د. أحمد عبد العزيز بكير.. يكتب الشرق الأوسط الذي يريده الحلف الصهيو-أمريكي

يتشكل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط منذ أواخر القرن العشرين، وتحديداً مع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991وحتى اليوم عبر تفاعل ثلاثة مشاريع كبرى متصارعة، لكل منها جذور تاريخية وأيديولوجيات وسياسات توسعية مختلفة. فمنذ العام 1979مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران، ظهر المشروع الإيراني بالمنطقة مؤسساً لنموذج سياسي يجمع بين الدين والدولة تحت قيادة الولي الفقيه، كما توسعت في مشروعها عبر دعم حركات شيعية وسنية في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وحماس والجهاد الإسلامي بالأراضي العربية المحتلة، بهدف تعزيز نفوذها وإنشاء “حزام مقاومة” ضد النفوذ الغربي والإسرائيلي، مع استخدامها خطاباً ثورياً يخدم أهدافاً جيوسياسية.
وفي عام 2002، مع صعود تيار الإسلام السني بتركيا ووصول رجب طيب أردوغان لسدة الحكم، أصبح لتركيا مشروعاً إقليمياً طموحاً، مزج بين الإسلام السني السياسي والقومية العلمانية التركية مع موروث عثماني قديم عبر سياسات خارجية نشطة في ليبيا والقوقاز من خلال الدعم اللامحدود لأذربيجان علي حساب أرمينيا، وأخيراً عبر البوابة السورية من خلال دعم ثورة الجولاني علي حساب حكم الطاغية بشار الأسد.
أما المشروع الثالث فهو المشروع الصهيوني الأكثر توسعاً وهيمنة في المنطقة وهو الأقدم بين الثلاث مشاريع، وصاحب أطماع السيطرة والاستحواذ على المنطقة برمتها وإعادة هندستها جغرافياً وجيوسياسياً من خلال احتلال الأراضي الفلسطينية وتفتيت الوحدة العربية عبر تحالف استراتيجي أبدي مع الولايات المتحدة الأمريكية، لضمان تفوقه وتفرده سياسياً، اقتصادياً، عسكريا وعلمياً. وإذا كان المشروعان الإيراني والتركي آخذان في التجاذب تارة والتنافر تارة أخري بحسب التقلبات السياسة في المنطقة، ورغم كونهما مشروعان متنافسان على صدارة المنطقة، إلا أن ذلك لا ينفي دعمهم الكامل للقضية الفلسطينية أرضاً وشعباً، كلُ حسب قدراته وإمكاناته.
في مقابل المشروعين، يري المشروع الصهيوني نفسه علي النقيض، بيد أنه يسعي جاهداً ليل نهار لأجل مشروعه التوراتي التوسعي في المنطقة، ولتعزيز هيمنته للوصول إلي ” حلم إسرائيل الكبرى“، من النيل للفرات، ويعمل علي تنفيذ مخطط برنارد لويس 1983 الذي يهدف إلي تقسيم المقسم وتقطيع المقطع، وتسارع هذا المشروع مع صعود التيار اليميني المتطرف في حكومة الإتلاف الحالية التي يقودها بنيامين نتنياهو.
هذا التصور يحمل في داخله دلالات دينية وسياسية مستندة الي تفسيرات توراتية وسياسات توسعية تاريخية بعضها دينية والأخرى سياسية صهيونية، وهذا ما أوضحه نتنياهو أمس صراحة، كاشفاً عن نواياه الخبيثة قائلاً ” أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحانية، فأنا مرتبط جداً برؤية إسرائيل الكبرى التي تشمل فلسطين وجزءًا من الأردن ومصر“.
خلال ما يقرب من عام تقريباً وقعت أحداثًا إقليمية، حيث شهدت المنطقة تقويضاً إجبارياً لقوة المشروع الإيراني والعمل علي احتواؤه، فمن سقوط حليف الشام الإستراتيجي بشار الأسد، إلي انهيار القدرات العسكرية لحزب الله الذراع الأساسي لها بالمنطقة، إلي قدوم حكومة لبنانية مطالبة بنزع سلاح المقاومة وانخراطه بالقوات المسلحة اللبنانية، وهي حكومة أقرب ما تكون صهيونية من كونها لبنانية خالصة بقيادة نواف سلام سليل عائلة سلام التي باعت وفرطت في أراضي سهل الحولة بشمال الضفة الغربية للوكالة اليهودية عام 1934، وانتهاءً بحرب الإثني عشر يوماً بين إيران والكيان الصهيوني في يوليو الماضي. هذه الأحداث مجتمعة جعلت المشروعين التركي والإسرائيلي أكثر تحفيزاً لبسط السيطرة والتمدد إقليمياً، لاسيما بعد صعود هيئة تحرير الشام المدعومة سياسياً وعسكرياً ولوجستياً من تركيا لقيادة المشهد السوري، في حين غافلت إسرائيل الإقليم والمجتمع الدولي لتحتل قمة حرمون أعلي جبل الشيخ وتبسط سيطرتها على الجولان، درعا والسويداء بالجنوب متوغلة فيما يزيد عن 1000 كم، واستيلائها على جميع موارد المياه هناك.
ومع تصاعد أحداث السويداء في يوليو الماضي، لم تتردد إسرائيل في غرس أنيابها بجسد الإقليم ووضعت بصماتها لكي يُبشّر بولادة قريبة لما يُسمى “الشرق الأوسط الجديد” بدعم أميركي، حين توغلت بالسويداء استجابة لنداء الدروز، كما قامت بقصف وتدمير مبني هيئة الأركان السوري بدمشق وأبادته عن بكرة أبيه، محذرة تركيا من التورط في مواجهة مباشرة معها على الأراضي السورية، في تصعيد جديد يُضاف إلى التوترات الإقليمية، وجاء التحذير بعد تقارير عن تعزيز تركيا لقواتها في شمال سوريا بالقرب من مناطق النفوذ الإسرائيلي، حيث تسعى تركيا لتعزيز موقفها عبر دعم الفصائل الموالية لها.
الجدير بالذكر، أن الاندفاع الأمريكي غير المبرر ظاهرياً لدعم وتعزيز المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط يعود إلى شبكة معقدة من المصالح الجيوسياسية والأيديولوجية والاقتصادية التي تشكل عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقود.
من الواضح أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة لتحويل إسرائيل إلى “شرطي الإقليم الأوحد” ليدير الشرق الأوسط نيابة عنها، تمهيداً لنقل معركتها إلي بحر الصين الجنوبي، لمواجهة أكبر تحدي لها عبر تاريخها وهو التحدي الصيني، حيث أن دعم إسرائيل كـ“حصن متقدم” يسمح بسحب الموارد العسكرية والدبلوماسية إلى المحيط الهادئ.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



