ليبيا في 2025.. نشاط بارز للقيادة العامة.. والفريق الحداد يرحل في حادث غامض بتركيا

طرابلس/ بنغازي – مركز العرب
شهدت ليبيا خلال عام 2025 تطورات متسارعة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، عكست حجم التحديات التي تواجه البلاد في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، مقابل مساعٍ متواصلة لإعادة بناء الدولة وتعزيز الاستقرار، سواء عبر الحراك الداخلي أو من خلال الانفتاح على الشركاء الإقليميين والدوليين.

مصرع رئيس أركان الجيش الليبي في تحطم طائرة بعد إقلاعها من أنقرة
قال رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، في بيان رسمي، إن الاتصال فُقد بالطائرة أثناء عودتها من مهمة رسمية في العاصمة التركية أنقرة، قبل أن يتم لاحقاً تأكيد سقوطها ومصرع جميع من كانوا على متنها. وأوضح أن الحادث أسفر أيضاً عن وفاة عدد من القيادات العسكرية والمسؤولين، هم رئيس أركان القوات البرية الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري العميد محمود القطيوي، ومستشار رئيس الأركان محمد دياب، إضافة إلى المصور في مكتب الإعلام العسكري محمد عمر أحمد محجوب.
من جانبه، أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا العثور على حطام الطائرة الخاصة من طراز “فالكون 50”، التي تحمل الرقم 9H-DFJ، على بعد نحو كيلومترين جنوب قرية كسيكفاك في قضاء هايمانا، الواقع على مسافة تقارب خمسين كيلومتراً جنوب شرق العاصمة أنقرة. وأوضح أن الاتصال بالطائرة فُقد عند الساعة 20:52 مساء الثلاثاء، بعد دقائق من إقلاعها في تمام الساعة 20:10 متجهة إلى طرابلس.
وأضاف الوزير التركي، في منشور عبر منصة “إكس”، أن الطائرة أرسلت طلب هبوط اضطراري من محيط منطقة هايمانا، غير أن الاتصال انقطع معها بشكل كامل بعد ذلك، مؤكداً أن الطائرة كانت تقل خمسة أشخاص، بينهم رئيس أركان القوات المسلحة الليبية. وبثت قنوات تلفزيونية تركية خاصة مشاهد تُظهر وميضاً وإضاءة في السماء ناتجة عن انفجار، قرب الموقع الذي التُقطت منه آخر إشارة للطائرة.
وعلى الصعيد الليبي، نعى القائد العام للقوات المسلحة الليبية المشير خليفة حفتر الفريق أول ركن محمد الحداد، معرباً عن خالص تعازيه وصادق مواساته إلى أسرة الفقيد وإلى قبيلته ومدينته والشعب الليبي كافة، وكذلك إلى منتسبي القوات المسلحة. وأكد حفتر، في بيان نعي، أن المؤسسة العسكرية فقدت أحد رجالاتها الذين أدوا واجبهم بكل تفانٍ ومسؤولية، وتحملوا الأمانة في مراحل حساسة من تاريخ الوطن.
كما تقدم حفتر بالتعزية إلى اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في وفاة الفريق الفيتوري غريبيل، أحد أعضائها، مشيداً بدوره الوطني ومشاركته في مساعي تثبيت الاستقرار ودعم المسار العسكري المشترك.

القيادة العامة.. شراكات متعددة ونشاط دبلوماسي
وفي هذا الإطار، برزت زيارة نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن صدام حفتر، إلى الفرقاطة المصرية «سجم بورسعيد 976» الراسية في قاعدة بنغازي البحرية، كإحدى المحطات المهمة في مسار التعاون العسكري الليبي – المصري. وكان في استقباله آمر اللواء الأول مدمرات بالقوات البحرية المصرية، وآمر الفرقاطة العميد أحمد المصري، حيث جاءت الزيارة ضمن جهود تعزيز التعاون البحري وتبادل الخبرات في مجالات التدريب والتأهيل، بما يسهم في رفع الجاهزية العملياتية لدى الجانبين.
وأكد الفريق أول ركن صدام حفتر، خلال الزيارة، عمق العلاقات الليبية – المصرية، وما تشهده من تنسيق مستمر وتعاون متنامٍ في مختلف المجالات العسكرية، مشددًا على أن هذا التعاون يمثل ركيزة أساسية لحماية المصالح المشتركة وتعزيز أمن واستقرار المنطقة.
وعلى الصعيد الدولي، استقبل نائب القائد العام للقوات المسلحة، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي، قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، في زيارة رسمية تاريخية، شهدت عقد اجتماع موسع بين الجانبين، وتوقيع اتفاقية تعاون مشترك بين القوات المسلحة الليبية والجيش الباكستاني. وهدفت الاتفاقية إلى توسيع مجالات التعاون الأمني والعسكري، وفتح آفاق جديدة للتنسيق المشترك، بما يدعم جهود الاستقرار الإقليمي.
وشهد الاجتماع حضور عدد من قيادات القوات المسلحة الليبية، إلى جانب قيادات ورؤساء الأركان بالجيش الباكستاني، حيث جرى تبادل وجهات النظر حول ملفات ذات اهتمام مشترك، واستعراض مجالات التعاون القائمة والمستقبلية. وأكد الفريق أول ركن صدام حفتر حرص القائد العام للقوات المسلحة، المشير أركان حرب خليفة حفتر، تعزيز الشراكة الثنائية مع باكستان، مجددًا ترحيبه بهذه الزيارة التي تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين.
وفي السياق ذاته، استقبل القائد العام للقوات المسلحة، المشير أركان حرب خليفة حفتر، قائد الجيش الباكستاني والوفد العسكري المرافق له، في مقر القيادة العامة ببنغازي، بحضور نائب القائد العام ورئيس الأركان العامة وعدد من القيادات العسكرية. وأُقيمت مراسم استقبال رسمية، أكدت عمق العلاقات التاريخية الليبية – الباكستانية، وأهمية البناء عليها بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
وعلى الصعيد الداخلي، كثّف القائد العام للقوات المسلحة متابعته للملفات الاقتصادية والخدمية، حيث عقد اجتماعًا موسعًا ضم رئيس الحكومة الليبية الدكتور أسامة حماد، ورئيس جهاز الأمن الداخلي الفريق أسامة الدرسي، ونائب محافظ مصرف ليبيا المركزي مرعي البرعصي، ووكيل وزارة الداخلية اللواء فرج قعيم. وناقش الاجتماع أزمتي السيولة والوقود، والإجراءات العاجلة لمعالجتهما، إضافة إلى آليات التنسيق بين الجهات المختصة لضمان استقرار الوضع المالي والخدمي.
وأكد القائد العام، خلال الاجتماع، أن قوت المواطن خط أحمر لا يجوز المساس به، مشددًا على ضرورة الوقوف على الأسباب الحقيقية وراء أزمتي السيولة والوقود، ووضع حلول عملية وسريعة تضمن حماية مصالح المواطنين وتخفيف الأعباء المعيشية عنهم.

حراك دبلوماسي وعسكري مكثف
وفي إطار الانفتاح على الشركاء الدوليين، استقبل القائد العام للقوات المسلحة وفد الاتحاد الأوروبي، الذي ضم سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو، وقائد عملية «إيريني» البحرية الأدميرال ماركو كاسابييري، ورئيس بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية «يوبام» يان فيشيتال، بحضور نائب القائد العام ورئيس الأركان العامة. وناقش اللقاء التطورات المحلية والإقليمية، وسبل تعزيز التعاون في ملفات أمن الحدود، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات.
وأكد القائد العام أهمية دور الاتحاد الأوروبي في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، فيما أشاد الوفد الأوروبي بجهود القيادة العامة في تأمين الحدود البرية والبحرية وتحقيق الاستقرار في ليبيا، مؤكدين استمرار التعاون المشترك في هذا الإطار.
كما استقبل القائد العام للقوات المسلحة قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون، والقائم بأعمال السفارة الأمريكية لدى ليبيا جيرمي برنت، بحضور نائب القائد العام ورئيس الأركان العامة. وشهد اللقاء بحث آفاق تعزيز التعاون الأمني والعسكري، خصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف والهجرة غير الشرعية، إلى جانب تطوير برامج التدريب المشترك وفتح مجالات تعاون اقتصادية وتجارية تخدم المصالح المتبادلة.
وعلى مستوى الأمن القومي، عقد نائب القائد العام للقوات المسلحة اجتماعًا موسعًا ضم مستشار الأمن القومي ووزير الداخلية وعددًا من القيادات الأمنية والعسكرية، ناقش خلاله التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وسبل تعزيز التنسيق المشترك، وتأمين الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين. وأكد الفريق أول ركن صدام حفتر ضرورة توحيد الجهود وتفعيل غرف العمليات المشتركة واعتماد خطط عملية لحماية الأمن القومي.
وفي بُعدٍ اجتماعي وتنموي، واصل نائب القائد العام سياسة التواصل المباشر مع المواطنين، حيث قام بزيارة إلى منطقة الجغبوب، حظي خلالها باستقبال واسع من مشايخ وأعيان وأهالي المنطقة. وأكد خلال اللقاء أن الجغبوب تمثل ركيزة أساسية في مسار التنمية بالجنوب الشرقي، مشددًا على حرص القيادة العامة على دعم الاقتصاد المحلي، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، بالتوازي مع الدور الوطني للقوات المسلحة في حماية الوطن وتأمين حدوده.
ويعكس هذا المشهد المتكامل من التحركات واللقاءات، حجم الحراك الذي شهدته ليبيا خلال عام 2025، في إطار رؤية تهدف إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز حضور الدولة، وبناء شراكات إقليمية ودولية فاعلة، مع وضع المواطن واحتياجاته المعيشية في صدارة الأولويات.

أزمة السيولة.. الوجع اليومي للمواطن
مع مطلع العام، تصدّرت أزمة السيولة النقدية المشهد اليومي للمواطنين، حيث تكررت مشاهد الازدحام أمام المصارف وتأخر صرف الرواتب، ما ألقى بظلاله على الحركة الاقتصادية والقدرة الشرائية، وأثر بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي. ورغم إعلان مصرف ليبيا المركزي عن حزمة من الإجراءات، شملت تفعيل منظومة «راتبك لحظي» وسحب بعض الفئات النقدية من التداول والتوسع في الدفع الإلكتروني، فإن الأزمة استمرت، في ظل تحديات مرتبطة بالإنفاق العام والانقسام المؤسسي وضعف الثقة في المنظومة المصرفية.
وفي موازاة الضغوط المعيشية، شهدت الساحة الليبية جدلًا واسعًا حول عدد من المشاريع العامة؛ كان أبرزها افتتاح المتحف الوطني في طرابلس، الذي أثار تباينًا في ردود الفعل بين من اعتبره خطوة لإحياء الهوية الثقافية، ومن رأى فيه مشروعًا لا يتناسب مع أولويات المواطن في ظل نقص الخدمات الأساسية. وقد عكس هذا الجدل حالة الاستقطاب السياسي بين حكومتي الشرق والغرب، واختلاف الرؤى بشأن ترتيب أولويات الإنفاق العام.

جدل المشاريع التنموية.. بين “الإسراف” و”الهوية”
اقتصاديًا، سجلت ليبيا خلال 2025 مؤشرات إيجابية على مستوى الأرقام الكلية، حيث توقعت مؤسسات مالية إقليمية ودولية نمو الاقتصاد الليبي بنسبة تجاوزت 14 %، مدعومًا بارتفاع الإنتاج النفطي واستقرار نسبي في سعر صرف الدينار ومعدلات التضخم. كما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن زيادة الإنتاج اليومي، إلى جانب تسجيل اكتشافات نفطية جديدة. غير أن هذا التحسن الاقتصادي لم ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، في ظل استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط، وتحديات التوزيع والحوكمة المالية.
وفي شرق البلاد، برزت مشاريع إعادة الإعمار في مدن بنغازي ودرنة وعدد من المناطق الأخرى، حيث شملت أعمال تطوير البنية التحتية، وإعادة تأهيل المرافق الخدمية، وتنفيذ مشاريع في قطاعات التعليم والصحة والنقل. وأسهمت هذه المشاريع في تحريك النشاط الاقتصادي المحلي وتوفير فرص عمل، فيما رافقتها مطالبات بتعزيز الشفافية وضمان عدالة التوزيع الجغرافي للتنمية.
وعلى صعيد تنويع الاقتصاد، شهد العام إطلاق عدد من المبادرات والمشاريع؛ من بينها مشاريع زراعية في الجنوب، وخطط لتفعيل المنطقة الحرة في سرت، إلى جانب دراسات لتحديث بعض المصافي النفطية بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد. كما توسعت العلاقات التجارية مع بعض الدول، إلا أن هذه الجهود بقيت محدودة الأثر في ظل التحديات السياسية والمالية.

اقتصاد ينمو.. ومواطن لا يشعر
وبنهاية عام 2025، بدت ليبيا أمام مشهد مركّب يجمع بين تحسن في بعض المؤشرات الاقتصادية، واستمرار معاناة المواطن اليومية، في ظل تحديات سياسية وأمنية قائمة. وبينما تتواصل المشاريع والمبادرات، يظل الاستقرار الشامل مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وترجمة الموارد المتاحة إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



