اجتماعيةدراسات

دراسة (قضايا العقيدة والفكر والفلسفة الاسلامية): الأصول المعرفية لعلم الكلام: مسالك النظر والاستدلال والمنطق.

إعداد-  الدكتور سمير الوصبي مدير وحدة الدراسات الاجتماعية والمشرف العام على الابحاث والدراسات بمركز العرب للأبحاث والدراسات.

قد يكون أول ما يتعين علينا القيام به في سعينا لاستكشاف المنهج الاستدلالي الكلامي، هو استخلاص مكوناته، في محاولة لتبيين مدى تطور الإنتاج الفكري عند علماء العقيدة الاسلامية كتوجه سني شكل فيما بعد ما اصطلح عليه بالمذهبية السنية في مقابل المذهبية الشيعية، وبحسب طبيعة الصلة التي تقوم بين العقل والنقل. ومن ثم فإن فهم الاستدلالات العقدية للمنهج الكلامي لها محددات ثلاث: الأصول المعرفية (مسالك النظر والاستدلال)، القضايا العقدية (الالهيات والسمعيات والنبوات)، والأصول السياسية ( الامامة العظمى)، هذا المسار المنهجي هو ما صاغ مفهوم المذهب الكلامي السني.

ومما لاشك فيه أن جميع العقلاء من متكلمين وفلاسفة وغيرهم يثبتون حقائق الأشياء، ولا ينكرونها، ويتفقون فيما يصل إليه الإنسان بعلمه من هذه الحقائق سواء كان ما وصل إليه عن طريق البداهة أو عن طريق البحث والنظر.

والواقع أن المتكلمين الأوائل كان لهم منهجهم الخاص الذي ظل بمعزل عن المنطق الأرسطو طاليسي إلى أكبر حد، ولم يمتزج المنطق بعلم الكلام إلا في أواخر القرن الخامس على أيدي المتأخرين من المتكلمين[1]. وإذا كان من أمر تقديم العقل على النقل في بعض الاستدلالات؛ فإن مرد ذلك هو الجدل الكلامي بين الدولة الإسلامية من جهة والحضارات الثقافية الأخرى وهذا الاستثناء لا يقصى القاعدة الأصلية التي حكمت المذهب في جمعه بين العقل والنقل.

* جدلية العقل والنقل

إن ما به تتميز المذاهب والتيارات عن بعضها البعض، يكمن في طريقة نظر العقل في النقل من جهة أولى وفي صورة التزام العقل في العمل المذهبي، بما يقرره النقل ويحدده وهذا ما تمت صياغته كلاميا في الاستدلالات الأشعرية، وقد أرجعت قضية التحول الأشعري من الاعتزال إلى تبني مذهب جديد يخالف التقعيدات للمذهب الاعتزالي إلى النظر الأشعري وجمعه بين العقل والنقل ما حدى بالدارسين في قضية تحول الأشعري عن المذهب الاعتزالي إلى القول:« إن الأشعري كان رجلاً ألمعياً ذا نظر ثاقب رأى أن الفقهاء والمحدثين قصروا همتهم على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس، ورأى المتكلمين قصروا همتهم على الدفاع عن الدين ضد غوائل أعدائه مستخدمين نفس أسلحتهم من الجدل والمنطق وتحكيم العقل وطرح النص جانبا، وكان العداء بين الفريقين شديداً فساءل الأشعري نفسه، وما الذي يمنع أن يكون المرء فقيها متكلماً ويجمع بين الأمرين وهو ليس جمعا بين متناقضين، وكما رأى المعتزلة تجعل العقل رائدا والحنابلة والحشوية تجعل النص رائدا فساءل نفسه وهل هناك ما يمنع من الجمع بين الاثنين»[2].

إن التزام حرفية النص وتحريم استعمال العقل في تأييد ما ورد به من حقائق أمْر خاطئ…، ومع هذا فالجري وراء العقل غير محاط بسياج من الشرع وبخاصة في الآراء التي تتصل بالعقيدة أمر خاطئ أيضا، بل يعتبر أشد خطراً.. إذن فمن الخير للحق في ذاته وللجماعة التي تعمل على اكتشافه أن تتخذ في ذلك منهجا وسطا يزواج بين العقل والنص[3]. فالقرآن والسنة لم يهملا العقل ولم يحرما النظر والاستدلال، فاستعمال العقل فهم للشرع وتأييده ضرورة وليس ضلالة ما حدى بالأشعري إلى تقعيد قاعدة منهجية مقررها:« أن حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أصول الشرع التي طريقها السمع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كل شيء من ذلك إلى بابه ولا تخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات»[4]. أي أننا في أمور الدين نستدل بأدلة عقلية وسمعية ومن المسائل ما يحتاج إلى دليل عقلي ومنها ما لا يمكن البرهنة عليه إلا بأدلة سمعية ومنها ما يبرهن عليه بالعقل والسمع فلكل مجال ولا يجب أن تختلط المجالات. ولكون هذا المنهج دقيق غاية الدقة لأن أي مَيْل إلى أحدهما يكون على حساب الآخر، فإن هذا المنهج يثير بعض الاعتراضات التي تتطلب الإجابة عليها والإطار المنهجي نظريا يصعب تطبيقه عمليا في أمور العقيدة من خلال التساؤل عن أي الأمرين نعني -النص ام العقل- سيكون هو الضابط والمرجح إذا تعارضا ؟.

فإذا كان العقل مساعداً ومهمته تأييد النص فليس معنى ذلك أن الأشعري يرجع إلى عقيدة الحشوية والمجسمة فـهم ينـكرون استعمال العقـل إطلاقا ولو كوسيلة مساعدة ولايعترفون بشيء سوى بالنص ويفسرونه على ظاهره، وما استخدام الأشعري للعقل إلالأن هناك نصوصا تتطلب لفهمها التأويل حتى تكون معقولة ومقنعة. والظاهر أن سمت منهجه كان يحكمها الميلُ إلى طرف من الطرفين أكثر من الآخر وفي هذا يقول الكوثري:«ومع ذلك لا تخلوا آراؤه من بعض ما يؤخذ كنوع ابتعاد عن العقل مرة وعن النقل أخرى في حسبان الناظر في كلامه في مسائل نظرية معدودة كقوله في التحسين والتقبيح والتعليل. وتعليل ذلك راجع إلى طول جداله مع المعتزلة والحشوية وكذا من الصعوبة بمكان الاعتدال التام وإعطاء كل من العقل والنقل حقه خاصة إذا كان الجدال مع أصناف متعددة من الخصوم لكل منهم مذهب خاص يلتزم به»[5].

 

 

* النظر والاستدلال

قوام البحث في القضايا الاعتقادية مبني على مسألة النظر أي إعمال العقل في الاستدلالات على أول مبحث من مباحث العقيدة وهو معرفة الله تعالى، فالنظر هو آلية وسبب في التوصل إلى ما يراد البرهان عليه من الألوهية لله. فقد ذهب أغلب شيوخ المنهج الاسـتدلالي على أن أول ما فـرض الله عزوجل على جميع العباد النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته وشواهد ربوبيته، لأنه سبحانه غير معلوم اضطراراً، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة والبراهين الباهرة[6].

والملاحظ أن الهيكل التنظيمي لهذه القاعدة النظر والاستدلال المعتمدة في معرفة الله تعالى يقوم على عنصرين هما:

– إثبات أن النظر هو أول الواجبات[7]. بمعنى أنه من الواجبات التي لا ينفك المكلف عنها بوجه من الوجوه، وعلى هذا فهو من الواجبات التي لا يسع الإخلال بها، ووجوب النظر لا يراد لذاته، بل لما يوصل إليه من معرفة بحيث لو كان في الإمكان تحصيل المعرفة بدونه لكان لا معنى لإيجابه.

– اعتبار اللطف كأحد الدلالات البارزة على وجوب معرفة الله تعالى؛ فالدليل على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته وعدله هو أنه لطف في أداء الواجبات واجتناب المقبحات وما كان لطفا واجباً لأنه هو جار مجرى دفع الضرر عن النفس والذي أدى إلى القول أنها لطف. أن اللطف هو أن يكون المرء عنده أقرب إلى أداء الواجبات وترك المقبحات على وجه لولاه لما كان بهذه المثابة ومعرفة الله تعالى   بهذه الصفة، فالإنسان إذا عرف أن له صانعاً ومدبراً. إن أطاعه أثابه وإنْ عصاه عاقبه كان أقرب إلى أداء الواجبات وترك المقبحات فاللطف على وجه التحقيــق هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب[8]. وعليه فطريق البحث في وجود الله يندرج تحت مسلكين.

أ- مسلك النظر: حصر لفظ النظر بالفكر، وجعل ذلك مرادفا لمعنى “التفكير بالقلب”، فالنظر هو الفكر الذي يطلب به علم أو غلبة ظن.

والمراد بالفكر انتقال النفس في المعاني انتقالا بالقصد، فإن ما لا يكون انتقالا بالقصد كالحدس وأكثر حديث النفس لايسمى فكرا،ً وذلك الانتقال الفكري قد يكون بطلب العلم أو الظن فيسمى نظراً، وقد لايكون كذلك فلا يسمى به، فالفكر جنس له وما بعده فصل له لتقسيم المحدود دون الحد[9]. والفكر هو:« تأمل حال الشيء والتمثيل بينه وبين غيره أو تمثيل حادثة من غيرها»[10]. وإلى هذا ذهب القاسم بن محمد عندما عرف النظر بأنه إجابة الخاطر في شيء لتحصيل اعتقاد ويرادفه التفكر المطلوب به ذلك[11]. والتأمل يفيد المقارنة بين الشيء وغيره، هذه المقارنة يتبعها رد الأنظار المفصلة إلى الجملة المقررة، مثل العلم بقبح فعل بعينه قياسا على العلم بقبح القبيح جملة، أما التمثيل فهو نوع من القياس يقضي بتمثيل قضية من غيرها. فالنظر إذن يفيد المقارنة والمقارنة هي التي تجعل العقل يميز بين الأشياء. «النظر[12] المؤدي إلى معرفة أن هذا الشيء يفيد الطلب في اللغة»[13].

وينقسم النظر إلى قسمين :

أحدهما؛ النظر في أمور الدنيا.

والثاني؛ النظر في أمور الدين. وهو ينقسم إلى قسمين:

– النظر في الشبه لحلها؛

– النظر في الأدلة ليتوطد بها إلى المعرفة، وهذا هو المقصود.

وبما أن الله تعالى لا يـعرفُ ضرورةً فإن الطريق إليه لا يعـدو أحـد أمرين: ولا يمكن أن يكون حكما من الأحكام؛ لأن الأحكام إنما تصدر عن العلل والله تعالى ليس بعلة ومعلوم ارتباط العلة بالمعلوم وعدم انفكاكها، ولو كان كذلك لأذى إلى وجوب ثان معه فيما لو يزل ومعلوم أنه لا قديم إلا الله تعالى، ولكان يجب أيضا أن يكون من قبيل الأعراض والمعلوم خلافه وعلى هذا فإنه لم يبق إلا أن تكون الأفعال التي هي الحوادث طريق إليه والأفعال لاتخرج على أن تكون “جواهر” أو “أعراض”.

ب- مسلك الاستدلال: ينص الباقلاني في كتابه “الإنصاف” أن الاستدلال هو:«نظر القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحس، وأن ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لايعلم باضطراره وهو على ثلاث أضرب:

عقلي : له تعلق بمدلوله، نحو دلالة الفعل على فاعله، وما يجب كونه عليه من صفاته نحو حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته.

وسمعي شرعي : دال من طريق النطق بعد المواضعة ومن جهة معنى مستخرج من النطق.

ولغوي: دالٌ من جهة المواطأة والمواضعة، على معاني الكلام، ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ وقد لحق بهذا الباب: دلالات الكتابات والرمـوزوالإشارات والعقود الدالة على مقادير الأعداد وكل ما لا يدل إلا بالمواطأة والاتفاق»[14].وعموما فالدليل؛ هو المرشد إلى معرفة الغائب على الحواس. والدال؛ هو ناصب الدليل، فالمدلول؛ هو ما نصب له الدليل، والمستدل الناظر في الدليل واستدلاله نظره في الدليل وطلبه به علم ما غاب عنه. وهذا الدليل الذي وصفنا حاله هو الدلالة والمستدل به وهو الحجة. فالاستدلال إذن هو:«التعبير عما اختفى أثره وتوصل به إلى المطلوب»[15]. والبرهان التمثيلي لهذا الاستدلال في باب إثبات وجود الله هو ما صاغه الأشعري وصار على نهـجه وبينه الباقلاني؛ فهذا الاستدلال يقوم على ما يلحظ من نقص حال الإنسان على وجود علة كاملة وصانع مدبر، وإذن فهو البرهان المعتاد عند المتكلمين من الاستدلال على الصانع من إحكام صنعة العالم وتدبيره.

