غير مصنف

أ.د. هاني جرجس عياد يكتب.. الربح السريع فخّ بطيء: عودة بونزي في ثوب رقمي جديد

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا - الولايات المتحدة

في السنوات الأخيرة، انتشرت على نطاق واسع قصص عن أشخاص ربحوا مبالغ ضخمة من الإنترنت، أو من “منصات استثمارية عالمية”، تعد بعوائد خيالية في وقت قصير. هذه القصص تغري الكثيرين، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والرغبة في تحقيق “الحرية المالية”. لكن في المقابل، ظهرت أيضًا مئات القصص المأساوية لأشخاص خسروا مدخراتهم، وباعوا ممتلكاتهم، بل وتدهورت علاقاتهم الأسرية والاجتماعية بعد اكتشافهم أنهم وقعوا ضحية لمشروعات وهمية أو أنظمة احتيالية. نحن لا نرفض فكرة الاستثمار أو الاستفادة من التكنولوجيا، لكن نحذّر من سوء استخدامها واستغلالها في الإيقاع بالبسطاء، فالفهم والوعي هما السلاح الأول لحماية النفس من الوقوع في فخاخ الربح الزائف.

 

يبدأ الاحتيال عادة بخطوة صغيرة تُبنى على الثقة. أحمد، شاب جامعي، وثق في صديقه محمود الذي أقنعه بالاشتراك في مشروع “مضمون” مقابل دفع 5 آلاف جنيه. لم يسأل أحمد عن تفاصيل النظام أو عن ترخيصه القانوني، بل اكتفى بثقته في صديقه. بعد أن دخل المشروع وبدأ في إقناع غيره بالانضمام، اكتشف لاحقًا أنه كان ضحية لنظام هرمي يعتمد على جلب مشتركين جدد فقط. انهار النظام، وضاعت الأموال، وتبخّرت الثقة. القصة الواقعية هذه تختصر جوهر التسويق الهرمي: استثمار العلاقات بدل الأفكار، واستغلال الثقة بدل تقديم منتج حقيقي.

في التسويق الهرمي، تتحول العلاقات الاجتماعية إلى رأس مال فعلي. فالأرباح لا تأتي من بيع منتج أو تقديم خدمة؛ بل من انضمام أفراد جدد يدفعون أموالًا يستفيد منها السابقون. إنها عملية احتيال مقنّعة تستبدل الشفافية بالثقة، والإقناع العاطفي بالحجة الاقتصادية. حين يرى شخص ما صديقه يربح، يظن أن النظام فعّال، دون أن يدرك أن تلك الأرباح تُدفع من أموال الآخرين وليس من أي استثمار حقيقي، فيتكرر النمط في دائرة من الخداع المتسلسل حتى ينهار الهرم على رؤوس الجميع.

من الناحية النفسية والاجتماعية، يقوم هذا النوع من الأنظمة على ما يُعرف بـ”العدوى الاجتماعية”، حيث تنتقل القرارات الاقتصادية من شخص إلى آخر عبر التأثير العاطفي وليس المنطق. يبدأ شخص واحد بالاقتناع، فيؤثر على صديقه، ثم عائلته، حتى يتكوّن مجتمع صغير من الثقة المزيفة. وعندما ينهار النظام، لا يخسر الناس أموالهم فقط، بل يخسرون روابطهم الإنسانية؛ فالثقة التي بُنيت في سنين، قد تنهار في أسبوع. هذه الخسارة غير المادية – خسارة الثقة – هي أخطر ما تتركه الأنظمة الهرمية وراءها.

اقتصاديًا، يُصنَّف التسويق الهرمي ضمن ما يُعرف بمخططات بونزي، نسبة إلى تشارلز بونزي الذي اشتهر في القرن العشرين بابتكاره لنظام احتيالي يقوم على دفع أرباح المستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد. هذا النموذج لا يعتمد على أي نشاط اقتصادي حقيقي؛ بل على تدفق مستمر للأموال من الداخلين الجدد. بمجرد توقف هذا التدفق، ينهار النظام تمامًا. ولهذا السبب، حظر معظم دول العالم هذا النوع من الأنشطة، لما تسببه من خسائر مالية واجتماعية جسيمة.

الفرق الجوهري بين التسويق الهرمي الاحتيالي والتسويق الشبكي المشروع، يكمن في وجود منتج حقيقي وقيمة اقتصادية. في التسويق الشبكي المشروع، تُبنى الأرباح على بيع منتجات فعلية لها سوق وقيمة ملموسة، بينما في التسويق الهرمي لا يوجد منتج أو يكون مجرد غطاء رمزي. الأرباح تُموّل من أموال الداخلين الجدد، وليس من مبيعات حقيقية، مما يجعل النظام غير مستدام قانونيًا أو اقتصاديًا.

من منظور الاقتصاد السلوكي، تنجح هذه الأنظمة لأنها تستغل العواطف البشرية؛ مثل الطمع، والأمل، والخوف من ضياع الفرصة. وعود مثل “اكسب آلاف الدولارات من المنزل” أو “حقق الحرية المالية في ثلاثة أشهر” تغلق التفكير النقدي وتفتح الباب للاندفاع. أما من منظور علم الاجتماع الاقتصادي، فإن هذه الأنظمة تزدهر في المجتمعات التي تعاني من البطالة وضعف الرقابة وغياب الثقة في المؤسسات الرسمية. حين تصبح الثقة شخصية أكثر منها مؤسسية، يسهل استغلالها من قبل المحتالين.

أما من ناحية نظرية الثقة، فهذه الأنظمة تقوم على تحويل الثقة إلى أداة اقتصادية. فالمشاركون لا يقتنعون بالنظام لأنه منطقي؛ بل لأن شخصًا قريبًا منهم يثق فيه. وهنا يحدث نوع من “التواطؤ الاجتماعي غير المقصود”، حيث يُعيد الضحية نشر الخدعة ظنًا منه أنه يقدم فرصة مفيدة لغيره، بينما هو في الحقيقة يسهم في توسيع دائرة الضرر.

وقد حذّرت الجهات الرسمية في مصر؛ مثل البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من التعامل مع منصات استثمار غير مرخّصة أو مشروعات تسويق شبكي مشبوهة. وأكدت أن هذه الأنشطة تُعد مخالفة للقانون وتعرّض المشاركين فيها للمساءلة الجنائية. كما شددت دار الإفتاء على حرمة هذه الأنظمة، لأنها تقوم على الغرر وأكل أموال الناس بالباطل.

الخلاصة أن الأنظمة الهرمية لا تسرق المال فقط؛ بل تسرق الثقة، وتستبدل بالعلاقات الإنسانية، التلاعب المالي. لذا يجب علينا أن نسأل قبل أن ندفع، ونتحقق من الترخيص والمصدر، ونفصل بين العاطفة والقرار المالي. فلا تصدق من يقول لك “الفرصة لا تُفوّت”، أو “الربح مضمون”، لأن القاعدة الذهبية التي يجب ألا تُنسى هي: “إذا لم تفهم من أين يأتي الربح… فغالبًا أنت السلعة”.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى