إشادة دولية بأفكار الشرفاء الحمادي في معرض نواكشوط الدولي للكتاب والحضور الاستثنائي لوفد المؤسسة
مؤسسة "رسالة السلام" تمدّ جسور الفكر من القاهرة إلى نواكشوط

مجدي طنطاوي المدير العام لمؤسسة “رسالة السلام العالمية”: المشاركة في المعرض تأتي ضمن استراتيجية شاملة لمدّ جسور التواصل بين مراكز الفكر والإعلام في العالم العربي وأفريقيا
محمد فتحي الشريف رئيس مركز “العرب” للأبحاث وعضو مجلس إدارة مؤسسة “رسالة السلام”: حضور المؤسسة في موريتانيا خطوة ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز الفكر التنويري في الفضاء الأفريقي
د. عبد الراضي رضوان نائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة “رسالة السلام العالمية”: السلام يبدأ من الوعي.. رسالتنا نشر فكرٍ يصون الإنسان قبل الأوطان
خالد العوامي مدير تحرير “أخبار اليوم” وعضو مجلس إدارة مؤسسة “رسالة السلام”: منبر التنوير لا يكتمل بلا إعلامٍ مسؤول.. ومصر ماضية في أداء دورها الثقافي نحو أفريقيا
الباحث حي معاوية حسن مسؤول مؤسسة “رسالة السلام” في موريتانيا: نواكشوط على خريطة التنوير.. حضور “رسالة السلام” يعيد للثقافة بعدَها الإنساني المشترك
نواكشوط- محمد الشرقاوي
في قلب نواكشوط، حيث تتقاطع الصحراء مع نسمات الفكر، برز جناح مؤسسة “رسالة السلام العالمية” كأحد أكثر أركان معرض نواكشوط الدولي للكتاب – النسخة الأولى، جذبًا للحضور والنقاش.
وجاءت المشاركة لتكرّس حضور المؤسسة في الساحة الفكرية الأفريقية، عبر طرحها نموذجًا متفردًا للفكر الوسطي الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، ويعيد الاعتبار لقيمة العقل في فهم النصوص ومواجهة التطرف.
وعلى امتداد أيام المعرض، شكّل جناح المؤسسة منصة حوار مفتوحة بين مفكرين وأكاديميين وشباب باحثين عن خطاب ديني يعيد التوازن بين الإيمان والعقل، حيث قدّمت المؤسسة من خلال مؤلفات المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، رؤية إصلاحية متكاملة تنطلق من القرآن الكريم مصدرًا للهداية، داعيةً إلى مراجعة الموروث الذي شوّه صورة الإسلام وأربك وعي الأجيال.
لم تكن مشاركة “رسالة السلام” حدثًا عابرًا في جدول المعرض؛ بل محطة فكرية سلطت الضوء على مشروع ثقافي عربي يتجه بثقة نحو أفريقيا، فمن القاهرة إلى نواكشوط، تواصل المؤسسة مسارها في دعم قيم السلام والتسامح، مؤمنة بأن التنوير لا يتحقق بالخطاب الوعظي فقط؛ بل بالحضور الفاعل في الميادين الثقافية الكبرى التي تصنع الوعي وتبني الإنسان.

انطلاقة نواكشوط.. الثقافة الموريتانية تفتح أبوابها للعالم
شهدت العاصمة الموريتانية نواكشوط انطلاق النسخة الأولى من معرض نواكشوط الدولي للكتاب، في حدث وُصف بأنه نقلة نوعية في المشهد الثقافي للبلاد، إذ نجحت وزارة الثقافة والشباب والرياضة والعلاقات مع البرلمان، في تنظيم أول تظاهرة فكرية بهذا الحجم، تحت رعاية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وجاءت الدورة الأولى لتؤكد أن موريتانيا لم تعد هامشًا ثقافيًا في العالم العربي؛ بل صارت فاعلًا جديدًا يسعى لاستعادة موقعه في الخريطة الفكرية والإبداعية للقارة الأفريقية.
