
إعداد/ د. محمد محسن رمضان
مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية
رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز “العرب” للأبحاث والدراسات
في العصر الرقمي الحالي، أصبحت الجريمة الإلكترونية أحد التهديدات الأكثر تعقيدًا التي يواجهها المجتمع المصري. مع التطور التكنولوجي السريع، تطور أسلوب الجريمة الإلكترونية بشكل لافت، ما أدى إلى تصاعد المخاطر على الأفراد، والشركات، والحكومة. من الاختراقات الأمنية إلى الاحتيال الإلكتروني، فرضت هذه التهديدات تحديات كبيرة على الأمن السيبراني، ما يستدعي تبني استراتيجيات متكاملة لمكافحة هذه الجرائم، وحماية البنية الرقمية للبلاد. في هذا المقال، سنتناول أهم جوانب الجريمة الإلكترونية، أنواعها، وأساليبها، والتشريعات التي تحكمها، وأبرز الأدوار التي تلعبها الجهات المصرية لمكافحتها.
المحور الأول: تعريف الجريمة الإلكترونية وأشكالها
أبرز أنواع الجرائم الإلكترونية
تتعدد الجرائم الإلكترونية التي تهدد الأفراد والمؤسسات. ومن أبرز هذه الجرائم:
الاحتيال المالي الإلكتروني:
يشمل الاحتيال على الأفراد عبر رسائل البريد الإلكتروني، أو المواقع الإلكترونية المزيفة التي تهدف إلى سرقة البيانات المصرفية. كما تشمل عمليات الاحتيال عبر بطاقات الائتمان.
الاختراقات الأمنية:
يستهدف القراصنة هذه الهجمات للحصول على بيانات حساسة، أو لتعطيل الأنظمة المعلوماتية في المؤسسات العامة والخاصة.
الابتزاز الإلكتروني:
يُستخدم فيه المخترقون صورًا أو معلومات شخصية تهدد الضحايا بنشرها ما لم يدفعوا فدية.
الإرهاب الإلكتروني:
يتضمن استغلال الإنترنت لتنظيم الأنشطة الإرهابية، نشر الأفكار المتطرفة، والتحريض على العنف.
الهجمات على البنية التحتية الرقمية:
مثل استهداف شبكات الكهرباء، أو المياه أو أنظمة النقل باستخدام برامج الفدية.
تطور أساليب الاختراق والاحتيال الإلكتروني
خلال السنوات الأخيرة، أصبح القراصنة أكثر ابتكارًا في أساليبهم. ففي البداية، كانت الجرائم الإلكترونية تقتصر على الفيروسات والبرمجيات الخبيثة، ولكن اليوم تشمل أساليب أكثر تعقيدًا مثل:
هجمات منع الخدمة الموزعة (DDoS):
حيث يتم تحميل الأنظمة عن طريق إرسال كميات ضخمة من البيانات بهدف تعطيلها.
هجمات التصيد المعقدة (Phishing):
يقوم المهاجمون بإرسال رسائل مزيفة تشبه رسائل البريد الإلكتروني من مؤسسات موثوقة لجمع المعلومات الشخصية أو المالية.
الهجمات من خلال تطبيقات الهواتف الذكية:
حيث يتم استغلال تطبيقات الهواتف الذكية في الحصول على معلومات المستخدمين، أو اختراق أجهزتهم.
الفرق بين الجرائم الإلكترونية التقليدية والجرائم المعتمدة على الهندسة الاجتماعية كأداة للاختراق
الجرائم الإلكترونية التقليدية تعتمد على استغلال الثغرات التقنية في البرمجيات، أو الأنظمة بهدف اختراقها، مثل استخدام الفيروسات أو البرمجيات الخبيثة. أما الهندسة الاجتماعية، فتعتمد على استغلال سلوكيات الأفراد وأخطائهم النفسية والاجتماعية، للوصول إلى المعلومات الحساسة دون الحاجة لاختراق الأنظمة تقنيًا. على سبيل المثال، قد يتم خداع المستخدم لإفشاء كلمة المرور، أو النقر على رابط يحتوي على برنامج ضار.
المحور الثاني: أساليب الاحتيال الإلكتروني والهندسة الاجتماعية
استغلال علم النفس البشري في عمليات الاحتيال الإلكتروني
يستغل المخترقون علم النفس البشري بشكل متقن في كثير من الهجمات. فهم يعلمون أن الناس يميلون إلى اتخاذ قرارات سريعة، بسبب الخوف أو الطمع. على سبيل المثال، قد يتلقون رسالة بريد إلكتروني تدعي أن حساباتهم البنكية على وشك التعليق، مما يجعلهم يتسرعون في إدخال بياناتهم الشخصية دون التحقق من صحة الرسالة.
أشهر تقنيات الهندسة الاجتماعية
أنواع الهجمات الهندسية الاجتماعية:
التصيد الاحتيالي (Phishing):
هو أكثر أنواع الهجمات الهندسية الاجتماعية شيوعًا، حيث يقوم المهاجمون بإرسال رسائل إلكترونية تبدو وكأنها من مصادر موثوقة، بهدف خداع الضحية للكشف عن معلومات حساسة، مثل كلمات المرور أو تفاصيل الحسابات البنكية.
الهجوم بالتصيد الصوتي (Vishing):
يعتمد هذا الهجوم على استخدام مكالمات هاتفية، أو رسائل صوتية لتوجيه الضحية إلى تسليم معلومات سرية، وغالبًا ما يتم ذلك عن طريق التظاهر بأن الشخص المتصل هو موظف رسمي من شركة موثوقة.
التصيد من خلالرموز الاستجابة السريعة : (Quishing)
هو عبارة عن الخداع، أو التصيد باستخدام رموز الاستجابة السريعة، وهو تهديد للأمن السيبراني يستخدم فيه المهاجمون رموز الاستجابة السريعة، لإعادة توجيه الضحايا إلى مواقع ويب أو تطبيقات مزيفة.
التصيد الاحتيالي عبر الرسائل النصية (Smishing):
يعتمد هذا النوع على إرسال رسائل نصية (SMS) تحتوي على روابط خبيثة، تهدف إلى خداع الضحية لتنزيل برامج ضارة، أو إدخال معلومات شخصية في مواقع مزيفة.
التحليل الاجتماعي (Social Engineering via OSINT):
يعتمد على جمع معلومات عامة متاحة عبر الإنترنت (مثل وسائل التواصل الاجتماعي) من أجل تصميم هجوم موجه بعناية.
آلية عمل الهندسة الاجتماعية:
يتبع المهاجم في الغالب عدة خطوات لإنجاح الهجوم، وهي كالتالي:
الاستطلاع (Reconnaissance):
جمع المعلومات من مصادر عامة مثل مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، أو الشائعات المتداولة.
التفاعل (Engagement):
التواصل مع الضحية عبر قنوات مختلفة مثل البريد الإلكتروني أو الهاتف، باستخدام أساليب إقناع أو تهديد.
التنفيذ (Exploitation):
استغلال الثقة التي منحها الضحية للمهاجم، للوصول إلى معلومات، أو تنفيذ الإجراءات المطلوبة.
الاستفادة (Benefit):
استخلاص المعلومات السرية، أو اختراق الأنظمة أو سرقة الهوية.
كيف يمكن التصدي للهندسة الاجتماعية؟
التدريب التوعوي:
يعدُّ تدريب الموظفين والأفراد على كيفية التعرف على هجمات الهندسة الاجتماعية من الخطوات الأساسية للحماية. يشمل ذلك تدريبهم على أهمية التحقق من مصادر الرسائل وحذر الروابط المرفقة.
تفعيل التحقق الثنائي (2FA):
يمكن للجهات والأفراد تعزيز مستوى الأمان باستخدام آلية التحقق الثنائي لتقليل فرص الهجوم.
استخدام الأدوات التقنية:
مثل الفلاتر الخاصة بالبريد الإلكتروني لتصفية الرسائل الاحتيالية، وبرامج مكافحة الفيروسات، والأنظمة الخاصة بالكشف عن التسلل.
المراجعة المستمرة للسياسات الأمنية:
من الضروري أن يتم تحديث السياسات الأمنية بانتظام، وتقييم أنظمة الأمان لتكون قادرة على التعرف على أساليب الهجوم الجديدة.
التحديات المستقبلية في مواجهة الهندسة الاجتماعية:
مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يمكن أن تصبح الهجمات الهندسية الاجتماعية أكثر تطورًا، مما يثير تساؤلات حول كيفية التعامل مع هذا النوع من الهجمات في المستقبل. ستحتاج الشركات إلى مزيد من الاستثمار في الأبحاث والتطوير، لمواجهة هذه التهديدات المتجددة.
الهندسة الاجتماعية ليست مجرد أسلوب تقني للهجوم على الأفراد أو الأنظمة، بل هي علم وفن يعتمد على فهم سلوكيات البشر، واستغلال نقاط ضعفهم النفسية. إن مواجهة هذه التهديدات تتطلب وعيًا عاليًا، وتعاونًا مستمرًا بين الأفراد والشركات لتطوير استراتيجيات أمان فعالة تضمن حماية البيانات والمعلومات من الهجمات المزدادة في عصر المعلومات الحالي.
الفئات الأكثر عرضة للهجمات الإلكترونية
الفئات الأكثر عرضة للهجمات الإلكترونية تشمل كبار السن الذين لا يمتلكون الوعي الكافي بالأمن السيبراني، وكذلك الأطفال الذين يتفاعلون بكثرة عبر الإنترنت. كما أن الأفراد الذين لا يتبعون ممارسات أمنية صحيحة، مثل تحديث برامجهم واستخدام كلمات مرور معقدة هم أكثر عرضة للمخاطر.
المحور الثالث: الحماية والأمن السيبراني
كيفية حماية النفس من الهجمات الإلكترونية
للحماية من الجرائم الإلكترونية، يجب على الأفراد اتباع خطوات بسيطة ولكن فعالة مثل:
استخدام كلمات مرور قوية وفريدة لكل حساب.
تحديث النظام والبرامج بشكل دوري.
تجنب النقر على الروابط المشبوهة، أو فتح المرفقات المجهولة.
استخدام برامج مكافحة الفيروسات وجدران الحماية.
أبرز الأخطاء التي يرتكبها المستخدمون
من الأخطاء الشائعة التي تؤدي إلى اختراق البيانات:
استخدام كلمات مرور ضعيفة وسهلة التنبؤ.
إهمال تحديث الأجهزة والبرامج الأمنية.
النقر على روابط أو مرفقات غير موثوقة.
إعطاء معلومات شخصية عبر الإنترنت دون التأكد من الجهة المرسلة.
دور المؤسسات المصرية في مكافحة الجريمة الإلكترونية
تسهم المؤسسات المصرية بشكل كبير في مكافحة الجريمة الإلكترونية، أبرزها:
إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات:
تعد إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات التابعة لقطاع نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، المعروفة باسم “مباحث الإنترنت”، القوة الأساسية للتصدي لكل الجرائم الإلكترونية المرتكبة عبر الإنترنت. شملت الجرائم التي تتصدى لها الإدارة أنواعًا مختلفة، منها جرائم اقتصادية كالنصب المصرفي وجرائم بطاقات الائتمان وغسل الأموال، وجرائم اجتماعية كالإخلال بالآداب العامة، إلى جانب مكافحة الجرائم الحديثة كالهجرة غير الشرعية.
مهام إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات
تهدف الإدارة إلى تأمين تكنولوجيا المعلومات والفضاء السيبراني المصري من التهديدات والمخاطر المختلفة، وحماية مستخدمي الإنترنت، سواء كانوا أفرادًا أم مؤسسات، مع الحفاظ على الحقوق دون المساس بالحريات الشخصية، ومن بين مهام الإدارة رصد ومكافحة الجرائم الإلكترونية بأنواعها المختلفة والقبض على مرتكبيها، بالإضافة إلى تلقي البلاغات الخاصة بهذه الجرائم، وتوفير الدعم الفني والأدلة المادية لأجهزة الشرطة المتخصصة، بجانب إعداد الأبحاث الفنية والقانونية المتعلقة بجرائم الحاسبات، بالتعاون مع الجهات المعنية داخل الوزارة، كما تقوم الإدارة بوضع خطط لتأمين وحماية نظم وشبكات المعلومات التابعة لوزارة الداخلية، وإنشاء قاعدة بيانات لجرائم المعلومات التي تندرج تحت اختصاصها.
التواصل مع الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات
يمكن التواصل مع الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات عبر الأرقام 0224065052 – 0224065051، أو من خلال الخط الساخن 108.
المركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات(EG-CERT)
تم تشكيل المركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات (EG-CERT) بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في أبريل 2009، ويتم العمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. يقدم المركز الدعم اللازم لحماية البنية التحتية القومية للمعلومات المهمة، خصوصاً في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والقطاع المالي. يضم فريق العمل حاليًا متخصصين على أعلى مستوى، يقومون على مدار الساعة بمراقبة الأمن السيبراني والاستجابة للحوادث، وتحليل معامل الطب الشرعي الرقمي وتحليل البرمجيات الخبيثة والهندسة العكسية، ويتمثل الهدف الرئيسي للمركز في تعزيز أمن البنية التحتية المصرية للاتصالات والمعلومات، من خلال اتخاذ إجراءات استباقية، وجمع وتحليل المعلومات الخاصة بالحوادث الأمنية، والتنسيق والوساطة بين الأطراف المعنية في حل تلك الحوادث الأمنية والتعاون الدولي مع غيرها من فرق الاستجابة لطوارئ الحاسبات والشبكات في الدول الأخرى.
جهاز مكافحة جرائم تقنية المعلومات:
يتولى هذا الجهاز مسؤولية التحقيق في الجرائم الإلكترونية، تتبع الجناة، وحماية الأفراد من التهديدات الإلكترونية.
المجلس الأعلى للأمن السيبراني:
تم إنشاء المجلس الأعلى للأمن السيبراني بقرار من معالي رئيس مجلس الوزراء في عام 2014، بهدف حماية البنية المعلوماتية للدولة وتعزيز الأمن السيبراني، ووضع الاستراتيجيات والسياسات والأطر التنظيمية والمعايير الوطنية للأمن السيبراني، وتعزيز التوعية السيبرانية، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات الأخرى ذات الصلة، والتعاون الإقليمي والدولي لتوحيد الرؤي ومشاركة المعلومات في مواجهة التهديدات السيبرانية.
المحور الرابع: التشريعات ودور القانون في المواجهة
هل القوانين الحالية كافية للتصدي للجرائم الإلكترونية؟
تشهد مصر تقدمًا في مجال تشريع قوانين لمكافحة الجرائم الإلكترونية، مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي تم إقراره في 2018. هذا القانون يجرم كثيراً من الأفعال المرتبطة بالجرائم الإلكترونية مثل القرصنة، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الرقمي. ولكن مع تطور أساليب الجرائم، هناك حاجة لتطوير مستمر في التشريعات لمواكبة التهديدات الحديثة.
ما الذي يحتاجه الإطار القانوني لضمان حماية أفضل للمستخدمين؟
من الضروري أن يتضمن الإطار القانوني عناصر مثل حماية البيانات الشخصية، وتعزيز إجراءات التحقيق في الجرائم الإلكترونية، وتطوير التعاون الدولي في هذا المجال. كما يجب أن يركز القانون على استخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن الجرائم الرقمية.
كيف يتم تتبع الجناة في الجرائم الإلكترونية؟ وما مدى فاعلية الأدلة الرقمية؟
تتم عملية تتبع الجناة في الجرائم الإلكترونية من خلال تقنيات متقدمة؛ مثل تحليل سجلات الدخول والخروج على الشبكة، وتتبع عنوان بروتوكول الإنترنت (IP)، واستخدام تقنيات التشفير. الأدلة الرقمية، مثل السجلات الإلكترونية، يمكن استخدامها في المحاكم، ولكن يجب أن يتم جمعها بطريقة قانونية لضمان مصداقيتها.
المحور الخامس: المستقبل وتوقعات تطور الجرائم الإلكترونية
مستقبل الجرائم الإلكترونية في ظل التطور السريع للتكنولوجيا
من المتوقع أن تزداد الجرائم الإلكترونية مع تطور التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبلوكشين. ستوفر هذه التقنيات مزيدًا من الفرص للمخترقين لتنفيذ هجماتهم، بينما سيحتاج المحللون والمختصون في الأمن السيبراني إلى التكيف بسرعة مع هذه التغييرات.
أبرز التحديات التي ستواجه الأمن السيبراني في المستقبل
التحديات الرئيسية تشمل مواجهة الهجمات الذكية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومكافحة الجرائم العابرة للحدود، وحماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات الإلكترونية المتطورة.
هل يمكن القضاء على الجرائم الإلكترونية بشكل كامل؟
من غير الممكن القضاء تمامًا على الجرائم الإلكترونية، لأنها تتطور بشكل مستمر مع التقدم التكنولوجي. ولكن من الممكن تقليلها بشكل كبير من خلال تعزيز الوعي العام، وتحسين الأمن السيبراني، وتحديث القوانين بشكل دوري.
على الرغم من التحديات الكبيرة التي تطرحها الجرائم الإلكترونية، فإن هناك جهودًا مزدادة من جميع الجهات المعنية لمكافحة هذه الظاهرة. يتطلب الأمر مزيدًا من التعاون بين المؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، والمواطنين لخلق بيئة آمنة في العالم الرقمي.