كريستين مرجس جرجس تكتب.. “النهوض نحو التنمية المستدامة”

لم يعد الحديث عن البحث العلمي رفاهية فكرية، أو مسارًا أكاديميًا منعزلًا عن الواقع؛ بل أصبح شرطًا حقيقيًا لدخول الدول عصر التنمية المستدامة وتحقيق تنمية اقتصادية قائمة على المعرفة؛ فالتجارب الحديثة تشير بوضوح إلى أن الدول التي وضعت البحث العلمي في صميم عملية صنع القرار، استطاعت ترسيخ اقتصاد قوي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة وإدارة الأزمات والتغيرات التكنولوجية المتسارعة.
وبتسليط الضوء على الحالة المصرية، أصبح الأمر أكثر وضوحًا؛ إن تطوير منظومة البحث العلمي باتت ضرورة استراتيجية مرهونة بتحسين كفاءة السياسات العامة، ودعم الابتكار المحلي، وتعزيز القدرة الإنتاجية في القطاعات الحيوية، والجدير بالإشارة تموضع مصر في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، فقد جاءت في المركز 86 عالميًا من أصل 139، في ترتيب يعكس وجود قاعدة علمية وبشرية قادرة على التطور، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة ومستوى توظيفها الفعلي داخل الاقتصاد الوطني.
ومن واقع تحليل مسارات التنمية في دول مختلفة، يتضح أن المعضلة لا ترتبط فقط بحجم التمويل، بل بضعف الربط بين مخرجات الجامعات واحتياجات السوق، وغياب منظومة متكاملة لتحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية حقيقية.
تقدم تجربة إسرائيل مثالًا واضحًا على كيفية تحويل البحث العلمي إلى محرك اقتصادي مباشر، حيث جاءت في المركز 13 عالميًا في المؤشر ذاته نتيجة تبنيها سياسات عملية ركزت على تشجيع البحث التطبيقي، وبناء شراكات حقيقية بين الجامعات والشركات، وتوفير بيئة تنظيمية مرنة تسمح بالتجريب والابتكار، فضلًا عن الاستثمار المبكر في التعليم العلمي وربط الأبحاث بالاحتياجات الاقتصادية الفعلية.
ومن الممكن تطبيق ذلك في السياق المصري؛ كالعمل على تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في البحث والتطوير، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية أمام الباحثين، وإنشاء منصات مشتركة بين المؤسسات الأكاديمية والصناعية لتطوير حلول عملية للمشكلات الوطنية.
كما أن دعم ثقافة الابتكار داخل المؤسسات التعليمية وتطوير مهارات الباحثين في التفكير التطبيقي وريادة الأعمال، يمثلان عنصرين حاسمين في تحويل البحث العلمي من نشاط نظري إلى قوة إنتاجية حقيقية.
وفي النهاية، فإن الانتقال من وضع متأخر نسبيًا في مؤشرات الابتكار إلى مسار تنموي مستدام لا يتحقق عبر زيادة الإنفاق فقط، بل عبر تبني رؤية وطنية تجعل البحث العلمي أداة مركزية في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وتعيد تعريف دور الجامعات والمراكز البحثية باعتبارها شريكًا مباشرًا في التنمية، وليس مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، وهو ما يمثل الخطوة الأولى نحو بناء اقتصاد مصري حديث قائم على المعرفة والابتكار وقادر على المنافسة الإقليمية والدولية في عالم سريع التغير.



