تقدير موقف

احتجاجات وميليشيات وخيارات ضاغطة: قراءة في الأزمة الإيرانية والصراع الأمريكي– الصيني

الكاتب رئيس تحرير صحيفة الجيل وعضو المجلس الأعلى للصحافة سابقًا

القاهرة- رضا سلامة

لا يكاد يوجد نظام سياسي في العالم يواجه تحديات وجودية مركّبة ومتشابكة كالتي تعصف بنظام الملالي في إيران؛ تحديات تراكمت داخليًا وإقليميًا ودوليًا منذ تأسيسه عام 1979، حتى باتت تهدد صلب بنيته واستمراريته. داخليًا، تتوافر جميع الشروط الموضوعية لأي انفجار شعبي: استبداد سياسي خانق، اقتصاد متآكل، وظلم اجتماعي متجذر. وقد جسّدت احتجاجات 28 ديسمبر الماضي، التي انطلقت من «بازار طهران» – رمز الاقتصاد التقليدي النابض – عمق السخط الشعبي إزاء التضخم المتفلت وانهيار العملة وتدهور مستويات المعيشة، قبل أن تتحول مع اتساع رقعتها لتشمل مئات المناطق وعشرات المدن، من مطالب اقتصادية محضة إلى دعوات صريحة لإسقاط النظام.

غير أن هذه الاحتجاجات ليست حدثًا استثنائيًا، بل امتداد لمسار طويل من الانتفاضات الشعبية. من «الحركة الخضراء» عام 2009 التي فجّرها اتهام واسع بتزوير الانتخابات لصالح محمود أحمدي نجاد، مرورًا باحتجاجات 2017–2018 و2019 على رفع أسعار الوقود، وصولًا إلى حراك 2022 تحت شعار «المرأة، الحياة، الحرية» بعد مقتل مهسا أميني على يد «شرطة الأخلاق»، واحتجاجات شح المياه في عامي 2018 و2025، يتبدّى مسار متصاعد يكشف عن أزمة بنيوية عميقة، لا عن اختلالات ظرفية عابرة، وجعلت النظام في مواجهة مجتمع لم يعد يطالب بالإصلاح، بل يشكّك في شرعية بنيته الحاكمة ذاتها.

اقرأ أيضا: مجدى طنطاوى يكتب.. إذا انهارت إيران احترق الإقليم 

خارجيًا، لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية التدخل العسكري في حال استمرار القمع، داعيًا المحتجين إلى الاستيلاء على مؤسسات الدولة وتوثيق أسماء الجلّادين لمحاسبتهم، قبل أن يعتمد لاحقًا خطابًا أقل حدّة معلنًا توقف عمليات القتل وتراجع النظام عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق مئات المحتجين. هذا التحوّل في الخطاب لا يشير إلى تخلّي أمريكي عن الخيارات المتاحة، بل يعكس إدارة محسوبة للتصعيد، مع تأكيد المعطيات على أن قرار إحداث تغيير في إيران قد اتُّخذ بالفعل، ولم يتبق سوى تحديد التوقيت والأدوات المناسبة، التي قد تشمل الضغوط الاقتصادية والسياسية، بل وحتى الخيار العسكري بدرجاته.

في هذا الإطار، تتكثف المؤشرات على تحرّك أمريكي–إسرائيلي منسق، يجري بحثه مع قوى إقليمية، مدعومًا بتعزيز الانتشار العسكري وتوسيع سلّة السيناريوهات. ويعكس هذا النهج أسلوب ترامب في إدارة الأزمات عبر الغموض والخداع الاستراتيجي، كما ظهر حين منح طهران مهلة تفاوضية في يونيو 2025، لكنه قطعها فجأة بضربات جوية مركزة استهدفت منشآتها النووية في فوردو ونطنز وأصفهان. بالتوازي، تشدد واشنطن الخناق الاقتصادي عبر عقوبات تستهدف كبار مسؤولي النظام وكياناته العسكرية والاقتصادية، في استراتيجية متعددة الأدوات تهدف إلى إنهاك النظام ودفعه إلى حافة التحول الحاسم.

أهداف أمريكا وإسرائيل تجاه إيران تتركز على أربعة محاور رئيسية: إنهاء البرنامجين النووي والباليستي، تفكيك الميليشيات الموالية والتابعة، وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية. هنا تتجلى معضلة النظام الإيراني: قبول هذه المطالب يعني سقوطه شعبيًا بعد أكثر من خمسة وأربعين عامًا من الصراعات والعقوبات بسببها، بينما رفضها يفضي إلى استحالة أي تسوية ودفع الأمور نحو مواجهة حتمية. ومع اختلال موازين القوة والتفوق العسكري والتقني الأمريكي–الإسرائيلي، تبدو نتيجة هذه المواجهة محسومة، فيما الرهان على روسيا أو الصين ضعيف؛ لانشغال موسكو بأوكرانيا، واعتماد بكين على الصعود الاقتصادي وتجنّب المواجهات العسكرية.

يُشكّل النظام الإيراني أيضًا عائقًا بنيويًا أمام أي تقدّم سياسي أو اقتصادي في الشرق الأوسط. فالشراكات والاتفاقات المالية التي أبرمتها دول الخليج مع أمريكا تتطلب حدًا أدنى من الاستقرار الإقليمي، وهو ما يتعذر تحقيقه في ظل استمرار إيران في توظيف أذرعها المسلحة عبر الحدود. وأي مسار جاد نحو السلام – سواء بتوسيع «اتفاقات إبراهام» أو عبر صيغ بديلة – يقتضي التعامل مع دول وطنية مستقرة، لا مع ميليشيات تدعمها إيران وتحوّل دولًا إلى كيانات فاشلة، بما يعزز الإرهاب والتطرّف ويفسح المجال لأزمات اللاجئين والهجرة غير النظامية.

في سياق الصراع الأمريكي–الصيني، يشكل إسقاط النظام الإيراني أو إحداث تغيير جذري في بنيته السياسية ركيزة استراتيجية لمحاصرة الصين وتقليص نفوذها العالمي. فإيران تمثل شريانًا حيويًا لأمن الطاقة الصيني؛ إذ تستورد بكين معظم صادرات النفط الإيرانية بأسعار منخفضة بفعل العقوبات، وتشكل عقدة محورية في «مبادرة الحزام والطريق» عبر الممرات البرية والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية. انهيار النظام يعني فقدان الصين لشريك استراتيجي، وتعطّل مشاريع بمليارات الدولارات، وضربة مباشرة لطموحاتها في ربط آسيا بأوروبا خارج السيطرة البحرية الغربية.

على الصعيد الجيوسياسي، يساهم تغيير النظام الإيراني في تفكيك شبكة التحالفات التي تضم روسيا وإيران وكوريا الشمالية، وهي أدوات تستخدمها بكين لتحدي النظام الدولي القائم، مما يضعف مساعيها لإنشاء نظام موازٍ. وفي هذا السياق، يمكن فهم اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كجزء من استراتيجية متكاملة لمحاصرة الصين وإيران معًا. فقد شكّل سقوط مادورو خسارة فادحة لبكين في أمريكا اللاتينية، وهدّد مشاريعها في الطاقة، وعرض ديونها الضخمة لخطر التعثر، كما وجّه رسالة واضحة عن عجز الصين عن حماية حلفائها عند لحظة الحسم، ما عزز الهيبة الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، مثلت إزاحة مادورو ضربة مباشرة للنفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي، إذ كانت فنزويلا منصة لتمدد طهران وشبكاتها الأمنية والمالية. وبإزاحته، سعت واشنطن إلى تفكيك قنوات التمويل والتهريب، وتوجيه رسالة ردع صارمة للقيادة الإيرانية بأن يد أمريكا قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات السياسية عند الانتقال من الاحتواء إلى الفعل.

في سياق متصل، تأتي مساعي ترامب للاستيلاء على جرينلاند، متذرعًا بأن عدم السيطرة عليها يتيح لروسيا أو الصين فرصًا للاستحواذ، رغم نفي الدنماركيين وجود تهديد مباشر، كما أن الجزيرة تحتوي على احتياطيات هائلة من المعادن النادرة واليورانيوم والنفط والغاز، وهو ما قد يعزز القدرة الأمريكية على مواجهة التفوق الصيني في الموارد الاستراتيجية.

تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التخلص من الميليشيات في الشرق الأوسط، بعد أن أدركت أن التعويل عليها، رغم مكاسبها قصيرة المدى، يفضي إلى خسائر استراتيجية طويلة الأمد. إيران بوصفها الراعي الأبرز لشبكات الميليشيات، تصبح هدفًا رئيسيًا لهذا التحول. تجسدت هذه الاستراتيجية في خطوات عملية: تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين – في مصر ولبنان والأردن – كمنظمات إرهابية، واتهامها بدعم العنف وزعزعة الاستقرار، وارتباط بعض هذه الفروع بحماس، ودور أيديولوجيتها في تغذية تنظيمات متطرفة مثل «القاعدة» و«داعش». كما شملت الرؤية الأمريكية إعادة تموضع في سوريا، بالتخلي عن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والتحالف مع الحكومة السورية الجديدة، ودعمها في تولّي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك إدارة حقول النفط ومراكز احتجاز عناصر داعش شمال شرق البلاد.

أما بالنسبة لطبيعة المواجهة مع إيران، فتتجنب الولايات المتحدة حروب الاستنزاف الطويلة على غرار العراق وأفغانستان، لكنها لا تستبعد عمليات خاطفة عالية الكثافة، بما في ذلك سيناريوهات استهداف رأس النظام أو اختطافه، كما حدث مع مادورو. في المقابل، تعتمد إسرائيل استراتيجية تراكمية؛ تقوم على ضربات عسكرية وأمنية دقيقة تهدف إلى تفكيك بنية القمع ومراكز القرار، ممهّدة لانتفاضة داخلية يمكن أن تُسقط النظام. ويُفهم من هذا المنطق تأجيل الضربة الأمريكية لضمان شموليتها وقدرتها على شل قدرات النظام إلى أقصى حد.

تراجع ترامب عن الهجوم على إيران جاء بعد مشاورات إقليمية دقيقة، حيث حذّر نتنياهو من أن هجومًا محدودًا قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة استنادًا إلى معطيات استخباراتية، فيما خلصت أجهزة استخبارات إقليمية إلى أن انهيار النظام الإيراني عملية طويلة الأمد لا يمكن حسمها بضربة واحدة، مهما بلغت شدتها.

أما أسباب تراجع الاحتجاجات الأخيرة في إيران، فتتعدد: أولًا، قاعدة النظام الصلبة التي تضم العقائديين والحرس الثوري والباسيج، ومؤسسات اقتصادية وسياسية غير منتخبة، وشريحة اجتماعية لا ترى بديلًا عمليًا. ثانيًا، انزلاق بعض الاحتجاجات إلى العنف أضعف شرعيتها، ما دفع قطاعات واسعة من المتضررين اقتصاديًا إلى الانسحاب. ثالثًا، الدعوات الأمريكية والإسرائيلية لإسقاط النظام استُغلت داخليًا لتوصم المحتجين بالعمالة. رابعًا، حالة انعدام الأمن في الشارع عززت الخوف من الفوضى، وخامسًا، العزل الرقمي شبه الكامل منذ 8 يناير، مع تشويش عسكري ودعم تقني روسي لإفشال محاولات الالتفاف باستخدام “ستارلينك”، أحبط محاولات التنسيق والامتداد، وحرم الاحتجاجات من التأثير الإعلامي.

مجموع هذه العوامل أجهض مؤقتًا الضغط الشعبي، لكنها لم تُغيّب جذور الأزمة البنيوية، ما يعني أن الاحتجاجات ستتكرر، وأن النظام، بعقائديته وانخراطه في تصدير الثورة وتمويل الميليشيات الخارجية، لا ينتمي إلى هذا العصر.

ختامًا، التناقضات بين النظام الإيراني والمصالح الأمريكية–الإسرائيلية تجعل الصدام شبه حتمي، لكن طبيعته ستتحدد بالظروف الواقعية: مواجهة شاملة؟ حرب هجينة؟ ضربات محددة؟ هذا يتوقف على تطورات الاحتجاجات الداخلية، الديناميات الإقليمية، وقدرة النظام على الصمود، في إطار الصراع الأمريكي–الصيني الأوسع.

 

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى