
تداولت الأيام الأخيرة أخبارًا عن جهود نواب مجلس النواب لإنهاء واعتماد مخططات الأحوزة العمرانية، وهو أمر محمود بكل تأكيد، ويستحق التقدير، لما يمثله ملف الأحوزة العمرانية من أهمية مباشرة في حياة المواطنين وحقهم في الحصول على مسكن داخل إطار عمراني منظم وقانوني.
لكن وسط الحديث عن قرب انتهاء واعتماد المخططات، يظل هناك سؤال أهم من مجرد اعتمادها:
هل اعتماد الحيز العمراني هو الهدف؟
أم أن الهدف الحقيقي يجب أن يكون الوصول إلى مخططات عمرانية قادرة بالفعل على استيعاب المجتمع واحتياجاته الحالية والمستقبلية؟
فالأحوزة العمرانية القائمة تعود في أساسها إلى نحو عام 2007، أي أننا نتحدث عن فترة تقترب من عشرين عامًا. وخلال هذه السنوات تغيرت الخريطة السكانية والعمرانية بصورة كبيرة؛ فقد زاد عدد السكان، وتزايد عدد الأسر، وتغيرت احتياجات السكن، ونشأ جيل كامل داخل هذه القرى.
فالطفل الذي كان عمره خمس أو ست سنوات عند إعداد المخططات القديمة أصبح اليوم شابًا في سن الزواج وتكوين أسرة جديدة.
وهذه النقطة تحديدًا يجب ألا تغيب عن أي دراسة جديدة للأحوزة العمرانية.
جيل كامل نشأ خارج حسابات المخطط
عندما نتحدث عن الفجوة بين مخططات عام 2007 ومخططات عام 2026، فنحن لا نتحدث فقط عن زيادة في عدد السكان، وإنما عن تغير ديموغرافي وعمراني كامل.
فخلال ما يقرب من عقدين، لم يزد عدد السكان فقط، وإنما دخلت أعداد كبيرة من الشباب إلى مرحلة تكوين الأسر، وبالتالي نشأت احتياجات سكنية جديدة لم تكن موجودة عند إعداد المخططات السابقة.
ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
كم زاد عدد السكان؟
بل يجب أن نسأل أيضًا:
كم أسرة جديدة تكونت منذ عام 2007؟ وكم أسرة جديدة يُتوقع أن تتكون خلال السنوات المقبلة؟ وكم وحدة سكنية يحتاجها هذا المجتمع؟
فالاحتياج العمراني في النهاية لا يرتبط بعدد السكان وحده، وإنما يرتبط كذلك بعدد الأسر وتكوينها وحجمها ومعدلات نموها.
المواطن لا يبحث عن ختم على الخريطة
بالنسبة للمواطن، لا تمثل عملية اعتماد المخطط في حد ذاتها انفراجة حقيقية إذا لم تنعكس على أرض الواقع.
المواطن يريد أن يجد مساحة عمرانية قانونية ومنظمة يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيها، وأن يجد الشاب المقبل على الزواج إمكانية حقيقية للحصول على مسكن، وأن تتراجع الضغوط التي تدفع إلى البناء خارج الحيز أو ظهور أنماط عمرانية غير منظمة.
لذلك فإن نجاح الحيز العمراني الجديد لا يجب أن يقاس فقط بكونه أكبر من الحيز السابق، وإنما بمدى قدرته على استيعاب الاحتياجات العمرانية للمجتمع.
هل نخطط لعام 2026 أم نكرر افتراضات 2007؟
هذه هي النقطة التي تستحق اهتمامًا خاصًا.
إذا كانت الأحوزة الحالية قد أُعدت منذ نحو عام 2007، فإن المخططات الجديدة يجب ألا تكون مجرد تحديث للحدود القديمة، وإنما يجب أن تقوم على قراءة جديدة للواقع السكاني والعمراني.
يجب أن نعرف أين وصل عدد السكان، وكيف تغير توزيعهم، وكم عدد الأسر، وما حجم النمو المتوقع، وما الاحتياجات السكنية الناتجة عن هذا النمو.
كما يجب أن نعرف قدرة القرى على استيعاب هذا النمو من حيث الطرق والمرافق والخدمات والمدارس وغيرها من عناصر البنية العمرانية.
فإضافة مساحة جديدة إلى الحيز العمراني دون دراسة هذه العناصر قد تعني أننا نحل مشكلة اليوم ونترك مشكلة الغد تتشكل من جديد.
الحيز العمراني يجب أن يستوعب المستقبل
المطلوب ليس فقط أن يكون الحيز الجديد كافيًا لاستيعاب الوضع الحالي، وإنما أن يكون قادرًا على استيعاب جزء معتبر من النمو المتوقع خلال السنوات القادمة.
فالمخطط العمراني الجيد لا ينظر إلى المجتمع كما هو في لحظة اعتماده فقط، بل ينظر إلى اتجاهات نموه.
ومن هنا يجب أن تتضمن دراسة الحيز العمراني الجديدة مقارنة واضحة بين وضع عام 2007 ووضع عام 2026، ثم تقدير الاحتياجات المستقبلية بناءً على معدلات النمو السكاني وتكوين الأسر والطلب المتوقع على السكن.
وبذلك يصبح الحيز العمراني أداة للتخطيط، وليس مجرد خط مرسوم على الخريطة.
الإنجاز الحقيقي يبدأ بعد الاعتماد
لا شك أن الانتهاء من المخططات واعتمادها خطوة مهمة، ولكنها ليست نهاية المطاف.
فالختم الرسمي هو نهاية إجراء، بينما النجاح العمراني الحقيقي هو قدرة المخطط على حل المشكلة التي أُعد من أجلها.
ولهذا فإننا نأمل أن ينظر إلى ملف الأحوزة العمرانية لقرى طلخا ونبروه باعتباره ملفًا عمرانيًا وسكانيًا متكاملًا، وليس مجرد ملف إداري هدفه الوصول إلى الاعتماد.
نحن بحاجة إلى حيز عمراني يستوعب الواقع الحالي، ويأخذ في الاعتبار الجيل الذي نشأ خلال السنوات الماضية، ويستجيب لاحتياجات الأسر الجديدة، ويضع في حساباته النمو المتوقع خلال السنوات المقبلة.
فالاعتماد ليس هو الهدف.
الهدف أن يشعر المواطن بأن المخطط الجديد أحدث بالفعل انفراجة في احتياجاته العمرانية والسكنية، وأن أبناءه لن يواجهوا بعد سنوات قليلة المشكلة نفسها التي واجهها آباؤهم.
وفي النهاية، يمكن اختصار القضية كلها في جملة واحدة: لا نريد مجرد حيز عمراني جديد… نريد حيزًا عمرانيًا يستوعب مجتمع 2026 وما بعده.
فختم الاعتماد قد ينهي إجراءات المخطط، لكن الاستيعاب هو الذي يثبت نجاحه.



