الإمارات في أسبوع.. الدولة تواصل تعزيز مكانتها العالمية في منظومة الأمن الغذائي والجهود الإنسانية

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة ترسيخ مكانتها كإحدى الدول الرائدة عالمياً في مجالي الأمن الغذائي والاستدامة الزراعية، مستندة إلى رؤية وطنية بعيدة المدى تجمع بين الابتكار والتكنولوجيا والاستثمار، وتسعى لبناء منظومة غذائية متكاملة تضمن الاكتفاء الذاتي وتعزز مرونة سلاسل الإمداد.
هذه الرؤية الاستراتيجية تنطلق من نهج إماراتي يقوم على الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، والعمل وفق سياسات واضحة تدعم الاقتصاد المستدام، وتواكب التحولات العالمية في الأمن الغذائي.

تعزيز مكانة الإمارات عالميا
في إمارة أبوظبي، يشهد قطاع الأغذية والمشروبات نمواً غير مسبوق يعكس مكانة الإمارة كوجهة استثمارية رائدة في هذا المجال. فقد أعلنت غرفة تجارة وصناعة أبوظبي أن عدد العضويات النشطة في القطاع بلغ أكثر من 24 ألفاً و500 عضوية، مع نمو بنسبة 42% في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
هذا التوسع يعكس حيوية السوق المحلية وارتفاع الطلب على المنتجات الغذائية، إلى جانب البيئة التشريعية الداعمة والمحفزة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
أما دبي، فقد رسخت موقعها كإحدى أهم المدن العالمية في تجارة الأغذية، مستفيدة من بنيتها التحتية المتقدمة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. وتعدّ المدينة محوراً رئيسياً لحركة السلع الغذائية بين القارات بفضل منظومتها اللوجستية المتكاملة، حيث يشكل ميناء جبل علي مركزاً أساسياً لهذه الحركة، إذ يتولى نحو 73% من تجارة الدولة في الأغذية والمشروبات ويربط الإمارات بأكثر من 150 ميناءً حول العالم.
هذه الشبكة تضمن تدفقاً سلساً وآمناً للسلع الغذائية وتعزز ثقة المستثمرين والموردين على حد سواء.
على صعيد التمويل، تعمل مؤسسات إماراتية عدة على تمكين المشاريع الزراعية والغذائية، أبرزها مصرف الإمارات للتنمية الذي أطلق في عام 2023 أول برنامج تمويل للتكنولوجيا الزراعية في الدولة، برأسمال يبلغ 100 مليون درهم لدعم الابتكار في مجالات الزراعة الذكية والمشاريع الناشئة في الأمن الغذائي.

مبادرات تضع الإمارات في الصدارة
هذه المبادرات تضع الإمارات في صدارة الدول التي توظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاج الغذائي وضمان الاستدامة البيئية.
في هذا السياق، يؤكد صالح لوتاه، رئيس مجلس إدارة مجموعة مصنعي الأغذية والمشروبات في الإمارات، أن الدولة أصبحت من بين الدول المتقدمة عالمياً في مجال الأمن الغذائي، بفضل الرؤية المستقبلية للقيادة الحكيمة، والدور المحوري الذي تلعبه إمارة دبي كمركز إقليمي لإعادة تصدير الأغذية.
وأشار إلى أن المرحلة التي تلت جائحة كوفيد-19 شهدت تعزيزاً واضحاً للشراكة بين القطاعين العام والخاص، مما أسهم في بناء منظومة متكاملة وأكثر مرونة.
ومن أبرز المبادرات التي تعكس هذا التوجه، تأتي مبادرة “تجمّع الإمارات للغذاء” (Food Cluster Economy)، التي أطلقتها وزارة الاقتصاد والسياحة، وتشكل منصة تكاملية تجمع جميع الأطراف المعنية بالقطاع الغذائي من المزارعين والمصنعين إلى سلاسل الإمداد وتجار التجزئة ضمن منظومة موحدة قائمة على مبدأ المكسب للجميع.
وتهدف هذه المبادرة إلى تمكين القطاع الخاص من لعب دور أكبر في تطوير التشريعات والمشاريع والمبادرات التي تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم تنافسية الإمارات كمركز عالمي للأمن الغذائي.
وفي موازاة ذلك، تبرز مبادرة “وادي تكنولوجيا الغذاء” (Food Tech Valley)، وهي أحد المشاريع الاستراتيجية المشتركة بين شركة “وصل” ووزارة التغير المناخي والبيئة.
ويُعدّ المشروع منصة متكاملة لتطوير قطاعات التكنولوجيا الزراعية والغذائية، إذ يوفر بيئة حاضنة للشركات الناشئة والعالمية، ويهدف إلى بناء منظومة متكاملة تشمل كامل سلسلة القيمة الغذائية (Value Chain) من الإنتاج إلى الاستهلاك.

وادي تكنولوجيا الغذاء
وأكد أحمد الشيباني، رئيس المشروع، أن “وادي تكنولوجيا الغذاء” يركز على استقطاب الشركات العالمية والإقليمية التي تتطلع إلى التوسع في القطاعات الحيوية المرتبطة بالغذاء، من خلال ربطها بشبكة من الشركاء ضمن سلسلة القيمة بما يضمن تحقيق التكامل والنمو المستدام.
وأشار الشيباني إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً في حضور المنتجات المحلية داخل السوق الإماراتية، بعدما كانت نادرة نسبياً قبل بضع سنوات، أصبحت اليوم متوفرة بقوة في المتاجر الكبرى والجمعيات التعاونية، مما يعكس نجاح الدولة في دعم الإنتاج المحلي وتعزيز تنافسيته.
ولا يقتصر اهتمام الإمارات بملف الأمن الغذائي على الداخل فحسب، بل يمتد إلى البعد الإنساني الدولي.
فبتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، تواصل الإمارات دورها الريادي في دعم الجهود العالمية لاستئصال شلل الأطفال، أحد أكثر الأمراض فتكاً بالأطفال في المناطق الفقيرة.
وقدّم سموّه منذ عام 2011 أكثر من 381 مليون دولار لدعم المبادرات الدولية للقضاء على المرض، خاصة في باكستان وأفغانستان، من خلال مؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني، التي تشرف على حملة الإمارات للتطعيم ضد شلل الأطفال.
ومنذ عام 2014، تم توزيع أكثر من 850 مليون جرعة لقاح، ساهمت في حماية ملايين الأطفال من خطر الإصابة.
وفي عام 2024، عقب اكتشاف حالة إصابة في غزة بعد غياب دام 25 عاماً، وجه رئيس الدولة بتقديم 5 ملايين دولار لدعم حملة عاجلة للتطعيم في القطاع بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف والأونروا، ونجحت الحملة في الوصول إلى أكثر من 560 ألف طفل في جولتين متتاليتين.
هذا الدعم يعكس البعد الإنساني في السياسة الإماراتية، القائمة على نصرة الإنسان أينما كان، وتجسد التزام الدولة بمبادئ التضامن والتعاون الدولي.

جهود التطعيم العالمية
لقد حققت جهود التطعيم العالمية انخفاضاً بنسبة 99.9% في حالات الإصابة بشلل الأطفال على مستوى العالم، ما مكّن أكثر من 20 مليون إنسان من استعادة قدرتهم على الحركة، في إنجاز إنساني غير مسبوق.
واليوم، لم يعد الفيروس البري متوطناً إلا في دولتين فقط هما باكستان وأفغانستان، لتبقى المرحلة الأخيرة من الاستئصال هي الأصعب، إذ تتطلب استمرار الدعم الدولي لضمان وصول اللقاحات إلى كل طفل.
وهكذا، تواصل الإمارات مسيرتها المزدوجة في تحقيق الأمن الغذائي داخلياً عبر الاستثمار والابتكار، ودعم الأمن الصحي عالمياً عبر المبادرات الإنسانية، لتقدم نموذجاً فريداً يجمع بين التنمية المستدامة والمسؤولية الأخلاقية.
فمن المزارع الذكية في دبي وأبوظبي إلى قوافل التطعيم في المناطق النائية من آسيا وإفريقيا، تبقى الإمارات دولة تبني المستقبل، وتزرع الأمل في كل بقعة من العالم.
في ضوء هذه الجهود المتكاملة، تسعى الإمارات إلى أن تكون مركزاً عالمياً للابتكار في مجالات الغذاء والتكنولوجيا الحيوية، عبر تبني حلول ذكية تواكب التغيرات المناخية وتحديات الموارد الطبيعية. فالدولة تستثمر في تقنيات الزراعة الرأسية والزراعة في البيئات القاحلة وتحلية المياه لاستخدامها في الري، إلى جانب دعم المشاريع البحثية في الجامعات والمراكز المتخصصة. كما تشجع الحكومة على الشراكات الدولية مع كبرى الشركات والمؤسسات البحثية لتطوير نظم إنتاج غذائي أكثر استدامة، وأقل استهلاكاً للطاقة والمياه. وفي الوقت ذاته، يجري العمل على تعزيز الوعي المجتمعي حول الاستهلاك المسؤول وتقليل الهدر الغذائي، من خلال حملات وطنية وبرامج تعليمية تستهدف المدارس والجامعات.
هذه الرؤية الشاملة تؤكد أن الإمارات لا تنظر إلى الأمن الغذائي كملف اقتصادي فحسب، بل كقضية وجودية تتصل بالأمن القومي والاستقرار المجتمعي، وتسعى من خلالها لترسيخ نموذج تنموي مستدام يجعل من الغذاء والصحة ركيزتين رئيسيتين في مسيرة الدولة نحو الخمسين عاماً القادمة.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



