أشرف عثمان يكتب.. ليلى إبراهيم حسن… وجع إنسان وأمل في إنصاف لا يتأخر

مأساة تهز القلب
لم أكن أتصور يومًا أن يصل الوجع الإنساني إلى هذا الحد في وطنٍ نؤمن أنه سند لكل من أفنى عمره في خدمته. سيدة مسنة، أنهكتها السنوات وخذلتها الظروف، تُلقى خارج مأواها بهذه القسوة، محرومة من الأمان الذي هو أبسط حقوق الإنسان. إن ما حدث لا يمس حالة فردية عابرة، بل يمس ضمير المجتمع كله، ويوقظ في القلب إحساسًا عميقًا بالألم والحزن، وكأن الكرامة نفسها قد جُرحت في صمت لا يسمعه إلا أصحاب الضمائر الحية.
من هي ليلى إبراهيم حسن؟
ليلى إبراهيم حسن ليست مجرد اسم في واقعة إنسانية مؤلمة، بل مهندسة بارزة في مجال الطاقة الذرية، أفنت سنوات عمرها في خدمة الدولة بعلمها وخبرتها في مجال دقيق يرتبط بالتقدم العلمي والمصلحة الوطنية. هذه السيرة وحدها كفيلة بأن تجعل إنصافها واجبًا معنويًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا، وأن تتحول قضيتها إلى مسؤولية إنسانية ووطنية تعكس تقدير الدولة لمن خدموها بإخلاص.
كما أن ليلى إبراهيم حسن إنسانة وحيدة بلا أسرة، ولا ينبغي أن يكون غياب الأسرة سببًا في تضاعف الألم أو انكشاف الإنسان أمام القسوة. فالمجتمع في جوهره هو الأسرة الكبرى، ومن لا سند عائلي له يجب أن يجد في المجتمع سندًا بالخبز والمودة والقانون والتكافل، لا أن يُترك لمواجهة الظلم في عزلة موجعة.
القسوة وخيانة المحامي المؤتمن
لم يكن الألم في فقد المأوى وحده، بل امتد ليشمل وقائع اقتحام واستيلاء على متعلقاتها، في مشهد تتجسد فيه القسوة بأبشع صورها. والأشد وجعًا أن يتقاطع ذلك مع تقاعس المحامي المؤتمن عن أداء واجبه المهني في المتابعة ورفع الدعاوى اللازمة، وهو ما يضاعف الضرر الإنساني والنفسي، ويترك إنسانة مسنة في مواجهة إجراءات قانونية معقدة دون سند فعلي يحمي حقوقها.
إن خذلان الضعيف لا يكون بالفعل المباشر فقط، بل قد يكون أيضًا بالإهمال والتقصير، حين يُترك صاحب الحق دون دفاع أو متابعة في لحظة يكون فيها في أمسّ الحاجة إلى الحماية القانونية.
تدخل الدولة ونقابة المحامين… ضرورة إنسانية عاجلة
يثمَّن دور وزارة التضامن الاجتماعي التي قامت بما يمليه واجبها الإنساني والمؤسسي، حين سارعت إلى توفير الرعاية ونقل ليلى إبراهيم حسن إلى دار رعاية تحفظ سلامتها وكرامتها، وهو تدخل يعكس مسؤولية اجتماعية أصيلة ويُعد في نطاق اختصاصها أقصى ما يمكن تقديمه من دعم إنساني مباشر. غير أن حجم ما تعرضت له من أذى يتجاوز حدود الرعاية الاجتماعية وحدها، ويستدعي استكمال الحماية عبر المسارات القانونية والمؤسسية الأخرى.
ومن هذا المنطلق، يبرز النداء إلى النيابة العامة الموقرة لفتح تحقيق شامل في واقعة اقتحام المسكن وما ارتبط بها من اعتداء أو استيلاء على الممتلكات، وفحص المسؤوليات القانونية لكل من صاحب العقار والبواب في ضوء ما تسفر عنه التحقيقات، ضمانًا لسيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية.
كما يتجه النداء إلى نقابة المحامين، باعتبارها صمام الأمان لشرف المهنة، لبحث مدى الالتزام بالواجبات المهنية في هذه الواقعة، واتخاذ ما تراه مناسبًا وفقًا لأحكام القانون والتقاليد المهنية، بما يعيد الطمأنينة إلى نفوس المواطنين بأن الأمانة القانونية لا تُترك دون مساءلة، خاصة حين يتعلق الأمر بإنسانة مسنة بلا سند أسري.
وفي السياق ذاته، فإن الرجاء موجَّه إلى الجهات القانونية المختصة بالدولة للنظر في اتخاذ الإجراءات المدنية اللازمة لحماية حقوقها واسترداد ممتلكاتها، وتقدير التعويض العادل عن الأضرار المادية والنفسية والأدبية، وذلك في إطار رعاية قانونية مؤسسية تراعي حالتها الإنسانية وتجنبها مشقة السعي والإجراءات.
وهذا النداء لا يصدر من باب اللوم أو التقصير، بل من باب الثقة العميقة في مؤسسات الدولة، وإيمانٍ راسخ بأن العدالة في مصر لا تتأخر حين تتكامل الأدوار وتتحرك الضمائر المؤسسية لإنصاف المظلوم.
صرخة في وجه الصمت الإنساني
إن إنصاف ليلى إبراهيم حسن ليس شأنًا فرديًا، بل هو رسالة مجتمعية بأن الكرامة لا تسقط بالعمر، وأن من خدم الوطن لا يُترك وحيدًا في أضعف لحظاته. فالوطن الذي نريده هو وطن يحتضن أبناءه، خاصة أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمته، لا أن يواجهوا قسوة الحياة في عزلة موجعة.
خاتمة: وجع لا يُنسى وحق يجب أن يعود
إن قصة ليلى إبراهيم حسن وجع إنساني عميق قبل أن تكون قضية قانونية، وامتحان حقيقي لقيم الرحمة والعدل في المجتمع. إن إنصافها هو إنصاف لكل مسن، لكل وحيد، ولكل من أعطى عمره للوطن ثم وجد نفسه في مواجهة القسوة بلا سند.
نداء إلى مؤسسات الدولة: احتواءٌ وعدلٌ يُعيد الكرامة ويجبر الخاطر.
نداء إلى نقابة المحامين: ترسيخٌ لشرف المهنة وحمايةٌ للضعفاء قبل الأقوياء.
نداء إلى المجتمع: من لا أسرة له، فالمجتمع كله أسرته، بالمودة والقانون والتكافل.
فالحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع، والكرامة الإنسانية تظل مصونة ما دام في الوطن ضمير حي وعدالة تنتصر للإنسان قبل كل شيء