وحملت أروقة المعرض مزيجًا من الحماس والتنوع، إذ شارك أكثر من ثمانين دار نشر عربية وأفريقية، وقدّمت مئات الإصدارات في مجالات الفكر والدين والسياسة والآداب، بينما تحوّل الحدث إلى ملتقى للحوار بين النخب الثقافية وصنّاع الكتاب في المنطقة.
ودفع هذا الزخم كثيرين لوصف المعرض بأنه إعلان ميلاد “عاصمة جديدة للكتاب العربي في الصحراء الكبرى”، خصوصًا مع ازدياد الحضور الرسمي والإعلامي والزائرين من داخل موريتانيا وخارجها.
في هذا السياق، جاءت مشاركة مؤسسة “رسالة السلام” كأحد أبرز مظاهر الحضور الفكري العربي داخل المعرض، فبينما توزعت أجنحة العرض بين مؤلفات أدبية وتجارية، بدا جناح المؤسسة مختلفًا في طرحه؛ إذ حمل رسالة فكرية تتجاوز حدود الورق نحو إعادة بناء الوعي الديني والمجتمعي على أسس قرآنية أصيلة.

ولفت الحضور المتنوع للمؤسسة انتباه المنظمين والزوار على حد سواء، لما جسده من تناغم بين فكر إصلاحي رصين ومضمون إنساني شامل يضع “الإنسان” في قلب أي مشروع نهضوي.
وقد جاءت هذه المشاركة تتويجًا لمسار متصاعد من التعاون الفكري بين موريتانيا والمؤسسات البحثية العربية، في ظل سعي نواكشوط لترسيخ هويتها الثقافية بوصفها جسرًا معرفيًا بين المغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء.
كما شكّلت الدورة الأولى للمعرض اختبارًا ناجحًا لقدرة الدولة الموريتانية على تنظيم تظاهرة بحجم إقليمي، إذ أظهرت كفاءة لوجيستية وتنظيمية لافتة، ومناخًا من الانفتاح الثقافي يعيد إلى الأذهان صورة موريتانيا القديمة كـ”بلد المليون شاعر”، لكن بثوب معاصر يتفاعل مع قضايا الفكر الديني والاجتماعي بلغة المستقبل.
ومن هذا المنطلق، بدت مشاركة مؤسسة “رسالة السلام” امتدادًا طبيعيًا لمشروع نواكشوط الثقافي، إذ التقت رسالتها الإصلاحية مع طموح الدولة الموريتانية في بناء فضاء فكري عربي أفريقي جديد، يوازن بين الأصالة الدينية والتحديث المعرفي.
الثقافة الموريتانية تحتفي بـ”رسالة السلام”
شكّلت زيارة وزير الثقافة والشباب والرياضة والعلاقات مع البرلمان، السيد الحسين ولد مدو، لجناح مؤسسة “رسالة السلام” واحدة من أبرز محطات معرض نواكشوط الدولي للكتاب، إذ عكست حجم التقدير الرسمي للمؤسسة ودورها الفكري والإصلاحي في الساحة العربية والأفريقية.
وخلال الزيارة، التي خصّها الوزير بوقت مطوّل، اطّلع على مؤلفات المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، وتوقف عند كتاب “الطلاق يهدد أمن المجتمع” الذي أثار اهتمامه لما يحتويه من مقاربة فكرية تربط بين قيم الدين ومقتضيات الأمن الاجتماعي.
وفي لقائه مع وفد المؤسسة برئاسة الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي، المدير العام للمؤسسة ومدير تحرير جريدة الجمهورية، والكاتب الصحفي محمد فتحي الشريف مدير مركز “العرب” للدراسات والأبحاث، وبمشاركة الدكتور عبد الراضي رضوان نائب رئيس مجلس الأمناء بالقاهرة، وعميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والكاتب والباحث حي معاوية مدير فرع المؤسسة في موريتانيا، أعرب الوزير عن إعجابه بالمشروع الفكري للمؤسسة وبمنهجها القرآني في تجديد الخطاب الديني، مؤكدًا أن هذه الرؤية الإصلاحية تمثل إضافة نوعية للمشهد الثقافي العربي، وتنسجم مع توجهات موريتانيا نحو ترسيخ الاعتدال والتنوير.

كما زار جناح المؤسسة عدد من الشخصيات العامة والأكاديمية، من بينهم رئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية وعدد من نواب البرلمان الموريتاني، إلى جانب وفود من أساتذة الجامعات والمفكرين والإعلاميين، الذين أبدوا اهتمامًا واضحًا بمحتوى الإصدارات الفكرية للمؤسسة، وتم الاتفاق على بحث آليات التعاون الفكري والإعلامي لتعزيز حضور الخطاب المعتدل في الفضاء العام.
وشهد الجناح أيضًا توافد طلاب الجامعات والباحثين، الذين رأوا في مؤلفات المفكر علي الشرفاء منبعًا لفهم جديد للنص القرآني بعيدًا عن التفسيرات المتوارثة، كما أعربت مؤسسات أكاديمية موريتانية عن رغبتها في إدراج بعض مؤلفات المؤسسة ضمن مناهج البحث والدراسة، لما تحمله من طابع علمي رصين يزاوج بين الإيمان والعقل.
وقد جاءت التغطيات الإعلامية الموريتانية لتواكب هذا الاهتمام، إذ بثّت القناة الرسمية تقريرًا مصورًا عن جناح المؤسسة ولقاءً موسعًا مع وفدها، أبرزت خلاله جهودها في نشر ثقافة السلام والتسامح ومواجهة الفكر المتشدد بطرح علمي منفتح، وأشادت الصحف والمواقع الإخبارية العربية والأفريقية بثراء إصدارات المؤسسة وتنوّعها بين الكتب الفكرية والدراسات الدينية والموسوعات الثقافية.
وفي هذا السياق، برز الدور المعرفي للكاتب الصحفي محمد فتحي الشريف، الذي أوضح أن حضور المؤسسة في موريتانيا ليس مجرد مشاركة رمزية؛ بل خطوة ضمن إستراتيجية أوسع لتعزيز الفكر التنويري في الفضاء الأفريقي الناطق بالعربية، وبناء جسور تواصل مع النخب الأكاديمية في الساحل والصحراء.
كما أطلقت المؤسسة خلال مشاركتها، سلسلة من الندوات الفكرية المفتوحة التي تناولت قضايا الإصلاح الديني وإعادة بناء الخطاب الثقافي على أسس إنسانية، وقد ثمّن المشاركون من الباحثين الموريتانيين والأفارقة منهج المؤسسة في ترسيخ ثقافة الحوار ونبذ الانغلاق، معتبرين أن هذا الحضور المؤسسي من القاهرة إلى نواكشوط يبعث برسالة إيجابية عن الدور المصري في دعم التنوير ومقاومة التطرف بالفكر والمعرفة.
وفي حديث حول فلسفة المؤسسة، يؤكد الدكتور عبد الراضي رضوان أن مشروع “رسالة السلام” لا يُقاس بحجم ما يُنشر من كتب، بقدر ما يُقاس بما يتركه من أثر في وعي الناس، مشيرًا إلى أن السلام الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن المؤسسة تعمل على نشر فكر يصون الإنسان قبل الأوطان، من خلال العودة إلى القيم القرآنية الأصيلة التي تنبذ العنف وتؤسس لحوارٍ حضاريّ جامع.
ومن جانبه، يرى الإعلامي خالد العوامي، مدير تحرير “أخبار اليوم” وعضو مجلس إدارة مؤسسة “رسالة السلام”، أن الدور التنويري لا يكتمل دون إعلامٍ مسؤولٍ قادر على ترجمة الفكر إلى وعيٍ عام، موضحًا أن حضور المؤسسة في نواكشوط يعكس إصرار مصر على أداء دورها الثقافي في القارة الأفريقية، عبر مبادرات فكرية تُعيد الثقة في قوة الكلمة، وتربط الصحافة بالمشروع الحضاري الأوسع الذي تتبناه الدولة المصرية.
أما الباحث حي معاوية حسن، مسؤول مؤسسة “رسالة السلام” في موريتانيا، فقد عدّ مشاركة المؤسسة في المعرض تمثل نقطة تحول في المشهد الثقافي المحلي، معتبرًا أن نواكشوط دخلت فعليًا خريطة التنوير العربي والأفريقي، وأن حضور “رسالة السلام” أعاد للثقافة الموريتانية بعدها الإنساني المشترك، من خلال طرح يجمع بين الأصالة الدينية والانفتاح على قضايا العصر.

الدبلوماسية الثقافية في الميدان.. حضور استثنائي ورسائل متعددة
لم تكن مشاركة مؤسسة “رسالة السلام” في معرض نواكشوط الدولي للكتاب مجرد حضور رمزي؛ بل جاءت كتحرك فعلي ضمن مشروع متكامل لتكريس «الدبلوماسية الثقافية» كأداة ناعمة لترسيخ قيم السلام والفكر الوسطي في الفضاء العربي والأفريقي.
فالمؤسسة، التي اعتادت تجاوز حدود الجغرافيا نحو بناء جسور فكرية عابرة، وجدت في العاصمة الموريتانية منصة لتجسيد هذا الدور، مستفيدة من الرمزية الثقافية لموريتانيا كحاضنة علمية وتاريخية للفقه واللغة ومركز تفاعل بين الشمال العربي والعمق الأفريقي.
وخلال المعرض، لاقت إصدارات المؤسسة – التي تنوعت بين كتب فكرية ونصوص بحثية ودراسات مقارنة – إقبالًا لافتًا من الزوار والباحثين وطلبة الجامعات، حيث شكّلت منصة المؤسسة مساحة للحوار والنقاش حول مفاهيم تجديد الخطاب الديني، ونبذ التطرف، واستعادة القيم الإسلامية الأصيلة في مواجهة الانحرافات الفكرية، وقد تميز جناح المؤسسة بتنوع برامجه اليومية من ندوات وحلقات نقاش، عكست مدى عمق الرؤية الفكرية التي تنطلق منها المؤسسة ورسالتها الإصلاحية.
كما مثّلت اللقاءات الثنائية التي أجراها الوفد المصري – بقيادة الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي المدير العام للمؤسسة – محورًا مهمًا في الحراك الثقافي للمعرض؛ فقد التقى الوفد بعدد من المسؤولين الموريتانيين والمفكرين والأدباء، من بينهم وزير الثقافة والشباب والرياضة والعلاقات مع البرلمان محمد ولد اسويدات، وعدد من مديري دور النشر المحلية، فضلًا عن مثقفين من دول الساحل وغرب أفريقيا.

وشارك في هذه اللقاءات كل من الكاتب الصحفي محمد فتحي الشريف مدير مركز “العرب” للدراسات والأبحاث، والدكتور عبد الراضي رضوان، والكاتب الصحفي أسامة إبراهيم عضو المكتب التنفيذي للمؤسسة، والكاتب الصحفي خالد العوامي مدير تحرير بوابة “أخبار اليوم”، والكاتب حي معاوية مدير مؤسسة “رسالة السلام” في موريتانيا، ومحمد السالك مدير مكتب المؤسسة في السنغال.
كما أشار محمد فتحي الشريف إلى أن هذا الحضور النوعي لمؤسسة مصرية في حدث ثقافي أفريقي، يُجسّد فكرة «القوة الناعمة الجديدة» التي تعتمدها مصر في استراتيجيتها الإقليمية، مؤكدًا أن الثقافة ليست مجرد مجال ترفيهي؛ بل أداة استراتيجية لصياغة الوعي الجمعي وتعزيز الروابط الحضارية بين الشعوب.
وأكد الشريف أن مشاركة المؤسسة تحمل بُعدًا يتجاوز التبادل المعرفي، لتكون خطوة في مسار بناء «حلف فكري» بين النخب العربية والأفريقية في مواجهة الأيديولوجيات المنغلقة التي عطلت تطور المجتمعات.
وشهدت التغطيات الإعلامية الواسعة التي حظيت بها مشاركة المؤسسة، اهتمامًا خاصًا من وسائل الإعلام الموريتانية والأفريقية، التي أبرزت في تقاريرها دلالة الحضور المصري القوي، واهتمام القاهرة بدعم المبادرات الفكرية في القارة.
وأفردت الصحف والفضائيات مساحات لتغطية فعاليات جناح المؤسسة، ولقاءات أعضائها مع المثقفين والإعلاميين، ما أسهم في ترسيخ صورة إيجابية عن دور المؤسسة كمظلة فكرية تعمل من أجل السلام والاعتدال.
وتوج هذا النشاط المكثف بمشاركة الوفد في عدد من الفعاليات الجانبية للمعرض؛ منها ندوة حول «مستقبل الخطاب الديني في أفريقيا»، وأخرى بعنوان «الكتاب في مواجهة العنف الفكري»، حيث قدّم المشاركون رؤى تحليلية حول تجديد الفكر الإسلامي وأهمية ترسيخ قيم التسامح والعيش المشترك.
كما أعلن الوفد خلال الندوة، عن خطة المؤسسة لإطلاق برنامج تعاون مشترك مع مؤسسات فكرية موريتانية وسنغالية لإعداد مشاريع بحثية تُعنى بمكافحة الفكر المتطرف وإحياء التراث التنويري.
وبهذا الزخم، أثبتت المؤسسة أن مشاركتها لم تكن بروتوكولية؛ بل امتدادٌ لمسار فكري مستمر يعيد الاعتبار للثقافة كركيزة للاستقرار والتنمية، ورسالة واضحة بأن الكلمة يمكن أن تكون أبلغ من القوة، حين تصدر من عقلٍ مؤمن بالسلام وعزمٍ يستند إلى الوعي والمعرفة.

رسائل السلام.. من نواكشوط إلى العمق الأفريقي
جاءت مشاركة مؤسسة “رسالة السلام” في معرض نواكشوط الدولي للكتاب، امتدادًا طبيعيًا لتحرك ثقافي مصري أوسع بات يستهدف إعادة التموضع داخل الفضاء الأفريقي، من خلال أدوات الفكر والثقافة لا منطق النفوذ الصلب وحده.
فالمؤسسة التي ترفع شعار «السلام طريق الحياة» تعمل وفق رؤية تتقاطع مع فلسفة الدولة المصرية في السنوات الأخيرة، حيث اتجهت القاهرة إلى تفعيل قوتها الناعمة عبر دعم المؤسسات الثقافية والفكرية والتعليمية في القارة، تأكيدًا على أن استعادة الحضور المصري لا تمر فقط عبر السياسة أو الاقتصاد، بل أيضًا عبر تجديد الخطاب وبناء جسور إنسانية تتجاوز الانقسامات القديمة.
وفي هذا الإطار، مثّلت تجربة المؤسسة في نواكشوط نموذجًا تطبيقيًا للدبلوماسية الثقافية الفاعلة؛ إذ لم تكتفِ بتقديم إصداراتها، بل أسست لحالة من التواصل المباشر بين النخب الفكرية الأفريقية والعربية.

وقد تحولت أجنحة المؤسسة إلى فضاء حواري مفتوح، تقاطعت فيه الرؤى بين مفكرين من موريتانيا والسنغال ومالي والنيجر، حول سبل حماية الهوية الثقافية في مواجهة محاولات التغريب والتطرف على السواء، وهو ما منح الحضور المصري بعدًا حضاريًا عميقًا يعيد للأذهان الدور التاريخي الذي لعبته القاهرة في التنوير والتعليم داخل القارة منذ خمسينيات القرن الماضي.
وأوضح الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي، المدير العام للمؤسسة، أن المشاركة في المعرض تأتي في سياق استراتيجية شاملة لمدّ جسور التواصل بين مراكز الفكر والإعلام في العالم العربي وأفريقيا، مؤكدًا أن الحضور المصري في نواكشوط يمثل خطوة في مسار طويل يستهدف تأسيس شراكات معرفية تُسهم في إنتاج خطاب جديد يعيد للثقافة مكانتها كعنصر مؤثر في التنمية.
وأضاف طنطاوي أن المؤسسة تؤمن بأن “المثقف صانع وعي قبل أن يكون ناقل معرفة”، وأن من واجب المؤسسات الفكرية أن تتحرك ميدانيًا لمواجهة الفراغ الذي تتركه القوى المتطرفة في المجتمعات الفقيرة بالوعي.
وأكد الدكتور عبد الراضي رضوان، أن هذا الانفتاح الثقافي في نواكشوط يعكس جوهر رسالة المؤسسة القائمة على «الاجتهاد الفكري المنضبط بالوعي الحضاري»، مشيرًا إلى أن الفكر المصري الوسطي كان ولا يزال مرجعًا أساسيًا لمدارس العلم في أفريقيا، وأن إعادة وصل هذا الإرث تعد أولوية في مواجهة تيارات التطرف والعنف التي ضربت المنطقة.
وشدد على أن العمل الفكري لا ينفصل عن مسؤولية البناء الاجتماعي، وأن الثقافة يمكن أن تكون مدخلًا لإعادة ترميم الوعي الجمعي بما يحصّن الأجيال القادمة من الوقوع في فخ الأيديولوجيات الهدامة.
ولم يكن اختيار موريتانيا مصادفة، فهي بوابة المغرب العربي على أفريقيا، وتشكل أرضًا خصبة للحوار بين المشرق والمغرب والجنوب الأفريقي، ما جعل حضور مؤسسة مصرية في هذا المحفل الثقافي بمثابة إعلان عن استعادة الدور الثقافي المصري في فضاء ظلّ لعقود بعيدًا عن الحراك المعرفي العربي.

وهنا برز الدور الفاعل لكل من حي معاوية، مدير مؤسسة “رسالة السلام” في موريتانيا، ومحمد السالك مدير مكتب المؤسسة في السنغال، اللذين شكّلا جسرًا للتواصل الميداني مع المثقفين المحليين، ونسّقا العديد من الزيارات واللقاءات التي رسّخت حضور المؤسسة في الوعي الثقافي الموريتاني والأفريقي.
كما أشار الكاتب الصحفي محمد فتحي الشريف، مدير مركز “العرب” للدراسات والأبحاث، إلى أن هذه الأنشطة تضع المؤسسة ضمن خريطة القوى الفكرية الفاعلة في أفريقيا، وتفتح الباب أمام مبادرات بحثية مشتركة يمكن أن تتحول إلى مراكز دراسات متخصصة في الفكر الوسطي وقضايا التنمية والهوية.
وأكد أن التحرك الثقافي المصري لا يمكن فصله عن مفهوم الأمن الفكري الإقليمي، لأن مواجهة التطرف في القارة لا تتحقق بالقوة الأمنية وحدها؛ بل عبر بناء منظومات فكرية متماسكة تُعيد تعريف الانتماء الوطني والديني في سياق إنساني أرحب.
لقد أثبتت تجربة نواكشوط أن الثقافة لا تزال قادرة على لعب دور استراتيجي في تحقيق التوازنات الإقليمية، وأن المؤسسات الفكرية المصرية تمتلك من الخبرة والرصيد التاريخي ما يؤهلها لقيادة موجة جديدة من «التنوير الأفريقي» القائم على العقل والانفتاح. ومن هذا المنطلق، تمثل مشاركة مؤسسة “رسالة السلام” خطوة متقدمة في مشروع متكامل يعيد توجيه البوصلة نحو أفريقيا باعتبارها فضاء المستقبل، حيث تتقاطع التحديات مع الفرص، ويصبح الاستثمار في الوعي هو الضمانة الأولى لتحقيق السلام الحقيقي.