ويتبين أن مسلك الاستدلال ينبني على مبدأ ضروري من مبادئ العقل هو مبدأ السببية. وأوردنا من صور ذلك المبدأ صورتين خلق الأنفس، وخلق الآفاق، فكانت هذه طريقة المتكلمين في الاستدلال على المحدث بحدوثه، تلك هي الطريقة المستنبطة من منهج القرآن الدال على وجود الله انطلاقا من مخلوقاته.

ونخلص على أن المسلكين يهدفان من حيث صفاتهما إلى أن يكونا دليلا ودلالة توصل إلى المطلب الأساس في منهج الاستدلال الأشعري، وهي إثبات وجود الله وهذا ما عبر عنه الباقلاني  بالقول:« وأما الاستدلال والنظر فهو تقسيم المستدل وفكره في المستدل عليه وتأمله وقد يسمى ذلك أيضا دليلاً ودلالة مجازا واتساعاً لما بينهما من التعلق، وقد تسمى العبارة المسموعة التي تنبني في استدلال القلب ونظره وتأمله نظرا واستدلالا ومجازا واتساعا لدلالتهما عليه، وقد ذكرنا صورة الاستدلال بتغيير الأجسام على إثبات صانعها وتقصينا طرفا من الكلام في الأبواب التي قدمنا ذكرها في كتاب كيفية الاستشهاد في الرد على أهل الجحود والعناد»[16].

 

 

 

 

 

[1]– مقدمة ابن خلدون، ج 3، ص47.

[2]– مقدمة ابن خلدون، ط دار الشعب القاهرة، ج 3، ص 47.

[3]– غرابة، الأشعري، ص 137.

[4]– الأشعري، استحسان الخوض في علم الكلام، ص 95.

[5]– الكوثري، مقدمة تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام ابي الحسن الأشعري ص 10 /الإسفرايني، التبصير في الدين، تحقيق محمد ابن زاهد الكوثري، طبعة القاهرة 1395هـ، ص 114.

[6]– الباقلاني، الإنصاف، ص 22.

[7]– الجويني، الشامل، ص 121.

[8]– القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، ط القاهرة 1965م، ص 67.

[9]– التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ص 1705.

[10]– القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد و العدل، ط الدار المصرية للتأليف و الترجمة، القاهرة 1965م، ج 12، ص 4.

[11]– القاسم بن محمد علي، كتاب الأساس، ص 57.

[12]– بين الإمام سعد الدين التفتزاني “النظر” بالقول :”اعلم أن الإنسان قوة نظرية كمالها معرفة الحقائق كما هي، وعملية كمالها القيام بالأمور على ما  ينبغي تحصيلا لسعادة الدارين، وقد تطابقت الملة والفلسفة على الاعتناء بتكميل النفوس البشرية في القوتين وتسهيل طريق الوصول إلىالغايتين إلا أن نظر العقل يتبع في الملة هداه وفي الفلسفة هواه، وكما دون حكماء الفلاسفة الحكمة النظرية والعملية إعانة للعامة على تحصيل الكمالات المتعلقة بالقوتين، دون عظماء الملة وعلماء الأمة علم الكلام وعلم الشرائع والأحكام… إلا أن المقدم في الاعتبار بشهادة العمل والنقل هو معرفة المبدأ والمعاد المشار إليهما بالإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وطريق الوصول إليهما النظر في الممكنات عن الجواهر والأعراض على ما يرشد إليه مواضع من كتاب الله تعالى وما أحسن ما أشار إليه علي كرم الله وجهه إلى أن المعتبر من كمال القوة العملية ما به نظام المعاش ونجاة المعاد، و من النظرية العلم بالمبدأ والمعاد، وما بينهما من جهة النظر والاعتبار قال: رحم الله امرءا أخذ لنفسه واستعد لرمسه، وعلم من أين وفي أين وإلى أين” راجع في ذلك شرح المقاصد، ج 1، ص : 22- 24 .

[13]– النيسابوري، المسائل في الخلاف، ص 345.

[14]– الباقلاني، الإنصاف، ص 15.

[15]– المصدر نفسه، ص 16.

[16]– الباقلاني، التمهيد، ص 34.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى