
أعداد الدكتور عمر بوشعالة
المستخلص:
يتناول هذا البحث أزمة ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا واليونان، باعتبارها واحدة من أبرز النزاعات الجيوسياسية في شرق المتوسط، في ظل التنافس على موارد الطاقة البحرية والتفسيرات القانونية المتباينة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يركز البحث على تحليل الجذور الجغرافية والتاريخية والقانونية للنزاع، مع تسليط الضوء على تداعيات مذكرة التفاهم الليبية-التركية 2019م، وردود الفعل الإقليمية والدولية عليها، لاسيما من قبل اليونان ومصر والاتحاد الأوروبي، كما يناقش البحث الخيارات القانونية والسياسية المتاحة لحل الأزمة، ويقترح إطاراً تفاوضياً يراعي المصالح الوطنية الليبية والمستجدات الإقليمية، يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي ومنهج دراسة الحالة والتحليل الجيوسياسي، ويخلص إلى أن غياب اتفاق رسمي، وتباين التفسيرات القانونية، وانقسام الموقف الليبي داخلياً، كلها عوامل ساهمت في تعقيد النزاع وإطالته، مع إمكانية حله عبر التفاوض أو التحكيم الدولي.
الكلمات المفتاحية: ترسيم الحدود البحرية ـ ليبيا، اليونان ـ شرق المتوسط ـ اتفاقية قانون البحارـ الجيوبوليتيك ـ مذكرة التفاهم ـ الطاقة البحرية.

Abstract:
This study explores the maritime border dispute between Libya and Greece as one of the most prominent geopolitical conflicts in the Eastern Mediterranean, driven by competition over marine energy resources and conflicting interpretations of the United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS). The research analyzes the geographical, historical, and legal roots of the dispute, focusing on the implications of the 2019 Libya-Turkey Memorandum of Understanding and the subsequent regional and international responses, particularly by Greece, Egypt, and the European Union. It also examines the legal and political options for conflict resolution, proposing a negotiation framework that considers Libya’s national interests and regional developments. The study adopts the descriptive-analytical method, case study approach, and geopolitical analysis. It concludes that the absence of a formal agreement, legal interpretation differences, and Libya’s internal political division have all contributed to the complexity and prolongation of the dispute, although it remains solvable through negotiation or international arbitration.
Keywords: Maritime boundary delimitation, Libya, Greece, Eastern Mediterranean, UNCLOS, geopolitics, Memorandum of Understanding, offshore energy.
مقدمة
شهدت منطقة شرق البحر المتوسط في السنوات الأخيرة تصاعداً متزايداً في النزاعات حول ترسيم الحدود البحرية، لاسيما في ظل الاكتشافات المتسارعة للغاز الطبيعي، والتي أضفت بعداً استراتيجياً واقتصادياً للصراعات الجيوسياسية في الإقليم. وتعد الأزمة الليبية اليونانية واحدة من أبرز هذه الأزمات، إذ تفجرت بشكل ملحوظ بعد توقيع ليبيا وتركيا مذكرة تفاهم بشأن تعيين المناطق البحرية في نوفمبر 2019م، مما أثار اعتراضات حادة من اليونان التي رأت في الاتفاق تجاوزاً لمصالحها ومساساً بمناطق تعتبرها خالصة لها.
تتداخل في هذه الأزمة اعتبارات قانونية تتعلق بتفسير اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وأخرى سياسية ترتبط بتغير موازين القوى والتحالفات الإقليمية، يأتي هذا البحث في محاولة لفهم أبعاد هذه الأزمة وتحليل مرتكزاتها القانونية والسياسية، ورصد تداعياتها على الأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي في المنطقة.
قضية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا واليونان تعد من الملفات الجيوسياسية المعقدة والمتشابكة، نظراً لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وارتباطها بموارد الطاقة في شرق المتوسط، فضلاً عن الصراع السياسي والقانوني حول الشرعية والاتفاقيات الدولية.
أهداف البحث
يهدف البحث الى تحقيق مجموعة من الأهداف وهي:
- تحليل الخلفيات الجغرافية والتاريخية للنزاع البحري بين ليبيا واليونان.
- توضيح الأبعاد الجيوسياسية والإقليمية المرتبطة بترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط.
- دراسة موقف كل من ليبيا واليونان استنادًا إلى القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).
- بيان تأثير مذكرة التفاهم الليبية التركية لعام 2019م على العلاقات الليبية – اليونانية.
- تقييم السيناريوهات المستقبلية الممكنة لحل النزاع، سواء عبر التفاوض أو التحكيم الدولي.
ثانيا: أهمية البحث
ـ تكمن أهمية هذا البحث في حساسية موقع ليبيا الجيوسياسي في شرق المتوسط، وما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية واقتصادية متزايدة نتيجة اكتشافات الغاز الطبيعي.
ـ يساهم في فهم التداخل بين القانون الدولي والمصالح الجيوسياسية للدول في الصراعات البحرية.
ـ يقدم مادة تحليلية لصناع القرار والباحثين حول خيارات ليبيا في إدارة هذا الملف المعقد.
ـ يسلط الضوء على إشكالية شرعية الاتفاقيات في ظل الانقسام السياسي الداخلي.
منهج البحث
يعتمد البحث على المنهج التحليلي الوصفي لفحص النصوص القانونية والخرائط والمواقف الرسمية، مع الاستفادة من منهج دراسة الحالة لمقارنة هذه الأزمة بحالات مشابهة في مناطق أخرى. كما تم توظيف منهج التحليل الجيوسياسي لفهم تداخلات القوى الفاعلة الإقليمية والدولية.
إشكالية البحث
تكمن إشكالية البحث في التساؤل الرئيسي التالي: “إلى أي مدى يمثل النزاع البحري بين ليبيا واليونان قضية جيوسياسية وقانونية تؤثر في استقرار شرق المتوسط، وما هي مآ لاته في ظل التداخل الإقليمي والدولي حول الموارد البحرية؟”
وتتفرع من السؤال الرئيسي مجموعة من الأسئلة الفرعية الآتية:
. ماهية جذور وخلفية الأزمة الليبية اليونانية
. ما الأسس الجغرافية والتاريخية للنزاع البحري بين ليبيا واليونان؟
. كيف تتعامل الأطراف مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؟
. ما أثر مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا على مسار النزاع؟
. ما خيارات ليبيا في ضوء التحديات السياسية والقانونية الحالية؟
حدود البحث
ـ الحدود الزمنية: يغطي البحث الفترة من بداية النزاع البحري حتى عام 2025م، مع تركيز خاص على ما بعد توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية 2019م.
ـ الحدود الموضوعية: يركز البحث على النزاع البحري الليبي اليوناني دون التوسع في النزاعات البحرية الأخرى بالمنطقة، مع التركيز على الأبعاد القانونية والجيوسياسية فقط.
ـ الحدود الجغرافية: يركز على منطقة شرق البحر المتوسط، خاصة المناطق البحرية الواقعة بين ليبيا وجنوب اليونان (جزيرة كريت وما حولها).
أولا: خلفية الأزمة الليبية اليونانية حول ترسيم الحدود البحرية
تملك ليبيا شريطا ساحليًا طويلا على البحر المتوسط يبلغ حوالي 1900 كيلومتر، ما يمنحها امتدادا طبيعيا واسعا في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ). وفي المقابل، تقع اليونان إلى الشمال الغربي من ليبيا، وتنتشر على مقربة منها العديد من الجزر اليونانية، أبرزها جزيرة كريت، والتي تُعد جوهر الخلاف القانوني بين البلدين.
تعتمد اليونان في ترسيم حدودها البحرية على مبدأ أن الجزر لها نفس الحقوق البحرية التي تتمتع بها اليابسة القارية، وذلك استنادًا إلى تفسيرها لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، وبناءً على هذا التفسير، تسعى اليونان لتوسيع منطقتها الاقتصادية الخالصة شرق المتوسط، معتبرة أن الجزر تمنحها امتدادًا مائيا مشروعًا.
أما ليبيا، فترى أن هذا التوجه غير عادل، إذ أن وجود الجزر لا يجب أن يمنحها مناطق اقتصادية خالصة متساوية مع اليابسة القارية، خاصة عندما تعيق هذه الجزر الامتداد الطبيعي للدول ذات السواحل الطويلة كليبيا، وعليه، تعتمد ليبيا على مبدأ الإنصاف في تقسيم المناطق البحرية، رافضة منح الجزر الصغيرة تأثيرا كبيرا في الترسيم.
وقد زادت أهمية هذا الملف الاستراتيجي في السنوات الأخيرة بسبب الاكتشافات المتسارعة للغاز في شرق المتوسط، ما دفع الدول الساحلية، ومنها ليبيا واليونان، للسعي إلى تثبيت سيادتها على أكبر قدر ممكن من المناطق البحرية.
وتفجرت الأزمة بشكل علني في نوفمبر 2019م، حينما وقعت حكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة تفاهم بحرية مع تركيا لترسيم الحدود البحرية بينهما، وقد أثار هذا الاتفاق جدلًا كبيرا، إذ اعتبرته اليونان انتهاكا لحقوقها السيادية البحرية، خاصة أنه تجاهل وجود جزيرة كريت وغيرها من الجزر اليونانية، وردت أثينا بترسيم حدودها البحرية مع مصر في أغسطس 2020م، ما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي.
إ ن الخلاف بين ليبيا واليونان حول ترسيم الحدود البحرية هو نزاع جيواستراتيجي معقد، تحركه تفسيرات قانونية متباينة، وتتنازعه اعتبارات السيادة والموارد الطبيعية، في ظل وضع سياسي مضطرب داخليا في ليبيا، وتنافس إقليمي على النفوذ في شرق المتوسط.

ثانيا: جذور الأزمة الليبية اليونانية حول ترسيم الحدود البحرية
تمتلك ليبيا شريطا ساحليا طويلاً يبلغ حوالي 1950 كيلومتر على البحر المتوسط، مما يمنحها امتدادا طبيعيا وواسعا في المناطق البحرية الإقليمية والاقتصادية، أما اليونان فتقع إلى الشمال الغربي من ليبيا، وتنتشر على مقربة من الساحل الليبي عدة جزر يونانية، أبرزها جزيرة كريت، والتي تشكل محور الخلاف القانوني والجغرافي في مسألة ترسيم الحدود.
ورغم مرور عقود منذ استقلال ليبيا في خمسينيات القرن العشرين، لم يتم توقيع أي اتفاق ثنائي رسمي لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وظل الملف معلقا بسبب الخلاف القانوني حول تأثير الجزر اليونانية على الترسيم، خصوصا من حيث المسافة الجغرافية، ومدى أحقية هذه الجزر في امتلاك مناطق اقتصادية خالصة واسعة.
يتركز جوهر النزاع حول مسألتين رئيسيتين:
- هل تمنح الجزر اليونانية مثل كريت حقوقا بحرية كاملة تكافئ اليابسة القارية؟
- أم أنه ينبغي إعطاء الأفضلية للسواحل الليبية المواجهة، التي تمتاز بطولها وامتدادها الطبيعي؟
تعتمد اليونان على تفسيرها لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، معتبرة أن جزرها تملك نفس الحقوق في ترسيم المناطق البحرية، وهو ما يمكنها من توسيع نطاقها البحري، خاصة في ظل الاكتشافات المتسارعة للغاز الطبيعي في شرق المتوسط. في المقابل، ترى ليبيا أن هذا التفسير غير عادل، خاصة إذا ما تسبب في منع امتداد منطقتها الاقتصادية الخالصة بشكل طبيعي، وتؤكد على ضرورة مراعاة مبدأ الإنصاف والتماثل الجغرافي عند الترسيم، لا سيما عندما تكون الجزر صغيرة أو بعيدة عن البر اليوناني الرئيسي.
وقد ظل هذا الخلاف كامنا لفترة طويلة، خصوصا في ظل تعاقب أنظمة سياسية متباينة في ليبيا، ورغم وجود رغبة متبادلة أحيانًا في التفاوض خلال فترات الاستقرار النسبي قبل 2011م، إلا أنه لم يتوصل إلى صيغة تفاهم نهائية.
غير أن التوتر تصاعد بشكل حاد في نوفمبر 2019م، حينما وقعت حكومة الوفاق الليبية اتفاقية مذكرة تفاهم بحرية مع تركيا لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وقد رأت اليونان في هذه الخطوة تعديا مباشرا على حقوقها البحرية، معتبرة أن الاتفاق تجاهل وجود جزيرة كريت التي تفصل بين الساحلين الليبي والتركي، وردت أثينا في أغسطس 2020م بتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر، مما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي، وأضفى على الخلاف بعدا جيوسياسيا تتداخل فيه المصالح الدولية والتحالفات الإقليمية.
بهذا فإن الأزمة الليبية اليونانية بشأن ترسيم الحدود البحرية تمثل نزاعا قانونيا وسياسيا معقدا، يختلط فيه القانون البحري الدولي بالجيوبوليتيك، ويتأثر بتغير موازين القوى الإقليمية، وبتقلبات الأوضاع السياسية الداخلية في ليبيا، فضلا عن الصراع المتزايد على موارد الطاقة في شرق المتوسط.
ثالثا: تفاقم الخلاف في 2019م
في نوفمبر 2019م، وقعت حكومة الوفاق الليبية (المعترف بها دوليا في ذلك الوقت) مذكرة تفاهم بحرية مع تركيا، تضمنت:
ـ ترسيم حدود بحرية جديدة بين ليبيا وتركيا.
ـ تجاهل الموقف اليوناني و”تجاوز” جزيرة كريت.
الاتفاق منح تركيا وليبيا مناطق اقتصادية خالصة تمتد عبر المتوسط، تتجاهل وجود جزيرة كريت وعدد من الجزر اليونانية، ما أثار غضباً كبيراً في أثينا.
أثار المذكرة على اليونان:
1ـ اليونان رات أن الاتفاق يتجاوز السيادة اليونانية واعتبرته باطلاً من الناحية القانونية وغير شرعي.
2ـ توترا في علاقات ليبيا بدول الاتحاد الأوروبي.
3ـ تدخلا سياسيا من مصر وقبرص وإسرائيل.
رداً على مذكرة، أعلنت اليونان ترسيم حدودها البحرية مع مصر في 2020م، في خطوة مضادة للاتفاق الليبي التركي.
رابعا: الموقف القانوني
1ـ تستند الخلافات إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982م.
2ـ ليبيا لم توقع على الاتفاقية.
3ـ اليونان وقعت وصدقت، وتتمسك بتفسير يمنح الجزر حقوقا كاملة.
4ـ ليبيا (ومعها تركيا) تعتبر أن الجزر لا تمنح نفس الحقوق مثل اليابسة.
خامسا: الأطراف المتأثرة بالصراع
| الطرف | موقفه أو مصلحته |
| ليبيا | تأمين مصالحها البحرية والغازية، تقليل التأثير اليوناني، تعزي تحالفاتها الإقليمية |
| اليونان | حماية سيادتها البحرية، مواجهة النفوذ التركي في المتوسط |
| تركيا | توسيع نفوذها، الرد على تحالفات “منتدى غاز شرق المتوسط” |
| الاتحاد | دعم عضوه (اليونان)، الضغط على ليبيا وتركيا |
سادسا: الاحتمالات المستقبلية لحل الأزمة
- التفاوض الثنائي بين ليبيا واليونان بوساطة أممية أو أوروبية.
- اللجوء لمحكمة العدل الدولية أو التحكيم البحري.
- التصعيد السياسي والدبلوماسي في حال تعذر التفاهم.
- الربط بالاستقرار السياسي الداخلي في ليبيا (عدم وجود حكومة موحدة يعقد التفاوض).
سابعا: رؤية تحليلية باستخدام منهج الصراع
ـ الجوهر: صراع مصالح جيوسياسية وموارد (الغاز والنفوذ البحري).
ـ الفاعلون: ليسوا فقط ليبيا واليونان، بل تركيا والاتحاد الأوروبي أيضا.
ـ الأدوات: دبلوماسية، تحالفات، اتفاقيات بحرية، ضغط سياسي.
ـ طبيعة الأزمة: مركبة (جيوسياسية، قانونية، إقليمية).
ثامنا: اقتراح عملية تفاوضية لحل النزاع
| ت | المرحلة | الخطوات المقترحة |
| 1 | التحضير | تشكيل وفد تفاوضي ليبي موحد يمثل الدولة |
| 2 | تحديد الأطر | الاتفاق على مرجعية قانونية (UNCLOS أو اتفاقيات ثنائية) |
| 3 | مفاوضات مباشرة | طرح خرائط ، دراسات، مطالب كل طرف |
| 4 | وساطة دولية | يمكن الاستعانة بوسيط محايد مثل الأمم المتحدة أو دولة محايدة |
| 5 | اتفاق نهائي | توقيع اتفاق رسمي ملزم حول ترسيم الحدود |
الخاتمة
إن قضية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا واليونان تعد من أبرز القضايا التي تكشف مدى تعقيد التداخل بين القانون الدولي والسياسات الإقليمية، فرغم وجود أدوات قانونية مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإن تفسيرها يختلف وفقا لمصالح الدول. مذكرة التفاهم بين ليبيا وتركيا فتحت الباب أمام تصعيد دبلوماسي، وأعادت تشكيل التوازنات في شرق المتوسط، وهو ما يستدعي نهجا تفاوضيا أكثر شمولية، يأخذ في الاعتبار المصالح الوطنية الليبية، دون تجاهل المتغيرات الإقليمية والدولية، ومن هنا يبقى الخيار الأمثل هو التوجه نحو الحلول السلمية المدعومة بالقانون والاعتراف المتبادل، بعيدا عن التصعيد.
الاستنتاجات
توصل البحث على مجموعة من الاستنتاجات وهي: ـ
- غياب اتفاق رسمي لترسيم الحدود بين ليبيا واليونان ويعد أحد أبرز الأسباب الجذرية للأزمة، حيث لم يتم توقيع أي اتفاق ثنائي واضح منذ استقلال ليبيا، رغم التداخل الجغرافي الحساس بين الساحل الليبي والجزر اليونانية.
- تباين التفسير القانوني لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) ويكشف جوهر النزاع؛ فبينما تعتمد اليونان على مبدأ منح الجزر حقوقًا بحرية كاملة، ترى ليبيا أن هذا التفسير يتعارض مع مبدأ الإنصاف، خصوصًا في الحالات التي تُعيق فيها الجزر الامتداد الطبيعي للسواحل الأطول.
- الأزمة تتأثر بالسياق الإقليمي والدولي حيث تدخل أطراف خارجية كتركيا، مصر، وإيطاليا في مواقف ترتبط بهذا الملف، ما يزيد من تداخله مع التحالفات الإقليمية ويعقّد الوصول إلى حل ثنائي مباشر.
- استمرار الأزمة يهدد الاستقرار البحري في المتوسط وأن عدم التوصل إلى تسوية قانونية واضحة يزيد من احتمالات التصعيد السياسي والدبلوماسي، وقد يؤثر سلبا على حركة الملاحة واستغلال الثروات البحرية، ويُبقي المنطقة عرضة للتجاذبات الدولية.
- ضعف الاستقرار السياسي الداخلي في ليبيا أعاق قدرة الدولة الليبية على التفاوض بشكل فاعل ومستقر مع اليونان، وفتح المجال لاتفاقيات متباينة مع أطراف أخرى، ما أثر على وضوح الموقف الرسمي الليبي.
- رغم التوتر، لا تزال هناك فرص لحل الأزمة ليست حتمية التصعيد، بل يمكن تفكيكها تدريجيًا عبر التفاوض المباشر، أو التحكيم الدولي، خصوصًا إذا توفرت إرادة سياسية ورؤية استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة.
التوصيات
من خلال الاستنتاجات توصل البحث الى مجموعة من التوصيات وهي: ـ
- ضرورة فتح قنوات دبلوماسية ثنائية بين البلدين لإطلاق مفاوضات فنية وقانونية لتحديد الحدود البحرية استنادًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م وبمراعاة مبدأي الإنصاف والتناسب الجغرافي.
- اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي في حال استمرار الجمود، ينصح بإحالة النزاع إلى هيئة تحكيم دولية أو محكمة العدل الدولية لتفادي التصعيد السياسي، وضمان حل قانوني عادل وملزم للطرفين.
- تشكيل لجنة فنية بحرية مشتركة بإنشاء لجنة خبراء بحرية وقانونية من كلا البلدين لدراسة الوضع الجغرافي والجيولوجي للمنطقة، وتحليل الخرائط والبيانات الفنية، ما يسهم في بناء تفاهم تقني مشترك يمهد لاتفاق سياسي.
- تعزيز التعاون الإقليمي في شرق المتوسط ودعم المبادرات الإقليمية التي تجمع دول المتوسط الشرقي (مثل منتدى غاز شرق المتوسط) لضمان استغلال عادل لمصادر الطاقة البحرية وتقليل التوترات عبر التعاون الاقتصادي.
- تبني سياسة خارجية ليبية متوازنة وشفافة وعلى الحكومة الليبية أن تعتمد مقاربة دبلوماسية متزنة تعلي من مصلحة ليبيا الوطنية وتحافظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف الفاعلة في المتوسط، بما يعزز مكانتها التفاوضية.
- تشجيع البحث الأكاديمي والدراسات الاستراتيجية في هذا الملف ودعم مراكز البحث والدراسات الليبية لتقديم أوراق موقف وتحليلات قانونية وجغرافية مفصلة تعزز من الحجة الليبية أمام المجتمع الدولي.
- رفع الوعي المجتمعي والإعلامي ونشر الوعي محليا بأهمية هذا الملف السيادي من خلال الإعلام والمجتمع المدني، لمنع تسييسه داخليا أو استغلاله في الصراعات السياسية، ولضمان دعمه شعبيا.
المراجع
- المجلس الوطني للتخطيط – ليبيا. (2020). تقرير حول النزاع البحري مع اليونان. منشورات رسمية، طرابلس.
- منتصر، إبراهيم. (2023). القانون الدولي للبحار وتطبيقاته على النزاعات الإقليمية. دار الفكر العربي – القاهرة.
- المرغني، جمال. (2022). الصراع الليبي اليوناني حول ترسيم الحدود البحرية: التحديات القانونية والسياسية. مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، العدد (221).
- عبد الله، أحمد. (2020). مذكرة التفاهم الليبية التركية وأبعادها الجيوسياسية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة.
- قاسم، محمد. (2021). النزاعات الحدودية البحرية في شرق المتوسط: قراءة في القانون الدولي للبحار. المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد (71).
- خليل، عبد الرحمن. (2017). اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. مكتبة الإسكندرية.
1.United Nations. (1982). United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS). Retrieved from: www.un.org (https://www.un.org/depts/los)
.2Strating, Rebecca. (2021). Maritime Disputes in the Eastern Mediterranean: Power, Law, and Resource Politics. Marine Policy Journal, Vol. 132.
. 6Shaw, Malcolm N. (2017). International Law (8th ed.). Cambridge University Press.
. 5Colibasanu, Antonia. (2020). The Geopolitics of the Libya-Turkey Maritime Deal. Geopolitical Futures. Retrieved from: www.geopoliticalfutures.com
. 4 Kassinis, George. (2019). Energy Geopolitics and the Eastern Mediterranean. Mediterranean Quarterly, Vol. 30(3), Duke University Press.
. 3International Crisis Group. (2020). Troubled Waters: Maritime Disputes in the Eastern Mediterranean. Brussels: ICG Report No. 212.



