إدريس أحميد يكتب.. التعاون المصري – التركي – السعودي: تكتل إقليمي يعيد رسم موازين الشرق الأوسط

تشهد الساحة الدولية تحولات عميقة ومتسارعة، فرضت على دول الشرق الأوسط إعادة النظر في علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية، في ظل نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية، وتراجع مفهوم الحماية التقليدية، وتصاعد التنافس على النفوذ والموارد. وفي هذا السياق، يبرز التعاون بين مصر وتركيا والسعودية كخيار استراتيجي تفرضه المصالح والتحديات، لا كترف سياسي أو تقارب ظرفي.
اقرأ أيضا: مصر في أسبوع.. أردوغان يهدي السيسي سيارة كهربائية والرئيسان يترأسان الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين
تمثل الدول الثلاث ثقلًا حقيقيًا في المنطقة، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وتمتلك إرثًا حضاريًا عميقًا ومكانة دينية وتاريخية مؤثرة. كما أن موقعها الجغرافي وقدراتها البشرية والاقتصادية يمنحها القدرة على تشكيل توازن إقليمي فاعل، قد يصل إلى تكتل سياسي واقتصادي قادر على التأثير في مسارات الإقليم والتفاعل بندّية مع الكيانات الدولية الكبرى.
في ظل التحولات الدولية الراهنة، من أزمات الطاقة والغذاء، إلى الصراعات الجيوسياسية والحروب بالوكالة، تجد هذه الدول نفسها أمام تحديات مستقبلية تمس أمنها القومي واستقرارها الداخلي. وهو ما يجعل التنسيق والتعاون بينها ضرورة استراتيجية تهدف إلى تقليل كلفة الصراع، وتعظيم فرص الاستقرار، وحماية المصالح المشتركة.
لطالما شكّلت الخلافات الإيديولوجية أحد أبرز عوائق التقارب، خاصة مع تبني تركيا في مراحل سابقة توجهًا داعمًا للتيارات الإخوانية، الأمر الذي اصطدم بمواقف مصر والسعودية التي واجهت هذا التوجه باعتباره تهديدًا لأمن الدولة واستقرارها. غير أن السياسة بطبيعتها متحركة، وقد شهدت السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في الموقف التركي، تمثل في التخلي عن تصدير أو رعاية هذا التوجه، بما يتوافق مع سياسات القاهرة والرياض، انطلاقًا من إدراك تركي بأن مصالح الدولة الكبرى تفرض التعاون لا الصدام.
تتقاطع مصالح الدول الثلاث في ملفات إقليمية بالغة الحساسية، أبرزها الملف الليبي، حيث تلعب كل من مصر وتركيا أدوارًا مباشرة ومؤثرة. ومع تعقّد المشهد الليبي، بات واضحًا أن التنسيق والتفاهم أقل كلفة وأكثر جدوى من استمرار الصراع غير المباشر، خاصة أن استقرار ليبيا يُعد جزءًا لا يتجزأ من استقرار المنطقة بأكملها.
وفي القضية الفلسطينية، تتفق الدول الثلاث على موقف رافض للعدوان الصهيوني، وداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما يوفر أرضية سياسية وأخلاقية مشتركة تعزز من فرص التنسيق الإقليمي، وتمنح هذا التكتل مصداقية في التعاطي مع أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا.
على الصعيد الدولي، ترتبط مصر وتركيا والسعودية بعلاقات متشابكة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي. وتمنح المكانة الاقتصادية والسياسية لهذه الدول قدرة على التأثير في مواقف تلك القوى، كما أن التنسيق فيما بينها يعزز من قدرتها على المناورة السياسية، ويحد من سياسات الابتزاز أو فرض الإملاءات، خاصة في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
اقتصاديًا، يشكل التعاون بين الدول الثلاث فرصة واعدة لتكامل حقيقي، فمصر تمثل بوابة استراتيجية لإفريقيا والعالم العربي، وتملك السعودية قدرات مالية واستثمارية ضخمة، فيما تمتلك تركيا قاعدة صناعية وتجارية متقدمة. ويُعد أي تنسيق اقتصادي أو مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة، والصناعة، والبنية التحتية، خطوة مهمة نحو بناء تكتل اقتصادي مؤثر إقليميًا ودوليًا.
ولا يقل البعد الحضاري والثقافي أهمية عن السياسي والاقتصادي، فمصر بتاريخها الثقافي والفكري، وتركيا بإرثها الحضاري، والسعودية بمكانتها الدينية، تشكل معًا قوة ناعمة قادرة على التأثير في محيطها الإسلامي والدولي، وترسيخ خطاب الاستقرار والتعاون بدل الصراع والاستقطاب.
في المحصلة، لم يعد التعاون المصري – التركي – السعودي خيارًا تكتيكيًا أو تقاربًا مرحليًا، بل بات ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي. نجاح هذا المسار قد يشكل نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط، ويساهم في بناء توازن جديد يقوم على المصالح المشتركة، ويمنح المنطقة فرصة حقيقية للاستقرار والتنمية.



