دراساتسياسية

إعادة  تشكيل النفوذ في القرن الإفريقي: ما بعد انسحاب القوى الغربية وصعود الفاعلين الإقليميين

إعداد/ ريهام محمد خنيزي

شهد القرن الإفريقي تحولات استراتيجية متسارعة في السنوات الأخيرة، مع تراجع ملحوظ في الحضور الغربي  الذي لطالما مثل العمود الفقري للسيطرة الجيوسياسية في المنطقة. هذا الانسحاب النسبي، الذي يتزامن مع تركيز الغرب على ملفات أخرى كآسيا وأوروبا الشرقية فتح الباب أمام قوى إقليمية مثل الإمارات، تركيا ، الصين لتعزيز أدوارها بأدوات غير تقليدية، أهمها الاستثمار، الدعم الأمني، والتقارب السياسي.

لنفوذ في القرن الإفريقي

تكشف هذه الورقة كيف يُعاد رسم خرائط النفوذ في دول القرن الإفريقي مثل إثيوبيا، الصومال، جيبوتي، النيجر، إريتريا من خلال قراءة في المشهد الجديد الذي يتجاوز الانقسامات التقليدية بين الشرق والغرب، ليعكس صعود أنماط جديدة من التنافس الإقليمي الذي يوظف الاقتصاد في خدمة السياسة.

اقرأ أيضا: «القرن الإفريقي الجديد: كيف تعيد مصر رسم خرائط النفوذ؟»

المحور الأول: تراجع الحضور الغربي وملء الفراغ الجيوسياسي

شكّلت الولايات المتحدة وفرنسا عماد النفوذ الغربي في منطقة القرن الإفريقي على مدار عقود غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا تدريجيًا في هذا الحضور، مع تراجع واضح في الأولوية الجيوسياسية للمنطقة لدى العواصم الغربية، في ظل تركيز متزايد على آسيا والمحيط الهادئ، والتراجع عن التدخلات الطويلة في الشرق الأوسط، مما أدى إلى تراجع استراتيجي في المنطقة.

بدأت مظاهر هذا التراجع تتجلى في تقليص الوجود العسكري الأمريكي لا سيما في الصومال، حيث أدّى انسحاب القوات الأميركية إلى فراغ أمني استغلته حركة الشباب في استعادة بعض المناطق، بينما واجهت القوات المحلية المدعومة من واشنطن، مثل “داناب”، صعوبات تشغيلية متزايدة، بحسب تقرير The Washington Post.

وامتدت هذه الديناميكية إلى غرب القارة، إذ أعلنت الحكومة العسكرية في النيجر طرد القوات الأميركية من البلاد شاملةً إخلاء قاعدة الطائرات بدون طيار في أغاديز والتي بلغت تكلفتها نحو 100 مليون دولار. وتم الانسحاب الكامل في أغسطس 2024 مع إبقاء عدد محدود من العناصر داخل السفارة، كما أكّد تقرير وكالة Associated Press.

وفي تصريحات أدلى بها الجنرال مايكل لانغلي قائد القيادة الأميركية في إفريقيا (AFRICOM)، خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في مايو 2025، أشار إلى أن واشنطن بصدد مراجعة مستقبل AFRICOM بالكامل، مع احتمالية دمجها بالقيادة الأوروبية في إطار خطة شاملة لإعادة الهيكلة، وهو ما يعكس إعادة ترتيب للأولويات الأمنية الأميركية، حسب تحليل Reuters.

في السياق ذاته، واجهت فرنسا ضغوطًا متصاعدة من مستعمراتها السابقة، خاصة في دول الساحل، حيث أعلنت حكومتا تشاد والسنغال وقف التعاون العسكري مع باريس، في خطوة وصفت بأنها “الضربة الأخيرة لنفوذ باريس العسكري في الساحل”، بحسب تقرير Associated Press. كما أن قاعدة فرنسا في جيبوتي  ورغم استمرارها رسميًا، تراجعت فعليًا من حيث التأثير، مقارنةً بتصاعد نفوذ الإمارات في مشروعات البنية التحتية والموانئ، وفق ما رصده تقرير Brookings Institution.

كل هذه المتغيرات مجتمعة خلقت فراغًا جيوسياسيًا سريع الاتساع، حوّل القرن الإفريقي إلى ساحة مفتوحة لإعادة التموضع الاستراتيجي، ليس فقط عبر التنافس العسكري، بل من خلال أدوات اقتصادية واستثمارية باتت تلعب الدور الأبرز في موازين النفوذ الجديدة.

المحور الثاني: صعود الفاعلين الإقليميين وأدوات إعادة التموضع

مع تراجع الحضور الغربي، برزت قوى إقليمية مثل الإمارات، تركيا، والصين كلاعبين أساسيين في إعادة تشكيل خارطة النفوذ في منطقة القرن الإفريقي. لم تعتمد هذه القوى على تدخلات عسكرية تقليدية، بل وظفت أدوات غير مباشرة كالاستثمار في الموانئ، القواعد العسكرية، المشاريع التنموية، والمساعدات الإنسانية، في مزيج يوازن بين السياسة والاقتصاد والأمن.

تصدرت الإمارات  هذا الحراك لإاقليمي الإفريقي من خلال استراتيجية هجينة تمزج بين النفوذ الاقتصادي  و العسكري والدبلوماسي بهدف تأمين مصالحها في البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية، فطورت ميناء بربرة في “أرض الصومال”، وأسست قاعدة عسكرية في “عصب” الإريترية لدعم عملياتها في اليمن. كما نسجت علاقات مباشرة مع سلطات محلية متجاوزة الحكومات المركزية، مما مكّنها من بسط نفوذ مرن على الأرض. هذا التمدد، كما أشار تقرير صادر عن International Crisis Group  يعكس مقاربة إماراتية لتعزيز العمق الاستيراتيجي للدولة الخليجية.

أما تركيا،  فاتبعت نهجًا ناعمًا  يعتمد على البلوماسية التنموية والتعاون الأمني. ففي الصومال أنشأت  قاعدة عسكرية في مقديشو تعد الأكبر خارج آراضيها ، وقدمت دعما لوجستيًا وتدريبًا للقوات المحلية، وذلك وفقًا لما ورد في دراسة منشورة على ResearchGate ، وهو ما عزز ارتباط النخبة السياسية الصومالية بها، إلى جانب مساهماتها في مشاريع إعادة الإعمار والتعليم. كما توسعت في إثيوبيا عبر اتفاقيات دفاعية وشراكات اقتصادية وتعليمية  ساعيةً  إلى ملء الفراغ الغربي في المنطقة عبر دبلوماسية نشطة ومبادرات تنموية، وذلك وفقا لمركز Afripoil.

في المقابل، تبنت الصين استراتيجية مزدوجة تجمع بين النفوذ الاقتصادي والتموضع العسكري طويل الأمد،  ففي جيبوتي أنشأت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية لها عام 2017 بالقرب من ميناء دوراليه، الذي طورته ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. ووفقًا لتقريرAfrica Center ، فإن الصين تستخدم تطوير الموانئ لتأمين الممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك البحر الأحمر وخليج عدن  من أجل موازنة النفوذ الغربي في المنطقة. كما تظهر دراسات صادرة Zambakari Center  تحولًا في العقيدة الأمنية الصينية نحو تبني أدوات القوة الصلبة لحماية مصالحها.

وفي إثيوبيا، يبرز الحضور الصيني من خلال دعم مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل السكك الحديدية والمناطق الصناعية، وساهمت بقوة في تمويل التنمية، مما جعلها من أكبر المستفيدين من التمويل الصيني في إفريقيا، في إطار شراكة اقتصادية تعكس طموح بكين لتكوين حلفاء استيراتيجيين في القارة وذلك بحسب دراسة منشورة عبر ResearchGate .

المحور الثالث: ما بعد النفوذ – من يستفيد اقتصاديًا من التنافس على القرن الإفريقي؟

في خضم التنافس الجيوسياسي المتصاعد في القرن الإفريقي، لم تعد أدوات النفوذ تقتصر على القواعد العسكرية أو التحالفات الأمنية، بل باتت الاستثمارات الاقتصادية ومشاريع البنية التحتية محورًا أساسيًا في سباق الهيمنة. غير أن هذا الزخم الاستثماري يطرح تساؤلات ملحّة: هل تحقق دول مثل إثيوبيا، جيبوتي، النيجر، والصومال مكاسب حقيقية، أم تقع في فخ التبعية الاقتصادية المقنّعة؟

في إثيوبيا، قدمت الصين نفسها كشريك تنموي استراتيجي، مولت مشاريع ضخمة مثل خط السكك الحديدية الرابط بين أديس أبابا وجيبوتي ضمن مبادرة الحزام والطريق. ورغم الطابع التنموي الظاهر إلا أن هذه المشاريع ساهمت في تضخم الدين الخارجي وطرحت علامات استفهام حول جدواها الاقتصادية طويلة المدى. كما يشير Africa Center for Strategic Studies إلى أن الصين توظف تطوير الموانئ في إفريقيا كأداة للنفوذ الجيوسياسي، أكثر من كونها شراكات اقتصادية متكافئة.

أما جيبوتي، فقد أصبحت نقطة ارتكاز لتقاطع مصالح دولية متشابكة. فبينما تستفيد الحكومة من العوائد الإيجارية والقروض التنموية، يُحذّر تقرير مركز زامباكاري من أن الحضور الصيني الكثيف خاصة مع وجود قاعدة عسكرية قريبة من ميناء دوراليه مما قد يُفضي إلى إضعاف الاستقلالية الاقتصادية والسياسية للدولة، وهو ما يشكّل نموذجًا للتلازم بين الاستثمارات والبُعد الأمني.

في المقابل، تستثمر الإمارات وتركيا بشكل متزايد في الموانئ والبنية التحتية في دول مثل الصومال والنيجر، ضمن صيغ ترتبط غالبًا بعقود طويلة الأجل وامتيازات واسعة، مما يجعل هذه المشاريع عرضة لاتهامات باستخدام الاقتصاد كأداة لإعادة تشكيل موازين القوى. ووفقًا لـتقرير Brookings فإن هذه الاستثمارات غالبًا ما تعكس أولويات الدول المانحة وليس بالضرورة احتياجات الدول المضيفة.

في المحصلة، لم تُترجم هذه المشاريع الاقتصادية إلى تنمية شاملة أو استقلال حقيقي. بل أصبحت أداة لإعادة التموضع الجيوسياسي، تُعيد إنتاج علاقات غير متوازنة بين المانحين والمستفيدين. ويبقى التحدي الأساسي أمام دول القرن الإفريقي هو إعادة التفاوض على شروط هذه الشراكات بما يعزز السيادة الوطنية ويحقق مصالح شعوبها على المدى الطويل.

 

 

يعكس التنافس على البنية التحتية في القرن الإفريقي تحوّل النفوذ من أدوات عسكرية إلى أدوات اقتصادية، حيث باتت الموانئ، والطرق، ومشاريع الطاقة أدوات استراتيجية بيد القوى الدولية والإقليمية. ومع انخراط قوى مثل الصين وتركيا والإمارات في مشاريع كبرى، تبرز الحاجة لتقييم أثر هذه الاستثمارات على السيادة والتنمية المستدامة في دول المنطقة. ففي الوقت الذي توفر فيه هذه المشاريع فرصًا للنمو الاقتصادي، فإنها قد تحمل أيضًا مخاطر التبعية وغياب القرار الوطني المستقل. ويبقى التحدي الرئيسي أمام دول القرن الإفريقي هو تحقيق توازن دقيق بين جذب الاستثمارات والحفاظ على استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى