الرئيسيةالسوداننشرة الأخبار

السودان في أسبوع.. تقرير أممي يكشف فصول المأساة الإنسانية في بلد يتفكك

الخرطوم- مركز العرب

منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحوّل السودان إلى واحدة من أسوأ ساحات النزاع في العالم. حربٌ شاملة امتدت من الخرطوم إلى دارفور وكردفان والجزيرة، وأغرقت البلاد في دماء المدنيين الذين أصبحوا وقودًا لمعركة مفتوحة على كل الاتجاهات.

السودان بيان وقف الحرب

أرقام صادمة تكشف حجم المعاناة 

التقرير الأممي يقدّم صورة مأساوية عن حجم الكارثة الإنسانية في السودان. ففي غضون ستة أشهر فقط، تم تسجيل مقتل 3384 مدنيًا، بينهم 191 طفلًا على الأقل. هذه الأرقام لا تعكس مجرد ضحايا، بل تكشف أن المدنيين أصبحوا الهدف المباشر في الصراع. أكثر من 990 حالة قُتل أصحابها بدم بارد، خارج نطاق أي اشتباكات عسكرية، وهو ما يرقى لجرائم حرب واضحة. دارفور جاءت في صدارة المشهد بـ1535 قتيلًا، بينما شهدت كردفان 724 حالة والخرطوم 691. الأرقام هنا لا تعني فقط إحصاءات، لكنها تؤشر لمدى اتساع رقعة الدم وغياب أي خطوط حمراء لدى أطراف النزاع.

أنقذوا الفاشر" حملة في السودان لفك حصار المدينة ووقف تجويعها | سياسة | الجزيرة نت

الفاشر.. المدينة المحاصَرة

الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تحوّلت إلى قلب المعركة. المدينة التي تضم نحو 300 ألف نسمة بالإضافة إلى مئات الآلاف من النازحين، تعيش حصارًا خانقًا فرضته قوات الدعم السريع لأكثر من عام. صور الأقمار الصناعية وثّقت جدارًا ترابيًا حولها، في إشارة إلى نية واضحة لعزلها عن العالم. أهميتها الاستراتيجية كبيرة: فهي مقر “الفرقة السادسة” للجيش، وبوابة الإمدادات الإنسانية والعسكرية معًا. لهذا السبب تراها قوات الدعم السريع “الجائزة الكبرى” التي تعني السيطرة على الإقليم كله.

لم تكن الفاشر، عاصمة شمال دارفور، مجرد مدينة محاصرة في جغرافيا الحرب السودانية، بل تحولت إلى رمز للصراع على بقاء الدولة نفسها. فقد فرضت قوات الدعم السريع حصارًا خانقًا على المدينة لأكثر من عام، مدعومًا بجدار ترابي ضخم وثّقته صور الأقمار الصناعية لجامعة “ييل”، وعشرات الهجمات المدفعية والجوية التي حولت حياة سكانها إلى جحيم يومي. بالنسبة لقيادات الدعم السريع، السيطرة على الفاشر تعني الفوز بـ”الجائزة الكبرى”، إذ يترتب عليها إخضاع الإقليم بأكمله سياسيًا وعسكريًا، بينما يراها الجيش آخر خطوط الدفاع عن وجوده في غرب البلاد. هنا لا تدور معركة على مدينة فقط، بل على مستقبل دارفور ككل.

السودان جلسة أفريقية

شهادات من قلب النار

قصص الناجين والمقاتلين من داخل الفاشر تلخص حجم المأساة. محمد عبد الله، مهندس معماري سابق، يروي كيف دفعه مقتل أسرته وتشريدهم إلى حمل السلاح قائلاً: *”كنت أعمل في البناء، لكن قتل أهلي وتشريدهم دفعني لحمل السلاح. هذه معركة وجود وكرامة”*. أما آسيا الخليفة، المتحدثة باسم القوات المشتركة، فتؤكد أنهم تصدوا لأكثر من 220 هجومًا على المدينة: *”نحن نقاتل حتى آخر شخص دفاعًا عن مدينتنا”*. هذه الشهادات تكشف كيف تحول المدنيون إلى جنود في حرب فرضت عليهم خيارات مستحيلة: إما القتل أو القتال.

أحد أكثر وجوه الحرب قتامة هو استخدام الاغتصاب كسلاح منظم ضد المدنيين. التقرير الأممي وثّق 201 حالة عنف جنسي في النصف الأول من العام فقط، شملت الاغتصاب الفردي والجماعي، والاستعباد والإكراه على الزواج. في مخيم زمزم وحده، روى الناجون أن 12 مقاتلًا اغتصبوا خمس نساء أمام أطفالهن، في مشهد يختصر وحشية الحرب. ورغم أن معظم هذه الجرائم نُسبت إلى قوات الدعم السريع، فإن الجيش أيضًا لم يسلم من الاتهامات بعد تسجيل حالات اغتصاب ارتكبها جنوده في شمال كردفان. هذه الانتهاكات لا تستهدف الضحايا وحدهم، بل تهدف إلى كسر الروح الجماعية لمجتمعات بأكملها.

السودان حصار الفاشر

استهداف المدنيين وانهيار المؤسسات

لم يقتصر لهيب الحرب على خطوط القتال، بل امتد ليطال المدنيين والمؤسسات التي يفترض أن تحمي حياتهم. فقد قُتل نحو 30 من العاملين الصحيين والإنسانيين، بينهم مدير مستشفى استُهدف عمدًا، وهو ما يعكس خطورة استهداف الكوادر الطبية بوصفها أحد خطوط الدفاع الأخيرة عن المجتمع. ومع انهيار المنظومة الصحية في شمال دارفور والخرطوم وكردفان، بات ملايين السودانيين بلا رعاية أو دواء، فيما تكدست معسكرات النزوح بمئات الآلاف من الفارين، كثير منها قائم منذ أكثر من عقدين. الأخطر أن الأطفال لم يسلموا من هذه المأساة، إذ رُصدت عمليات تجنيد قسري وإعدامات ميدانية لفتيان لم تتجاوز أعمارهم 14 عامًا، ما يضع السودان أمام جيل جديد مدموغ بعنف الحرب منذ نعومة أظفاره.

إلى جانب الدم والدمار، أعاد الصراع في دارفور إحياء خطوط الانقسام العرقي والإثني التي حاول السودانيون تجاوزها بعد اتفاقيات السلام السابقة. فالحركات المسلحة الموالية للجيش تنحدر غالبًا من قبائل إفريقية مثل الزغاوة والفور والمساليت، بينما يغلب الطابع العربي على قوات الدعم السريع، التي تضم قبائل كالرزيقات والتعايشة والمسيرية. هذا الاصطفاف يهدد بتحويل الحرب إلى صراع هوياتي مفتوح، لا ينتهي بانتصار عسكري بل باستنزاف طويل يعمّق الجروح الاجتماعية ويزرع بذور تقسيم السودان على أسس عرقية. ومع كل جولة عنف جديدة، يصبح من الأصعب إعادة بناء الثقة بين المكونات المحلية التي كانت تشكل نسيج دارفور المتنوع.

السودان بيان وقف الحرب

سيناريوهات المستقبل: حرب بلا نهاية

أمام السودان اليوم مساران متناقضان: الأول أن يستمر النزاع العسكري بين الجيش والدعم السريع في استنزاف البلاد، فيتحول إلى “حرب بلا نهاية” شبيهة بما شهدته الصومال لسنوات طويلة، حيث تتفتت الدولة وتُدار المناطق بالسلاح والمصالح الضيقة. أما المسار الثاني فيكمن في تسوية سياسية هشة برعاية دولية، تعيد إنتاج تحالفات مؤقتة لكنها لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالسلطة والثروة والهوية. هذه التسوية إن تمت، قد توقف نزيف الدم مؤقتًا، لكنها لن تمنع احتمالات عودة الحرب متى ما شعر طرف بأنه خسر أكثر مما كسب.

حتى لو توقفت أصوات المدافع وانحسر الدخان عن سماء السودان، فإن الطريق نحو إعادة بناء الدولة سيكون طويلًا ووعرًا. فالحرب لم تترك خلفها مجرد دمار مادي في المدن والقرى، بل خلفت مجتمعًا مفككًا واقتصادًا منهارًا ونسيجًا اجتماعيًا ممزقًا على أسس عرقية وإثنية. المؤسسات الأساسية للدولة، من صحة وتعليم وخدمات عامة، إما انهارت بالكامل أو باتت عاجزة عن أداء أبسط وظائفها. البنية التحتية التي كانت هشة أصلًا تحولت إلى أطلال، فيما يعيش ملايين النازحين واللاجئين في معسكرات مكتظة، دون أمل قريب في العودة إلى منازلهم.

التحدي الأكبر يكمن في إعادة الثقة بين المكونات المحلية، إذ لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل صار معركة هوية تهدد بتمزيق المجتمع. جيل كامل من الأطفال حُرم من التعليم، ونشأ وسط العنف والاقتتال، ما يجعله عرضة ليصبح “جيلاً ضائعًا” يسهل استغلاله في الصراعات المقبلة. على الجانب الاقتصادي، فقد السودان السيطرة على موارده الطبيعية من زراعة وتعدين ونفط، وتراجعت الاستثمارات الدولية في ظل غياب الاستقرار والأمن.

إعادة بناء السودان تتطلب مشروعًا وطنيًا جامعًا، يعيد تعريف الهوية السودانية على أسس المواطنة والعدالة الاجتماعية بدلًا من العصبيات القبلية. كما تحتاج البلاد إلى دعم دولي غير مشروط، يركز على التنمية المستدامة وبناء المؤسسات بدلًا من مجرد المساعدات الإنسانية الطارئة. ومع ذلك، يظل الخطر الأكبر هو إعادة إنتاج نفس الأزمة، ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف السودانية لطي صفحة الحرب والانخراط في عملية مصالحة شاملة تعالج جذور النزاع لا مظاهره فقط.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى