تقارير ومنوعات

في حضن الغياب قصة قصيرة لهبة مسعود

في حضن الغياب
في بيتٍ صغير يختبئ بين أزقّة المدينة، جلست امرأة أمام النافذة. كانت الشمس تذوب ببطء خلف الغيوم .في حضنها رضيع، لم تكن عينيه قد اعتادتا الضوء ، ولا قلب أمه اعتاد وجوده بعد. كانت تعدّ أنفاسه، لا حبًّا، بل خوفًا. تعدّ الأيام، لا شكرًا، بل قلقًا تتمتم لزوجها.
– كم فمًا علينا أن نُطعم؟
لكنه أشار إلى السماء وقال ربنا لن ينسانا.
مرّت الأيام، وصار الطفل هشًّا كورقة في مهبّ المرض. عاونها أهل الحي بإحضار كل مايحتاج من أجهزة طبية كأنبوب اكسجين لكي يشفى. كانت دموعها تُذيب الصبر،وحرك فيها ما سكن.
ثم جاء الصباح الذي لم تبكِ فيه، لأن البكاء جفّ.
هدأ كل شيء…. وساد في البيت صمتٌ كثيف… صمت له شكل صغير، لا يُرى، لكنه يُثقل الهواء. اختفى رضيعها من حياتها. جلست على سجادة كانت مهملة. كأنها تذكّرت الطريق بعدما سقطت. لم تطلب، لم تعترض، فقط همست:
– الآن فقط… عرفت كم كنتُ غنية به. وراحت تجهش بالبكاء. كان زوجها، الذي لا يتحدث كثيرًا، يمسك بكفّها كل مساء. لا يعظ، لا يلوم، فقط يُصغي، ويصلّي معها. ومع الوقت، عاد النبض، لا في الطفل، بل فيها. صارت تقطف من الدعاء ما يكفيها لتعيش. ثم أتى طفل آخر، لا ليملأ الفراغ، بل ليذكّرها أن الفقد ليس النهاية، بل المعبر.
ومنذ ذلك الحين، كانت تُنصت أكثر. إلى صمت طفلها الغائب، إلى نسيم الفجر، إلى ربّها…
فقد تعلّمت أن بعض النِعم لا نُبصرها إلا في الغياب.
هبة مسعود
10/8/2025

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى