رأي

رامي زُهدي يكتب.. «إفريقيا كهدف استخباراتي دولي: القارة في مرمى العيون الخفية»

تتخذ خريطة إفريقيا، منذ أكثر من قرن، موقعًا استراتيجيًا في صراع النفوذ الدولي، لكن التطورات الأخيرة جعلت منها ساحة مفتوحة لتكثف النشاط الاستخباراتي الدولي بشكل غير مسبوق. لم تعد الجيوش وحدها أدوات النفوذ، بل أصبحت أجهزة الاستخبارات العالمية حاضرة بقوة في مسارح السياسة والاقتصاد والأمن الإفريقي، توجّه، تراقب، وتؤثر… وغالبًا تزرع وتموّل وتُسقِط.

فلماذا إفريقيا؟ ولماذا الآن؟ وما طبيعة النشاط الاستخباراتي الدولي في القارة؟ وما تداعياته على استقرار الدول ومستقبل التنمية؟ هذه الأسئلة تمثل جوهر هذا المقال الذي نحاول من خلاله تناول أعماق المشهد المعقّد.

اقرأ أيضا: معايير انتقاء الأخبار في الصحافة الرقمية رسالة ما جستير بإعلام الأزهر

“لماذا تُعد إفريقيا هدفًا استخباراتيًا دوليًا؟”

أهم الأسباب وأكثرها وضوحًا هو الثروات المعدنية والطبيعية التي تزخر بها القارة. إذ تمتلك إفريقيا نحو 30% من الموارد المعدنية في العالم، بينها 90% من احتياطي البلاتين، و50% من الذهب، و40% من الماس. كما تسيطر على ما يقارب 12% من احتياطات النفط العالمية و8% من احتياطات الغاز. وتكفي الإشارة إلى أن الكونغو الديمقراطية وحدها تحتوي على أكثر من 60% من احتياطي العالم من الكوبالت، وهو عنصر استراتيجي في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة.

كذلك تُعد إفريقيا نقطة ارتكاز جغرافي في قلب العالم، إذ تطل على أهم الممرات البحرية الدولية مثل قناة السويس، ومضيق باب المندب، ورأس الرجاء الصالح، وخليج غينيا. وبالتالي، فإن السيطرة على بعض مفاصل هذه المواقع، أو حتى التأثير غير المباشر فيها، يمنح القوى الكبرى تفوقًا استراتيجيًا.

ثم أن الهشاشة الأمنية والسياسية في عدد كبير من دول القارة تجعلها بيئة مثالية للنشاط الاستخباراتي. نحو 40% من دول إفريقيا تعاني من نزاعات داخلية أو نزاعات حدودية أو ضعف في منظومة الحكم الرشيد والمؤسسي، ما يُسهّل الاختراق والتوظيف الاستخباراتي، ويخلق تربة خصبة لتوظيف الانقسامات العرقية والطائفية لمصلحة أجندات خارجية.

وأخيرًا، فإن احتدام التنافس الدولي على القارة بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا، تركيا، إسرائيل، إيران، ودول الخليج يجعل من أجهزة الاستخبارات أدوات أساسية لرسم ملامح النفوذ والمصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

“أدوات وأشكال النشاط الاستخباراتي في إفريقيا”

تتعدد أشكال الحضور الاستخباراتي في القارة السمراء، ويأتي في مقدمتها الاعتماد على تجنيد العملاء المحليين، سواء كانوا من السياسيين أو الصحفيين أو رجال الدين أو ناشطي المجتمع المدني، والذين يُستخدمون كأدوات تأثير أو كمصادر معلومات حيوية. في حالات كثيرة، يكون غطاء “منظمات غير حكومية” هو المدخل لتأسيس شبكات استخباراتية طويلة الأمد.

كما تلجأ القوى الكبرى إلى الاستثمار في تكنولوجيا المراقبة الأمنية، من خلال تصدير أنظمة تجسس متطورة وبرمجيات اختراق، كما تفعل بعض الدول مثل إسرائيل (ببرنامج بيجاسوس) أو الولايات المتحدة وفرنسا. واللافت أن العديد من هذه الأنظمة تُباع لدول إفريقية مع ترك “ثغرات خلفية” تسمح لجهاز المخابرات المصدر بالولوج إلى البيانات الحساسة لاحقًا. ويُتوقّع أن تصل قيمة سوق الأمن السيبراني والمراقبة الأمنية في القارة إلى 1.3 مليار دولار بحلول عام 2026.

كذلك يُمارس النفوذ الاستخباراتي عبر بوابات دبلوماسية وتنموية، إذ تُستخدم البعثات التنموية والمبادرات الإنسانية كغطاء للوجود الاستخباراتي، خصوصًا في مناطق النزاع والحدود الساخنة. بل إن بعض أجهزة الاستخبارات تعمل وفق استراتيجية “إدارة الصراعات لا حلّها”، ما يعني تغذية النزاعات بما يضمن بقاء الحاجة إلى الحضور الدولي، كما حدث في منطقة الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي.

“أبرز أجهزة الاستخبارات النشطة في إفريقيا”

من أبرز اللاعبين الاستخباراتيين في القارة الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والقيادة العسكرية لإفريقيا (AFRICOM)، ولها وجود استخباراتي واسع في النيجر وجيبوتي وكينيا وأوغندا والصومال، سواء عبر قواعد عسكرية أو وحدات مراقبة.

ثم، فرنسا، عبر جهاز الاستخبارات الخارجية DGSE، وتتمتع بشبكة عميقة داخل مستعمراتها السابقة في غرب إفريقيا، خصوصًا مالي والنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج.

وهناك أيضا، روسيا، التي اعتمدت على جهاز الاستخبارات العسكرية (GRU) وعبر مجموعات غير رسمية مثل فاجنر سابقًا، لنشر النفوذ في دول مثل إفريقيا الوسطى ومالي والسودان.

كذلك، الصين، عبر وزارة أمن الدولة (MSS)، وتركز على التجسس الاقتصادي والتجاري، خصوصًا في مشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.

وإسرائيل، من خلال جهاز الموساد، ولها حضور استخباراتي معروف في شرق إفريقيا، خاصة في إثيوبيا وكينيا وأوغندا، وتوظف نفوذها التكنولوجي لتعزيز هذا الحضور.

حتي، تركيا، وعبر جهاز الاستخبارات الوطنية (MIT)، وتستخدم أدوات دينية وثقافية واقتصادية لتعزيز وجودها في القرن الإفريقي، لا سيما في الصومال وإثيوبيا.

“الآثار السلبية للنشاط الاستخباراتي الدولي”

أخطر هذه الآثار يتمثل في إضعاف السيادة الوطنية، إذ تؤدي عمليات الاختراق إلى تقويض استقلالية القرار السياسي والأمني، وتحويل بعض الحكومات إلى أذرع تنفيذية لأجندات خارجية.

وكذلك، فإن هذا النشاط يُعيد إنتاج نخب سياسية مرتبطة بالخارج، ما يضعف من ثقة المواطن في منظومته السياسية، ويكرّس التبعية بدلًا من ترسيخ الإرادة الوطنية المستقلة.

كما تُستخدم بعض أدوات التجسس لتغذية الانقسامات العرقية والطائفية، وتمويل ميليشيات محلية بغرض إشعال الفتن أو إعادة رسم الخريطة السياسية للدولة من الداخل.

وأخيرًا، ينعكس النشاط الاستخباراتي على مناخ الاستثمار، إذ يتسبب في زعزعة الاستقرار، وإضعاف المؤسسات، وتخويف رؤوس الأموال، مما يطيل أمد الفقر ويقوّض مشاريع التنمية.

“رؤية استراتيجية إفريقية للأمن السيادي”

تتمثل أولى خطوات المواجهة في بناء آلية تنسيقية استخباراتية بين الدول الإفريقية، تكون نواة لتبادل المعلومات بشكل مشترك، والتصدي للتهديدات العابرة للحدود. كما يجب المضي قدمًا نحو إصلاح مؤسسات الأمن والعدل، وتطوير نظم الحوكمة والشفافية.

كذلك، من الضروري وضع تشريعات صارمة تنظم عمل منظمات المجتمع المدني الأجنبية، وتفرض الإفصاح الكامل عن مصادر تمويلها وأجنداتها. إلى جانب ذلك، تُعد معركة السيادة الرقمية أولوية قصوى، خصوصًا مع تصاعد استخدام التكنولوجيا في التجسس والتأثير، وهو ما يستدعي الاستثمار في بنية تحتية سيبرانية وطنية لحماية البيانات والأنظمة الحيوية.

ويبقى تعزيز الوعي العام في المجتمعات الإفريقية، وخصوصًا بين النخب، عاملًا حاسمًا لتحصين الداخل، من خلال إدماج مفاهيم الأمن القومي والاستخبارات الناعمة في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي.

“إفريقيا بحاجة إلى عيونها لا إلى العيون عليها”

إن صراع الأجهزة في إفريقيا ليس مجرد تجسّس بالمفهوم الكلاسيكي، بل هو سلاح في معركة السيطرة على المستقبل. وكلما تأخرت الدول الإفريقية في بناء منظومة أمنية واستراتيجية متماسكة، كلما وجدت نفسها أكثر عرضة للابتزاز والاختراق والتبعية.

إن إفريقيا لا تحتاج إلى المزيد من العيون الخفية التي تراقبها، بل إلى عيون إفريقية مبصرة تستعيد السيادة على الأرض والقرار والمستقبل.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى