رأي

 عبدالرحمان الأشعاري يكتب.. روبرت فيسك «أيقونة الصحافة العالمية»

الكاتب باحث وإعلامي مغربي.. خاص منصة العرب الرقمية

“ليس عليك أن تقرأ الجريدة، بل أن تصبح المراسل”. العبارة المختصرة أعلاه هي تصريح أدلى به أحد أشهر وأبرز الصحفيين والمراسلين الدوليين للموقع الكندي CBC، للتأكيد على مدى أهمية حضور الصحفي بنفسه في مواقع الأحداث حتى يتمكن من نقل الحقيقة كاملة لجمهور القراء.

إنه الصحفي البريطاني روبرت فيسكRobert fisk ، مراسل صحيفة The Independent الواسعة الانتشار داخل وخارج المملكة المتحدة، الذي قضى ما يناهز الأربعون سنة في متابعة وتغطية الأحداث الساخنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، وثورة الخميني الإيرانية، والحرب الأهلية اللبنانية والحرب العراقية الإيرانية، ومذبحة صبرا وشاتيلا، والغزو العراقي للكويت، والحرب الأهلية في الجزائر، إلى الاحتلال الأمريكي للعراق والحرب على الإرهاب، وثورات ما يسمى بالربيع العربي خلال سنة 2011.

ولادته ومساره المهني

ازداد روربرت فيسك Robert Fisk في مدينة ميدستون البريطانية بتاريخ 12 يوليوز 1946، وأخذ  تعليمه الأولي في مدرسة “ياردلي كورت” Yardley Court الإعدادية، ثم في مدرسة “ساتون فالينس “Sutton Valence، لينتقل بعد ذلك إلى جامعة “لانكستر (Lancaster)، حيث حصل على درجة البكالوريوس في شعبة اللغة الإنجليزية، ثم كلية “ترينيتي “Trinity في دبلن حيث أكمل أطروحة عن حياد أيرلندا خلال الحرب العالمية الثانية أهلته للحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية خلال سنة 1983.

أظهر شغفه وحبه الشديد لمهنة الصحافة منذ سن مبكرة، إلا أنه كان في كل مرة تحدث عن الموضوع يلاقي معارضة قوية من طرف أبويه، اللذين ظلا متمسكين بموقفهما إلى أن توفيا، ابتدأ أولى تجاربه المهنية مع صحيفة “صنداي إكسبرس” (Sunday Express) في لندن، لكنه بسبب خلاف مع أحد المحررين انتقل للعمل كمراسل لصحيفة “التايمز” (The Times)، وسافر باسمها إلى البرتغال حيث قام بتغطية “ثورة القرنفل” خلال سنة 1974، ليتوجه بعد ذلك إلى العاصمة اللبنانية بيروت حيث اشتغل هناك مراسلا متخصصا في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ليلتحق خلال سنة 1989 بصحيفة “الإندبندنت” the Independent، حيث أنجز معظم رصيده الإعلامي، واستمر في هذه الصحيفة إلى أن وافته المنية.

رجل المهمات الصعبة    

من السمات التي تميز الصحفي روبرت فيسك Robert Fisk عن غيره من الصحفيين الدوليين، أنه صحفي جريء وشجاع، لا وجود للخوف في حياته، يكتب في الملفات الشائكة ويقتحم الأماكن الوعرة، ويحاور الشخصيات الغامضة، التي يصعب الوصول إليها.

فقد قام بتغطية أحداث واضطرابات سياسية عنيفة في منطقة الشرق الأوسط، مثل الحرب الأهلية اللبنانية وكان شاهدا على مذبحة صبرا وشاتيلا  (1975 – 1990)، والثورة الإيرانية ( 1978 – 1979)، والحرب الإيرانية العراقية (1980 – 1988)، بالإضافة إلى حرب البوسنة والهرسك، والحرب الأهلية في الجزائر وغيرها من الحروب.

التقى العديد من الأسماء الكبيرة، وأجرى مجموعة من المقابلات الصحفية Interview، من بينها ثلاث مقابلات أجراها مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الشخصية المثيرة للجدل، ونشرتها صحيفةThe Independent  سنوات 1993، 1996، و1997، محققا بذلك سبقا صحفيا لم يصل إليه آخرون، ومن بينها أيضا مقابلتين صحفيتين مع كل من زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني، والرئيس الأسبق لدولة العراق صدام حسين.

لروبرت فيسك Robert Fisk، خط تحريري خاص به اكتسبه من خلال تجربته وخبرته في الكتابة في مجال الصحافة الاستقصائية، يقول في هذا الصدد: “يجب أن تكون قادرا على الكتابة بشغف، ويجب أن يكون لديك حرية الكتابة بغضب والإشارة إلى الأشرار، فإذا رأيت مذبحة، لا أتردد في قول من قام بها، ولماذا تمت على هذا النحو، وفي هذا السياق”، وذلك حسبما جاء في موضوعٍ نشره موقع “CJPME” الكندي، عن الصحفي المُخضرم، روبرت فيسك.

ويضيف في ذات السياق موضحا: “عندما نفشل نحن الصحفيون في نقل حقيقة الأحداث لقُرائنا، فإننا لم نفشل فقط في عملنا، لكن نكون أيضا قد أصبحنا طرفا في الأحداث الدموية، التي من المفترض أن نقوم بتغطيتها، فإذا لم نتمكن من قول الحقيقة حول إسقاط طائرة مدنية -لأن هذا سيضر جانبنا في الحرب، أو لأنه سيُقدم إحدى الدول في دور الضحية، أو لأنه قد يُزعج مالك جريدتنا- فإن هذا سيسهم في نشر الأحكام المسبقة، التي عادة ما تثير الحروب في المقام الأول، وهنا يمكن للصحافة أن تكون قاتلة”.

وهو الشيء الذي استغله خصومه وانهالوا عليه بوابل من الانتقادات والاتهامات، مشككين في حياديته كصحفي، بسبب معارضته لحرب العراق، وانتقاده لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

كتب وتقارير وجوائز

خلف روبرت فيسك Robert Fisk، الذي توفي يوم 30 أكتوبر 2020، إثر إصابته بسكتة دماغية بمنزله الكائن بمدينة دبلن الأيرلندية، مجموعة من الكتب والمؤلفات فضلا عن العديد من التقارير والتحقيقات الصحفية، أبرزها كتاب “الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة” (The Great War for Civilization) نشر في 3 مجلدات، المجلد الأول “الحرب الخاطفة”، والمجلد الثاني “الإبادة”، والمجلد الثالث “إلى البرية”، وكتاب “ويلات وطن”، وهو مؤلف كتبه عن الحرب الأهلية اللبنانية وغزو إسرائيل للبنان خلال سنتي 1978 و1982، ثم كتاب “عصر المحارب: مقالات مختارة” خلال سنة 2008.

عبدالرحمان الأشعاري:روبرت فيسك

عرض خلال سنة 2019، الفيلم الوثائقي “This is not a movie”، الذي أخرجه المخرج الكندي يونج تشانج Young tchanj، في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي (TIFF)، وهو فيلم يروي مسيرة روبرت فيسك Robert Fisk الصحفية، المراسل الصحفي الذي وصفته صحيفة “New York Times” بأنه “ربما أشهر مراسل أجنبي في بريطانيا”.

ويتضمن هذا الفيلم عرضًا للقطاتٍ أرشيفيةٍ، وصورٍ لـ “فيسك”، أثناء عمله في أيرلندا الشمالية، في السبعينيات، وكذلك خلال تغطيته لبعض الأحداث، مثل مذبحة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في صبرا وشاتيلا.

الفيلم الوثائقي تم عرضه أيضا في الفترة الأخيرة في مهرجانين آخرين هما، مهرجان كوبنهاجن الدولي الوثائقي، الشهير باسم“CPH:DOX“، ومهرجان “Doc Edg“، الذي استمر في الفترة من 12 يونيو، إلى 5 يوليو، من السنة المنصرمة.

مسيرة صحفية حافلة وموفقة لهذا الصحفي المخضرم، ستتوج بفوزه بمجموعة من الجوائز الدولية من بينها، جائزة منظمة العفو الدولية للصحافة البريطانية (وقد حصل عليها مرتين)، ثم جائزة الصحفي الدولي البريطاني للعام (وفاز بها 7 مرات).

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب 

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى