المصرية، وأن ترك الصراعات دون معالجة يفتح المجال أمام التدخلات الخارجية وتمدد الجماعات المتطرفة.
هذا الفهم الاستراتيجي جعل من القاهرة لاعباً رئيسياً في ملفات شديدة التعقيد، من القضية الفلسطينية، مروراً بالأزمة الليبية، وصولاً إلى أزمات السودان وسوريا واليمن.

القضية الفلسطينية… مركز الدور المصري
تُعد القضية الفلسطينية النموذج الأوضح على مركزية الدور المصري في الإقليم. فمصر لم تغب يوماً عن مساعي التهدئة أو الوساطة، ولم تتخلّ عن مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني، سواء عبر التحركات السياسية والدبلوماسية، أو الجهود الإنسانية، أو العمل المتواصل لوقف إطلاق النار ومنع توسع دائرة الصراع.
وتدرك القاهرة أن أي انفجار شامل في الأراضي الفلسطينية لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يزعزع استقرار الشرق الأوسط بأكمله، وهو ما يفسر الحضور المصري الدائم في مسارات التفاوض، رغم تعقّد المشهد وتشابك المصالح الدولية.
ليبيا والسودان… حماية الدولة الوطنية
في الملف الليبي، اتخذت مصر موقفاً ثابتاً يقوم على دعم وحدة الدولة ومؤسساتها، ورفض تفكيك الجيوش الوطنية أو شرعنة الميليشيات المسلحة. وقد لعبت القاهرة دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، والدفع نحو حلول سياسية تُنهي حالة الانقسام، وتحفظ لليبيا سيادتها ووحدتها.
وينسحب الأمر ذاته على السودان، حيث أكدت مصر مراراً أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية طويلة الأمد يمثل أولوية قصوى، ليس للسودان وحده، بل للمنطقة بأسرها.
توازن دقيق بين السياسة والأمن
ما يميز الدور المصري هو قدرته على الجمع بين الأدوات السياسية والأمنية دون الانزلاق إلى سياسات المغامرة. فالقاهرة تدير أدوارها الإقليمية بمنطق الدولة العاقلة، التي توازن بين حماية مصالحها الوطنية، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي.
هذا التوازن منح مصر مصداقية لدى أطراف إقليمية ودولية، وجعلها وسيطاً مقبولاً في العديد من الملفات، في وقت فقدت فيه بعض القوى الإقليمية قدرتها على لعب هذا الدور نتيجة انحيازات حادة أو تدخلات مباشرة فاقمت الأزمات.
مكافحة الإرهاب… دفاع عن الإقليم لا عن الحدود فقط
لم تقتصر معركة مصر ضد الإرهاب على حماية حدودها الداخلية، بل امتدت لتشكل جزءاً من معركة إقليمية أوسع ضد الفكر المتطرف والتنظيمات العابرة للحدود. وقد أدركت القاهرة مبكراً أن ترك هذه التنظيمات يتمدد في دول الجوار سيؤدي حتماً إلى تهديد الأمن العربي الجماعي.
ومن هذا المنطلق، دعمت مصر بناء قدرات الدول الوطنية، وشاركت في تبادل المعلومات الأمنية، وسعت إلى تجفيف منابع الإرهاب فكرياً ومالياً، إدراكاً منها أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بمعالجة الجذور الفكرية والاقتصادية للتطرف.
مصر والدبلوماسية الهادئة
تعتمد السياسة الخارجية المصرية على ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الهادئة»، القائمة على العمل بعيداً عن الضجيج الإعلامي، والتركيز على النتائج لا الشعارات. وقد أثبت هذا النهج فاعليته في أكثر من ملف، حيث نجحت القاهرة في تحقيق اختراقات حقيقية دون الدخول في صدامات مفتوحة.
ويُحسب لمصر أنها تحافظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى، بما يتيح لها هامش حركة أوسع، وقدرة أكبر على المناورة السياسية بما يخدم استقرار المنطقة.
خلاصة القول
إن قراءة المشهد العربي الراهن تؤكد أن غياب الدور المصري الفاعل كان سيترك فراغاً خطيراً، تملؤه قوى الفوضى والتطرف. فمصر، بما تمتلكه من ثقل تاريخي ورؤية استراتيجية، تظل أحد الأعمدة الرئيسية لاستقرار المنطقة العربية، وركيزة لا غنى عنها في أي مشروع حقيقي للأمن الإقليمي.
ومع استمرار التحديات، يبقى الرهان قائماً على قدرة مصر على مواصلة هذا الدور المتوازن، الذي يجمع بين الحكمة السياسية، والصلابة الأمنية، والانحياز الدائم لفكرة الدولة الوطنية باعتبارها الضامن الأول للاستقرار والتنمية في العالم العربي.



