
إعداد الباحثة: آلاء أحمــد الــدالــي
يتسم المشهد السياسي في الجمهورية اللبنانية بالتعقيد؛ نتيجة التوترات التي تعيشها البلاد منذ عدة أعوام على مختلف الأصعدة، ويمثل عام 2019 نقطة تحول رئيسية في لبنان، حيث اندلعت الاحتجاجات الشعبية بسبب الفساد وسوء الإدارة، إلى جانب الجمود السياسي الناتج عن الانقسامات الحادة بين القوى السياسية والطائفية، ومرت البلاد بتطورات سياسية، اقتصادية، واجتماعية كبيرة كان لها تأثير عميق على استقراره الداخلي، كل ذلك أدى إلى تأزم الوضع العام في البلاد وجعل لبنان في حالة من عدم الاستقرار حتى عصرنا الراهن. وتتمثل أبرز التطورات التي طرأت في لبنان منذ عام 2019 حتى الآن فيما يلي:
اقرأ أيضا: الإمارات في أسبوع.. إطلاق مسمى عام المجتمع على 2025 وتوقعات بنمو قطاع البنية التحتية 5%
الاحتجاجات الشعبية في لبنان عام 2019
في 17 أكتوبر 2019، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة النطاق في لبنان؛ نتيجة إعلان الحكومة اللبنانية عن فرض رسم مالي على المكالمات المجانية عبر تطبيقات المراسلة مثل واتساب، مما أشعل موجة غضب واسعة بين اللبنانيين الذين كانوا يعانون بالفعل من أزمة اقتصادية متفاقمة. نزل المواطنون إلى الشوارع احتجاجًا على هذا القرار، حاملين شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، ورغم تراجع الحكومة عن فرض الرسم في اليوم التالي، استمرت الاحتجاجات بشكل متصاعد.
في اليوم التالي، أغلقت المدارس والجامعات والمصارف والمؤسسات العامة أبوابها في إطار الإضراب العام، بينما بلغ الحراك ذروته في 20 أكتوبر، مع خروج مئات الآلاف إلى الشوارع في مختلف المناطق، وقد طالبت التظاهرات برحيل الطبقة السياسية الحاكمة التي بقيت على حالها لعقود، متهمة بالفساد وعدم الكفاءة، وكانت أبرز نتيجة لهذا الحراك هو استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في 29 من نفس الشهر، بعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاجات التي عكست غياب الثقة في الأحزاب السياسية التقليدية.
استقلال الحكومة والأزمة الاقتصادية والمالية
نتج عن استقلال الحريري دخول لبنان في حالة من الفراغ السياسي؛ نتيجة عدم اتفاق القوى السياسية بشأن تشكيل حكومة جديدة. في هذا السياق، تم تكليف حسان دياب بتشكيل حكومة جديدة عام 2020 وقوبل ذلك بالانقسام في الدعوات بين المتظاهرين، فالبعض رفضه فورًا خصوصًا الذين اعتبروا أن دياب جاء بتوافقات إقليمية ودولية، لا سيما من جانب حزب الله وحلفائه، والبعض الآخر طالب بانتظار تشكيل حكومة جديدة.واجهت الحكومة الجديدة تحديات كبيرة منذ بداية عملها، حيث تسارعت الأزمة الاقتصادية وظلت الاحتجاجات الشعبية مستمرة في الشوارع، مما شكلت ضغطًا على الحكومة وعدم قدرتها على تنفيذ الإصلاحات اللازمة لمواجهة الأزمة رغم محاولاتها التي باءت بالفشل.
ومنذ بداية 2020، شهدت لبنان انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق نتيجة سنوات من الفساد وسوء الإدارة، بالإضافة إلى تزايد الديون -حيث بلغ الدين العام حوالي 91 مليار دولار أميركي-وضعف النظام المصرفي. بدأت الليرة اللبنانية في الانخفاض الحاد أمام الدولار الأمريكي، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل فوضوي، وتدهور مستويات المعيشة، حيث أصبح أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر. استمرت الأزمة نتيجة لغياب الإصلاحات الجوهرية التي كان من شأنها إيقاف الانهيار المالي، كما أسهم ذلك في انهيار القطاع المصرفي الذي فقد الثقة لدى اللبنانيين، بالإضافة إلى فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات مالية -حيث فرضت بعض البنوك قيودًا على سحب الأموال- ونقص العملة الأجنبية، مما أثر على قدرة البلاد على استيراد السلع الأساسية مثل الوقود والأدوية، فأدى إلى تعطيل الحياة اليومية في لبنان.
انفجار مرفأ بيروت 2020
في 4 أغسطس 2020، تعرضت لبنان لواحدة من أعظم الكوارث في تاريخها المعاصر، حيث وقع انفجار ضخم في مرفأ بيروت؛ بسبب حريق في مستودع يحتوي على مئات الأطنان من مادة نترات الأمونيوم، التي كانت في الأصل متجهة إلى موزامبيق على متن سفينة مستأجرة من روسيا، ولكنها بقيت في المرفأ منذ عام 2013 بعد تفريغ شحنتها بسبب توقف غير مخطط له وتخزين كميات ضخمة من نترات الأمونيوم بطريقة غير آمنة. أسفر الانفجار عن مقتل 215 على الأقل، وإصابة أكثر من 6500 آخرين، بالإضافة إلى دمار هائل في المدينة. كشفت الكارثة عن فشل الحكومة في إدارة المخاطر الأمنية والإدارية، مما زاد من الغضب الشعبي وأكد دور الفساد وسوء الإدارة في حدوث المأساة.
تشكيل حكومة وانتخابات برلمانية جديدة
بعد انفجار مرفأ بيروت، تم تكليف نجيب ميقاتي -المعروف بشخصيته الاقتصادية المحايدة- بتشكيل حكومة جديدة في سبتمبر 2021، والتي تضمنت تكنوقراطًا وسياسيين، لكنها واجهت تحديات اقتصادية هائلة وأزمة ثقة مع الشعب، بالإضافة إلى الانقسام السياسي المستمر؛ مما أدى إلى عدم تمكن الحكومة من تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي. وفي مايو 2022، جرت الانتخابات النيابية في وقت متأزم اقتصاديًا، وظهرت كتلة معارضة جديدة تضم قوى مدنية ومستقلين، مما يعكس رغبة متزايدة لدى اللبنانيين في التغيير والتخلص من هيمنة الأحزاب التقليدية، رغم أن النتائج كانت محددة، وفي أكتوبر من نفس العام ومع نهاية ولاية الرئيس ميشال عون، دخلت لبنان في حالة من الفراغ الرئاسي المستمر؛ بسبب عدم التوصل إلى اتفاق على انتخاب رئيس جديد، مما أدى إلى تعطيل سير عمل المؤسسات الحكومية وتفاقم الجمود السياسي في البلاد.
دور حزب الله في تشكيل المشهد السياسي اللبناني
منذ عام 2019، استمر حزب الله في تعزيز نفوذه في السياسة اللبنانية، حيث ظل حليفًا أساسيًا للطبقة الشيعية ولعب دورًا محوريًا في العمليات العسكرية والسياسية في المنطقة. بفضل دعمه من إيران، أصبح الحزب القوة المسلحة الرئيسية في لبنان، وتمكن من تعزيز موقفه ضد إسرائيل من خلال عدة عمليات عسكرية، ما جعله في مواجهة مستمرة مع إسرائيل والدول الغربية. هذا التوجه العسكري أثر بشكل كبير على المعادلة السياسية اللبنانية، حيث ساهم في تعميق الانقسامات السياسية وأدى إلى تعثر الحلول للأزمة اللبنانية.
على الرغم من نجاحاته السابقة في تعزيز موقعه الإقليمي، شهد حزب الله تحديات كبيرة بعد وصول ترامب إلى السلطة في 2016، حيث ازداد الضغط الدولي على إيران وحزب الله، مما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، تزامن ذلك مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في 2019، التي وضعت الحزب في مواجهة مع الشارع اللبناني، فاختار دعم الوضع القائم بدلًا من تبني إصلاحات جذرية. بعد تصعيد عسكري ضد الحزب، حاول حزب الله إيجاد حلول سياسية تتضمن ضمانات لإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي، لكن تراجع نفوذه السياسي في لبنان زاد من تعقيد الوضع الداخلي.
وفي 27 نوفمبر 2024، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله والجيش الإسرائيلي حيز التنفيذ، بعد عدة أشهر من العمليات العسكرية المتبادلة التي بدأت في أكتوبر 2023. نص الاتفاق على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي احتلتها، وتخلي حزب الله عن سلاحه، مع انسحاب مقاتليه من الجنوب لتتولى إدارة المنطقة القوات اللبنانية. رغم ذلك، شهدت الفترة بين بدء سريان الاتفاق وانتهاء مهلة الانسحاب في 26 يناير 2025 عدة خروقات من قبل الجيش الإسرائيلي، أسفرت عن مقتل العشرات وإصابة أكثر من 100 لبناني، كما شهدت الساحة السياسية اللبنانية تغييرات هامة، أبرزها انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة، بينما لا يزال الجدل مستمرًا حول قضية نزع سلاح حزب الله وإضعاف نفوذه السياسي في البلاد.
ختامًا، تشهد لبنان تحولات كبيرة منذ عام 2019، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والأزمات الاقتصادية التي عمقت الانقسامات الداخلية؛ لذلك يتعين على لبنان العمل على إيجاد حلول سياسية فاعلة في ظل النفوذ المستمر لحزب الله والتحديات الكبيرة في السياسة الداخلية والخارجية لمنع انتشار خسائر جديدة على مختلف الأصعدة، كما أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في 2024 يمثل خطوة نحو تهدئة الوضع، لكن الجدل حول سلاح حزب الله يظل من أكبر التحديات التي تواجه البلاد.
قائمة المـراجع:
https://shortlink.uk/Y9g8
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50864898
https://shortlink.uk/Y9gr
https://www.worldbank.org/en/country/lebanon/overview
https://www.reuters.com/fact-check/arabic/N53RR3B5HVJ4FMDTXKITCVC5VE-2024-03-21/
https://acpss.ahram.org.eg/News/17249.aspx
https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/the-lebanese-parliamentary-elections-2022.aspx
https://shortlink.uk/VkPE
https://shortlink.uk/VkP-
https://shortlink.uk/Y9ht