سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. غزة من حرب الإبادة إلى مشروع الترحيل

في غزة، لا تنتهي المأساة عند حدود الحرب. فالمجازر اليومية، وانهيار البنية التحتية، وتدمير البيوت فوق ساكنيها، ليست مجرد فصول من معركة عسكرية، بل مقدمات مدروسة لمخطط أكبر: تحويل القطاع إلى أرض طاردة، ودفع أهله نحو التهجير القسري. ما يحدث ليس حربًا تقليدية، بل حرب إبادة تمهّد الطريق لمشروع ترحيل يتكرر بصيغة جديدة بعد أكثر من سبعة عقود على نكبة 1948.
غزة اليوم تُقصف وتُحاصر وتُجوّع لتصبح الحياة فيها مستحيلة. المستشفيات تنهار، المدارس تُمحى، مصادر الماء والكهرباء تُقطع، والناس يُتركون بلا مأوى أو غذاء. في ظل هذه الظروف، يُدفع الفلسطيني قسرًا إلى التفكير بالرحيل. ليست المسألة قتل الجميع، بل قتل القدرة على البقاء.
التاريخ يعيد نفسه، لكن بوسائل أشد قسوة. عام 1948 هُجّر الفلسطينيون تحت وقع المجازر المباشرة، واليوم يُراد تهجيرهم تحت وقع الجوع والخوف والدمار الشامل. إنها نسخة مطوّرة من النكبة، حيث يُستبدل السلاح فقط بأدوات نفسية وإنسانية أكثر تدميرًا: الحرمان واليأس.
لو لم يكن هناك صمت دولي، لما استمر هذا السيناريو. بيانات “القلق العميق” و”الدعوات لضبط النفس” ليست سوى غطاء سياسي وأخلاقي لاستمرار المجزرة. إن الامتناع عن وقف هذه الجريمة هو مشاركة فعلية في صناعتها، وتواطؤ مكشوف يمهّد الطريق أمام مشروع الترحيل.
لكن في المقابل، برز الموقف المصري بوضوح كجدار سياسي صلب في مواجهة هذا المخطط. فمصر أعلنت رفضها القاطع لأي مشروع لترحيل الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، مؤكدة أن الحل لا يكون بتهجير الشعب من أرضه، بل بوقف حرب الإبادة فوراً وإنهاء الاحتلال. هذا الموقف لم يكن مجرد سياسة حدودية، بل تعبيرًا عن إدراك عميق لخطورة محاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير.
لا يقتصر التهجير على اقتلاع الناس من بيوتهم، بل يضرب النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني. أطفال يكبرون في خيام النزوح، عائلات تتفكك، مجتمع بأكمله يُعاد تشكيله في سياق من الفقدان والتشرد. إنها ليست مجرد معركة على الأرض، بل معركة على الذاكرة والهوية والكرامة.
رغم كل ذلك، يختار الفلسطينيون البقاء. أن تعيش في بيت مهدّم أفضل من أن تُقتلع إلى المجهول. أن تواجه الموت في أرضك أهون من أن تُسلَب وطنك. البقاء أصبح فعل مقاومة يومي، وسدًّا منيعًا أمام مشروع الترحيل. لأن الخروج من غزة يعني سقوط المشروع الوطني الفلسطيني بالكامل.
ما يجري في غزة اليوم امتحان للضمير الإنساني. الصمت جريمة، واللامبالاة مشاركة في التهجير. على المجتمع الدولي أن يتحرك بخطوات فعلية، لا أن يكتفي بالبيانات المكررة. وعلى الشعوب العربية والإسلامية أن ترفع صوتها عالياً، فغزة ليست مجرد قضية سياسية، بل مرآة لكرامة الأمة كلها. إن ترك غزة وحيدة وصمة عار لن تُمحى.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



