//atef
رأي

د. محمد جبريل العرفي يكتب.. كارثة الجبل الأخضر: أسبابها وآثارها ودروسها والمواقف المتباينة حيالها

بداية نترحم على الشهداء الذين ارتقوا نتيجة هذه الفاجعة.
أسباب الكارثة عالمي ومحلي: فتصرفات الدول الصناعية دمرت الغلاف الذي يحمي الأرض من أشعة الشمس؛ نتيجة انبعاث ثاني أكسيد الكربون؛ بحرقها للوقود الأحفوري، مما يرفع درجة الحرارة فيزيد تبخر الماء فيحدث العواصف المطرية، فوادي درنة في يوم واحد استقبل 5 أضعاف قدرته الاستيعابية، هذه العاصفة فوق البحر المتوسط لن تكون الأخيرة؛ فعاصفة التنين قادمة، والقادم أسوأ بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض التي زادت 1.1 درجة عما كانت عليه قبل بداية الثورة الصناعية في القرن 19. وإذا لم يوقف حرق الوقود الأحفوري، سترتفع 5.5 درجة خلال نصف قرن، وستتسارع وتيرة الزلازل والفيضانات، وسيرتفع التسونامي عن مستوى سطح البحر ثلاثة أمتار، أي ارتفاع طابق سكني، ليغمر منشآت السواحل. المسؤولية تقع على الدول الصناعية، التي من واجبها التوقف عن حرق الوقود الأحفوري للتقليل من انبعاث ثاني أكسيد الكربون، ومسؤولة عن التعويض وفق ما تقرر في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 بإنشاء صندوق لتعويض الدول النامية عن الخسائر والأضرار جراء التغيير المناخي.

السبب المحلي للكارثة هو سوء الإدارة والفساد، لكون البنية التحتية وحياة المواطنين وأرزاقهم ليست من أولويات حكومات النهب.
نفذت ليبيا 16 سداً بناءً على دراسات علمية من قبل شركات عالمية متخصصة، ولكون درنة خبرت فيضانات، ففي أكتوبر 1942 جرف الفيضان معدات الجيش الألماني إلى البحر وفيضان أكتوبر 1959 الكارثي، وفي أكتوبر 1968 لهذا وضعت الثورة من أولوياتها حماية المدينة من الفيضانات بإقامة السدود، علاوة على وظيفتها في منع انجراف التربة وتنمية الغطاء النباتي، وتغذية مخزون المياه الجوفية والمساهمة في توفير المياه للزراعة والاستهلاك البشري.
عام 1970 تم تكليف شركة (هيدروه بروجيكت) اليوغسلافية بدراسة الجريان السطحي للمياه، ونفذت عام 1973 سد بومنصور وسد البلاد.
وفي سياق متصل، اعتمد عام 83 المخطط العمراني الحديث لمدينة درنة، ونقل السكان إليه مقابل تعويضات مجزية، وتحويل المدينة القديمة إلى معلم سياحي. لكن سكان المدينة القديمة رفضوا مغادرتها.
في أكتوبر 1986 حصل فيضان هائل لكن لم تحدث أضرار لأن السد خفف منها، ونظرا لانتهاء العمر الافتراضي للسد، وللتطور العلمي عن تقنية السبعينات تم عام 2003 تكليف شركة (استوكي) السويسرية لمشاريع البنية التحتية بدراسة وادي درنة، وعلى أثره تم التعاقد عام 2007 مع شركة ارسيل التركية لصيانة وإعادة تأهيل السدين بقيمة 39 مليون دينار (32 مليون دولار)، باشرت الشركة في تنفيذ المشروع لكن عام 2011 تم نهب معدات الشركة، وسرقة صمامات السد وتخريب معداته، ومما فاقم الكارثة فشل الأجهزة المسؤولة عن اتخاذ الإجراءات الاحترازية للعاصفة رغم أنها كانت متوقعة منذ مدة. وكذلك فوضى البناء العشوائي في مجرى الوادي.
ولم تلتفت الإدارة لأجراس الإنذار من خطورة وضع سد درنة، كالبحث الرصين للدكتور عبدالونيس عاشور/ كلية الهندسة جامعة عمر المختار، المنشور عام 2022 بمجلة جامعة سبها للعلوم البحتة والتطبيقية بالإضافة لندوات علمية بالمدينة.
رغم حجم الخسائر فقد وحدت الكارثة الليبيين، وأظهرت تصالحهم وتعاطفهم مع بعضهم، فغابت الاختلافات ومظاهر التقاتل وأظهرت ليبيا وطنا موحدا. فشكلوا إدارة شعبية تطوعية وتقاطرت أرتال الإغاثة على الجبل الأخضر من كل أنحاء ليبيا، ساهم فيها أفراد ومنظمات وقبائل وبلديات. رغم وجود نمشات كبعض التجار الذين وصل بهم الجشع الى رفع ثمن الأكفان، كما أن ضعف كفاءة آلية توزيع مواد الإغاثة مكن ضعاف النفوس من الاستحواذ على جزء منها وحرمان غيرهم.
كما أظهرت الكارثة قدرة القوات المسلحة كأداة قوية ومنظمة ومضحية لمواجهة الكوارث رغم الحصار وشح التمويل، وتسندها أجهزة أمنية محترفة، فقدنا العشرات من شبابنا في عمليات الإنقاذ.. المرضى (بحفترفوبيا) حاولوا التوظيف السياسي للكارثة بالإنقاص من الجهود ومحاولة تشويهها، ولكن هؤلاء كانت أصواتهم نشازا وغارقة في هدير أصوات الجماهير الشعبية المتضامنة مع أشقائها في الشرق.
وفي المقابل وقف أغلب الجيش الميليشياوي في الغرب الليبي موقف المتفرج، رغم البذخ عليه من أموال الشعب الليبي. كما أظهرت الكارثة عمق الشعور القومي عند الأشقاء وخاصة مصر التي دفعت بآلاف المتخصصين في الإنقاذ ووفرت تجهيزات فاعلة في عمليات الإنقاذ. وسخرت الخطاب الديني للتضامن مع الشعب الليبي وتخفيف آثار الكارثة عنه، فقد قال شيخ الأزهر: “على الشعوب الإسلامية أن تنتفض لمساعدة الليبيين في محنتهم”، في مقابل مفتي الإرهاب عندنا نشر خطاب شماتة ودعا للاستغفار والتوبة، وكأن حربنا لتنظيمات التكفير والإرهاب معصية للخالق.
موقف حكومة الدبيبات لا يقارن بموقفها من زلزال تركيا عندما طارت العميلة بملايين الدولارات تبرعا لأسيادهم الأتراك.
أظهرت الكارثة عورة الحكومات المتلاحقة التي عجزت عن صيانة البنية التحتية القائمة وتوفير معدات الإنقاذ والإسعاف رغم أنها تنفق 100 مليار دينار سنويا نُهبت بالمشاريع الوهمية وتمويل الميليشيات وشراء الذمم ومواقف الدول. بينما ليبيا كان لديها أكبر أسطول إسعاف طائر في شمال إفريقيا، متكون من 32 طائرة إسعاف بطواقمها. لكن أولويات (الدبيباتشيلد) شراء الطائرات المسيرة والسيارات المصفحة.
من الإنصاف أن نثمن قرار وزير الداخلية بتشكيل لجنة رفيعة المستوى لجمع الاستدلالات بالواقعة كخطوة للإنصاف والعقاب، رغم أنه لا يغني عن طوفان يعيد ليبيا إلى أهلها، والجهة القادرة والمسؤولة هي القوات المسلحة، فلنؤجل الديموقراطية إلى ما بعد القضاء على هذه الفوضى.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى