رأي

نبيل أبو الخير يكتب.. صراع الأجيال وحصار الإنجاز: كيف تقتل بِيئَة الأحزاب كفاءاتها الجديدة؟

الباحث المتخصص فى العلوم السياسية والاستراتيجية وادارة الازمات والتفاوض الدولى

تُعد الأحزاب السياسية في جوهرها أوعية ديمقراطية متجددة، تُفترض فيها القدرة على استيعاب التحولات المجتمعية وتجديد دماء كادرها القيادي باستمرار لتظل معبرة عن تطلعات الشارع وطموحاته. غير أن الاستقراء العميق لواقع العمل الحزبي والسياسي يكشف في كثير من الأحيان عن صراعٍ مكتوم، لكنه حاد ومؤثر، تدور رحاله بين طليعة “الناجحين الجدد” من الكفاءات الشابة والتكنوقراطية المبتكرة، وبين جدار “القدامى” أو ما يُعرف بالحرس القديم. هذا الصراع لا يقف عند حدود الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر أو تباين الرؤى الإيدولوجية، بل يتحول في أحايين كثيرة إلى حرب تنظيمية ونفسية ممنهجة تُستهدف فيها الكفاءات الجديدة لتهميشها وإقصائها، مما يشكل تهديداً مباشراً لمستقبل الكيان الحزبي ذاته.

تتعدد الأسباب والدوافع التي تجعل الحرس القديم ينظر إلى الوافدين الجدد بوصفهم تهديداً وجودياً لمركزيتهم بدلاً من كونهم رافداً قوياً يُعزز مكانة الحزب. فمع مرور السنوات، يتمكن القدامى من احتكار مراكز صنع القرار، والسيطرة على اللجان السياسية والإعلامية، وبناء شبكات نفوذ ومنافع مع القيادة العليا. ومن هذا المنظر، فإن دخول عناصر جديدة تمتلك رؤى عصرية، وأدوات حوكمة حديثة، وقدرة على التواصل الفعال مع المجتمع، يُربك المعادلة القائمة ويهدد بسحب بساط النفوذ من تحت أقدامهم. يضاف إلى ذلك التمسك بشرعية “الأقدمية التاريخية”، حيث يعتقد البعض أن سنوات البقاء داخل الحزب تمنحهم حصانة دائمة وحقاً حصرياً في الإدارة، فيرون في القفزات السريعة والنجاحات المشهودة للجدد خروجاً على قواعد اللعبة الحزبية الكلاسيكية.

إن أدوات المواجهة التي يلجأ إليها القدامى لا تعتمد غالباً على التنافس البرامجي الشريف أو تقديم المبادرات الأفضل، بل تتخذ من “العبث بعقل القيادة” والوشاية وسيلة رئيسية لتحقيق مآربهم. يستغل القدامى قربهم التاريخي ومساحات الأمان المتراكمة مع رئيس الحزب لغرس الشكوك حول دوافع الجدد، وإيهام القيادة بأن نجاح الكوادر الجديدة ليس إلا طموحاً شخصياً يسعى للإطاحة بالقيادة والتأسيس لمرحلة جديدة تلغي تاريخ الحزب. يرافق ذلك تهميش تنظيمي حذر، يتمثل في إسناد مهمات جليلة في الشكل ومفرغة من الصلاحيات والقدرات التنفيذية في المضمون، حشراً للناجحين الجدد في زاوية الإخفاق المفبرك، أو تصدير مقولات شائعة تُشكك في خبرتهم الميدانية ووعيهم بالواقع السياسي.

أمام هذا الضغط المتواصل والانصياع القيادي لأصوات النميمة والتشكيك، يجد الناجحون الجدد أنفسهم أمام خيار أخلاقي ومهني مفصلي. فالشخص الذي يمتلك سجلاً حافلاً بالإنجازات، ويسعى لبناء مؤسسة حزبية قوية ومؤثرة، لا يقبل أن يظل طاقة مستنزفة في معارك جانبية لا طائل منها. ومن هنا، يأتي قرار الرحيل ليس هروباً من المواجهة، بل صيانة للاسم والتاريخ المهني، ورفضاً صريحاً للمشاركة في بيئة عمل تُعلي من شأن الولاءات الضيقة وتُحارب الكفاءات الحقيقية. إن خروج هذه الطاقات يمثل خسارة تنظيمية وفكرية لا تُعوض، إذ يفرغ الحزب من العقول المخططة والمنفذة برؤية استراتيجية شابة.

إن التبعات الفادحة لهذا السلوك الإداري والسياسي لا تقف عند حدود رحيل الأفراد، بل يتدحرج أثرها ليصيب الحزب بـ “الشيخوخة التنظيمية” والعزلة عن الشارع. عندما يُدرك القواعد والشباب أن المعيار الحقيقي للترقي والاستمرار داخل الحزب هو طول البقاء والانصياع للبطانة السلبية، وليس الكفاءة والابتكار والإنجاز، يفقد الحزب قدرته على الاستقطاب، وينكفئ على ذاته مجرد هيكل شكلي يخلوا من الفاعلية. وتظل النصيحة الإدارية والسياسية الأهم لكل قيادة حريصة على استمرار كيانها: إن حماية الكيان وتطويره لا يكونان بالارتهان لأمجاد الماضي والمنصاعين لها، بل بامتلاك بصيرة نافذة تُفرق بين نقد المخلص الساعي للبناء، وهمس المنتفعين الخائفين على مكاسبهم الشخصية.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى