رامي زهدي يكتب.. «مدرسة الحياة في إفريقيا.. التعليم الابتدائي بين قسوة الواقع وإشراقة المستقبل»
على مقعدٍ خشبي متهالك، تحت سقفٍ من الصفيح لا يحجب حرارة الشمس ولا يرد أمطار السماء، يجلس طفل إفريقي يرتدي زيًا بسيطًا، يحتضن كتابه كما لو كان أعز ما يملك في هذا العالم. لم يجد حقيبة مدرسية، فصنع واحدة من كيس بلاستيكي كي يحمي كتابه من المطر والتراب، لأن العلم بالنسبة إليه أثمن من أي شيء آخر.
اقرأ أيضا: رامي زهدي يكتب.. «التحالفات العسكرية الإقليمية في عالم مشتعل: إفريقيا في مرمى النيران الجيوسياسية»
فما بين الأمل والمعاناة، يظل التعليم الابتدائي في إفريقيا ليس مجرد مرحلة دراسية، بل هو “معركة وجودية” تخوضها القارة يوميًا لتأمين مستقبل أبنائها، في مواجهة دوامة من الأزمات الممتدة والمتراكمة، تبدأ من ضعف البنية التحتية وغياب المعلم المؤهل، ولا تنتهي عند شح التمويل، وانتشار النزاعات، ومعادلة الفقر المُركّبة التي تُحاصر المجتمعات على شفا الحرمان. ومع ذلك، فإن القارة ذاتها تُبرهن كل صباح، بإصرار أطفالها، أن شعلة التعلّم لن تنطفئ مهما اشتدت العواصف.
يصل عدد الأطفال في سن التعليم الابتدائي بإفريقيا إلى أكثر من 170 مليون طفل، منهم أكثر من 32 مليون طفل في سن التعليم الابتدائي لا يذهبون إلى المدرسة أي ما يعادل 20% من أطفال القارة.
بينما، نسبة الإكمال في التعليم الابتدائي تصل في بعض دول غرب ووسط إفريقيا إلى أقل من 50%.
وهكذا، يتراوح متوسط الإنفاق الحكومي على التعليم في إفريقيا بين 2% و4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل متوسط عالمي يقارب 5.8%،في وقت تُواجه المدارس الابتدائية نقصًا يقدر بأكثر من 17 مليون معلم بحلول عام 2030 لتلبية الطلب المتسارع.
كل هذه الأرقام والمؤشرات السلبية في ظل تحديات بنيوية وتشغيلية تعليم الابتدائي في إفريقيا، كضعف البنية التحتية المدرسية، حيث مدارس بلا أسوار، فصول بلا مقاعد، أسقف من القش أو الصاج المتهالك، وأدوات تعليمية بدائية؛ مما يجعل المدرسة في حد ذاتها بيئة طاردة لا جاذبة.
إضافة إلي غياب الموارد البشرية الكفؤة، وضعف التأهيل التربوي للمعلمين، وتدني الأجور، وارتفاع نسب التسرب المهني.
واعتماد التدريس التقليدي في ظل غياب الابتكارات التعليمية.
كذلك، الانفاق المحدود وضعف التمويل، وتكدس الطلاب في الفصول (قد تتجاوز الكثافة 60-80 تلميذًا في الفصل الواحد).، مع ندرة الوسائل التكنولوجية، والاعتماد الكبير على الدعم الدولي.
ثم نضيف الي كل ذلك المشكلات الاجتماعية والأمني، زواج القاصرات وعمالة الأطفال، واللذان يؤديان إلى التسرب المبكر من التعليم.
والنزاعات المسلحة والإرهاب في الساحل والصومال وشرق الكونغو والتي ترغم الأطفال على النزوح، وتشكل “مدارس الظل” في المخيمات.
ولايمكن اغفال البعد الثقافي واللغوي، فتعدد اللغات المحلية يُعيق الانتقال إلى المناهج الحديثة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية، وضعف الوعي المجتمعي بقيمة التعليم في بعض المناطق الريفية النائية.
وإن كان التعليم بصفة عامة جزء مهم من خطط التنمية في القارة فإن أهمية التعليم الابتدائي لأجندة إفريقيا 2063 هي الأبرز بالتأكيد،حيث يُعتبر القاطرة الأولى لبناء رأس مال بشري تنافسي عالميًا، كما يُعزز فرص النمو الاقتصادي (كل سنة تعليم إضافية تُزيد دخل الفرد بـ10% تقريبًا).
وكذلك، يُسهم في خفض معدلات الزواج المبكر والوفيات وسوء التغذية.
كما، يشكل أداة حاسمة في مواجهة التطرف والعنف، ومقدمة لنشر قيم المواطنة وبناء الدولة الوطنية.
ورغم كل شئ ظهرت تجارب ناجحة تُلهم القارة، كان منها تجربة رواندا، حيث تجربة ملهمة في التحول الرقمي المدرسي والتعليم الألكتروني وعن بعد،
في غانا وساحل العاج يطرحون وجبات مدرسية مجانية لمكافحة التسرب.
أما في مصر: تطوير نموذج “المدارس المجتمعية” و “مدارس الفصل الواحد” بالمناطق النائية.
في المغرب، اعتماد المدارس الجماعاتية لتقليل الهدر المدرسي في المناطق القروية.
وعبر رؤية مستقبلية، نتحرك من مدرسة بدائية إلى “مدرسة المستقبل”، فمن المتوقع أن يصل عدد الأطفال في سن الابتدائي بإفريقيا إلى 295 مليون طفل بحلول عام 2050، ما يضاعف من الحاجة إلى مضاعفة القدرات التعليمية الحالية 3 مرات على الأقل، ويدفع الدول الإفريقية إلى تبني نموذج تعليمي جديد يقوم على الدمج بين التعليم التقليدي والتعليم الرقمي عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية منخفضة التكلفة.
والإعتماد علي شراكات بين القطاعين العام والخاص لبناء وتشغيل المدارس.
وكذلك إدماج مناهج ريادة الأعمال المبكرة والمهارات الحياتية،والعمل الجاد علي عولمة المناهج مع مراعاة الخصوصية الثقافية واللغوية.
كما يجب علي دول وحكومات القارة العمل علي زيادة مخصصات التعليم إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وإطلاق صناديق تعليم وطنية، وإنشاء مدارس ذكية منخفضة التكلفة بالتعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية.
إضافة إلي، تطوير برامج لتدريب المعلمين وفقًا لمعايير دولية، وتصميم حوافز للأسر الريفية لإرسال أطفالها للمدارس (منح نقدية – غذاء – مواصلات).
ثم كذلك، تعزيز توظيف اللغة الأم في السنوات الأولى، مع الانتقال المتدرج إلى لغات التدريس العالمية، وربما ايضا، إشراك الجاليات الإفريقية بالمهجر في دعم التعليم الابتدائي (من خلال صناديق “أصدقاء المدرسة”)، وبناء شراكات إفريقية – إفريقية لتبادل التجارب والخبرات الناجحة في مجال التعليم.
ولأنطفل اليوم هو قائد الغد، سوف يظل التعليم الابتدائي في إفريقيا هو “معركة بقاء” وليست مجرد خدمة اجتماعية. نجاحها ينعكس مباشرة على قدرة القارة على اللحاق بركب التنمية العالمية، ويُعد أكبر استثمار في الإنسان الإفريقي ليقود القارة نحو مستقبل مزدهر. فرسالة الطفل الذي صنع حقيبة من كيس بلاستيكي انتصارًا للعلم تقول بوضوح: ما زال في إفريقيا أمل.. هذا الأمل اسمه التعليم.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



