رامي زُهدي يكتب.. «الأزمات الإنسانية في القارة الإفريقية: بين الحرب والأمل»
–خبير الشؤون الإفريقية – نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيچية مساعد – رئيس حزب الوعي
إنها، إفريقيا بين مفارقة الألم والأمل، لطالما كانت القارة الإفريقية ساحة للتناقضات الحادة؛ ففي الوقت الذي تزخر فيه بإمكانات طبيعية وبشرية هائلة، تجد نفسها في مرمى نيران الصراعات، ومستنقعات الفقر، وحلقات النزوح، ومشاهد الجفاف، والأوبئة، وضعف البنى التحتية للخدمات الأساسية.
الأزمات الإنسانية اليوم باتت التحدي الأكبر أمام طموحات التنمية والاستقرار، حيث تتشابك آثار الحروب، وانعدام الأمن، وتغير المناخ، مع تراجع المساعدات الدولية، في إنتاج وضع إنساني متأزم، يقف على الحافة بين الانهيار الكامل وبين احتمالات متواضعة للنجاة.
اقرأ أيضا: أفريقيا في قلب الاستراتيجية الأمريكية: المعادن الحيوية ومصالح الأمن القومي
تشير التقديرات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن أكثر من 47 مليون إفريقي بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة في عام 2025.
بينما، هناك ما يزيد عن 30 مليون نازح ولاجئ داخل القارة، في أكبر موجة تشرد قسري عالميًا بعد أوكرانيا وسوريا.
وتتصدر دول مثل السودان، إثيوبيا، الكونغو الديمقراطية، مالي، بوركينا فاسو، الصومال، نيجيريا قائمة الأزمات.
السودان فقط، انتجت أكثر من 9 ملايين نازح منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ونصف سكانه باتوا بحاجة لمساعدات غذائية وطبية.
اما الكونغو الديمقراطية، فإنه يعيش بها ما يقرب من 7 ملايين نازح داخلي في ظروف كارثية بسبب النزاع في شرق البلاد.
وفي الساحل الإفريقي تتفاقم أزمات الجفاف، وسوء التغذية، وتدهور التعليم، وسط انتشار للجماعات المسلحة.
وتتباين الأسباب البنيوية للأزمات الإنسانية في إفريقيا لكنها ايضا تتضح وتتكامل في شكل النزاعات المسلحة والصراعات العرقية والسياسية والتي تُمثل العامل الأول في إنتاج موجات اللجوء والنزوح وتدمير المؤسسات الخدمية.، الصراع السوداني الحالي نموذج فجّ للتفكك البنيوي للدولة بفعل الحرب الأهلية.
كذلك ضعف أنظمة الحوكمة وبنية الدولة، بسبب هشاشة مؤسسات الدولة، وغياب سياسات العدالة الاجتماعية، وفساد النخب الحاكمة.،إضافة إلي غياب الحوكمة الرشيدة والذي يحرم ملايين الأفارقة من حقهم في الغذاء والصحة والتعليم.
وكذلك التغير المناخي والكوارث البيئية، حيث أن أكثر من 22 دولة إفريقية مصنفة ضمن الأكثر هشاشة مناخيًا عالميًا، فالجفاف في القرن الإفريقي علي سبيل المثال يهدد حياة أكثر من 15 مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي.
أيضا، انهيار المنظومة الصحية وانتشار الأوبئة، حيث تفشي الأمراض مثل الكوليرا، الإيبولا، والملاريا، وسط انعدام الدواء والخدمات، و تراجع تمويل الصحة من الحكومات وغياب خطط الطوارئ في الأزمات.
وتراجع الدعم الدولي وازدواجية المعايير، في ظل تركيز الغرب على أوكرانيا وغزة قلّص هذا التمويل الإنساني المخصص لإفريقيا، “فقط 37% من النداءات الإنسانية لإفريقيا جرى تمويلها فعليًا في 2024.”
“بين الحرب والأمل”
رغم ضراوة الأزمات، فإن القارة الإفريقية لم تُفقد الأمل، بل تُظهر بوادر تجاوز تدريجي للمأساة، عبر مسارات يمكن تعزيزها من خلال المسار الإفريقي الجماعي وتفعيل دور الاتحاد الإفريقي، وضرورة تقوية آليات الإنذار المبكر والاستجابة للأزمات داخل “وكالة الشؤون الإنسانية”.
وكذلك العمل علي إنشاء صندوق إفريقي دائم للطوارئ، بتمويل من الحكومات والقطاع الخاص، بالتوازي مع العمل علي تعزيز دور القطاع الخاص والمجتمع المدني، لتحويل استثمارات المسؤولية الاجتماعية للشركات نحو دعم مشاريع الغذاء والمأوى والصحة، إضافة إلي تمكين المنظمات غير الحكومية المحلية والإقليمية بدل الاعتماد فقط على المنظمات الدولية.
وتفعيل الدبلوماسية الإنسانية والوساطة السياسية، علي سبيل المثال على مصر والدول المحورية كالجزائر ونيجيريا أن تلعب دورًا أكبر في احتواء النزاعات عبر وساطات إفريقية خالصة،وتمكين الدبلوماسية الإنسانية في الملفات الساخنة عبر العمل مع الأمم المتحدة والجامعة العربية.
أيضا، الاعتماد على التكنولوجيا والتحول الرقمي في العمل الإنساني، من خلال استخدام الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي في رصد النزوح، وتوزيع الموارد، وتحديد الأولويات.، وتعميم تطبيقات “الاستجابة الذكية” مثل تلك المستخدمة في تنزانيا ورواندا.
“مصر والأدوار الإنسانية في إفريقيا”
كمحور استراتيجي للقارة، تلعب مصر دورًا حيويًا إنسانيًا في عدة ملفات إفريقية:
في السودان، استقبلت مصر أكثر من 500 ألف لاجئ سوداني، وقدّمت الدعم الطبي والمجتمعي، رغم التحديات الداخلية.
وساهمت القوافل الطبية والغذائية المصرية في المناطق الحدودية بتخفيف العبء الإنساني.
وفي القرن الإفريقي، أرسلت مصر مساعدات إلى الصومال وجيبوتي وإثيوبيا خلال موجات الجفاف.
وعبر الأزهر والكنيسة المصرية، تم تقديم دعم روحي وتعليمي في مناطق النزاع.
وعلي مستوي التحركات الإقليمية، دعمت القاهرة تشكيل لجنة إفريقية لدراسة تبعات الحرب على المدنيين السودانيين.
وطالبت في أكثر من محفل دولي بعدم تسييس المساعدات الإنسانية وعدم ربطها بالأجندات الغربية.
لكن وبصفة عامة فإن الطريق إلى الأمام يحتاج تحرك استراتيچي ممنهج وقوي من خلال مأسسة الأمن الإنساني في السياسات الوطنية والإقليمية.
والعمل علي إنشاء “بنك غذاء إفريقي” وتخزين استراتيجي للقمح والحبوب والماء في المناطق المعرضة للجفاف.
وكذلك، إشراك الشباب والنساء في مسارات إدارة الكوارث والاستجابة للأزمات، والعمل علي فتح الأسواق أمام التجارة البينية للسلع والخدمات الإنسانية دون تعقيدات جمركية.
إضافة إلي الاستثمار في التعليم المقاوم للأزمات ودعم مدارس اللاجئين والنزوح.
ومابين الألم والفرج… لا تزال إفريقيا تقاوم، فالقارة الإفريقية، رغم سطوة الحرب واللجوء والنزوح، لا تزال تنبض بالحياة، وتؤمن بأن المعاناة لا يجب أن تكون قدرًا دائمًا.
المطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن الإغاثة المؤقتة إلى الاستجابة الاستراتيجية، ومن النظر إلى إفريقيا كعبء إلى الاعتراف بأنها مستقبل العالم.
ولعلّ مسؤوليتنا، كمصريين وعرب، أن نكون شركاء في صناعة هذا المستقبل، لا متفرجين عليه.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



