صدور العدد الجديد من مجلة كل خميس

صدر اليوم الخميس 23 يوليو 2026 العدد الجديد من مجلة كل خميس التى تصدر عن مؤسسة رسالة السلام العالمية
وجاء هذا العدد محمّلًا بملف خاص يدور حول مقال علي محمد الشرفاء الحمادي «الصلاة على النبي»، باعتباره نصًا إشكاليًا أثار سؤال المعنى قبل سؤال الترديد، وأعاد توجيه النقاش من دائرة الممارسات الشائعة إلى دائرة المقاصد القرآنية والوظيفة الأخلاقية للدين في حياة الناس. وقدّم العدد الجديد هذه المادة بوصفها نقطة انطلاق لحوار متعدّد الزوايا، لا لتكرار المألوف، بل لإعادة تفكيك المفهوم واستعادة مناطه: العمل والمسؤولية والاتساق بين القول والفعل.
ينطلق مقال علي محمد الشرفاء الحمادي من نقد مباشر لفكرة تحويل «الصلاة على النبي» إلى عادة لسانية تُستعمل كمصدر طمأنينة نفسية أو ضمان ثواب سريع، ويضعها في ميزان قرآني يرفض تعويض الخلل الأخلاقي بترديد الألفاظ. ويعيد المقال تعريف الأمر الإلهي بالصلاة على النبي في سياقه بوصفه صلة واعية بالرسالة التي جاء بها، لا مجرد صيغة تُقال، معتبرًا أن المقصود يتصل بالتسليم بمنهاج القرآن الذي بلّغه النبي وباتباع قيمه وتشريعاته، وأن معيار القرب والجزاء هو العمل الصالح لا التكرار الصوتي. كما يوسّع المقال دائرة النقاش إلى نقد ثقافة دينية سائدة روّجت لوهم “الشفاعة المريحة” بوصفها مخرجًا يخفف عبء المسؤولية الفردية، ويستند في ذلك إلى آيات تؤكد مبدأ المحاسبة الفردية وتُضعف سرديات الاتكال التي تجعل التدين طقسًا يطمئن الضمير دون أن يُصلح السلوك. وفي امتداد هذا الطرح، يتعامل المقال مع مفهوم «الصلاة» بوصفه معنى وظيفيًا بحسب الفاعل: صلاة الله تكريم وتأييد، وصلاة المؤمنين صلة بالمنهاج ودعم للرسالة عبر الالتزام بها، وبذلك يقدّم قراءة تُحاكم النتائج الأخلاقية للتدين؛ فإذا لم تُثمر الرحمة والعدل والإحسان وردّ الحقوق، فإن الشكل الظاهر يبقى بلا أثر حقيقي. هذا الموقف يضع المقال في قلب السجال حول العلاقة بين النص القرآني والموروث الروائي، ويجعل القضية الأساسية هي تحرير التدين من “السلوك الشكلي” نحو “المسؤولية القيمية” التي تتجسد في المعاملة والضمير اليومي.
بينما تناول مقال ما قل ودل جوهر الأمر الإلهي بالصلاة على النبي والذي اوضح انه لا ينبغي أن يُختزل في ترديدٍ لفظيٍ متكرر يطمئن النفس دون أن يغيّر السلوك، بل يجب أن يُفهم في سياقه القرآني بوصفه صلةً واعية برسالة النبي ومنهجه؛ أي التسليم بما بلّغه من القرآن، والالتزام بالتشريع والقيم التي جاء بها، والعمل الصالح الذي يترجم الإيمان إلى واقع. وذهب إلى أن تحويل الصلاة على النبي إلى “ضمان ثواب سريع” أو “تعويض عن التقصير” يفتح باب الاتكال ويضعف مبدأ المسؤولية الفردية، مؤكدًا أن معيار النجاة والحساب هو ما يكسبه الإنسان من أعمال، لا ما يردده لسانه من صيغ، وأن أي فهم لا يثمر عدلًا ورحمةً وأمانةً وإصلاحًا يظل فهمًا ناقصًا مهما بدا شائعًا.
وتتواصل معالجة الملف داخل العدد عبر مقال ركّز على الفجوة بين كثرة الأذكار وتنامي مظاهر الظلم والفساد، معتبرًا أن الخلل يبدأ عندما تتحول العبادات إلى ممارسة صوتية تُستخدم لتسكين القلق بدلاً من تهذيب السلوك، وأن معيار التدين لا يُقاس بارتفاع الشعارات بل بانخفاض الأذى، وبالقدرة على كفّ اللسان واليد عن الناس، وبالصدق والأمانة والعدل في تفاصيل الحياة اليومية. وقدّم المقال قراءة ترى أن الذكر الحقيقي هو الذي يوقظ الضمير ويضغط باتجاه الإصلاح، لا الذي يمنح شعورًا زائفًا بالاكتفاء الروحي.
وفي مقاربة تربوية تعليمية، تناول أحد مقالات العدد كيف يُصنع التدين الشكلي منذ الطفولة عبر أنماط تعليم تُكافئ الحفظ والترديد أكثر مما تُكافئ السلوك القيمي، وكيف يترسخ في ذهن الطفل أن التدين هو “إجابة صحيحة” في الامتحان لا “فعل صحيح” في الواقع، ثم يكبر وهو قادر على التعايش مع التناقض بين النصوص التي يتعلمها وبين الممارسات التي يراها. وطرح المقال أن الإصلاح يبدأ من فلسفة التربية نفسها: ربط العبادة بوظيفتها الأخلاقية، وجعل القدوة اليومية والإنصاف والرحمة أدوات تقييم حقيقية، وتحويل القيم من مادة تُقال إلى ممارسة تُرى وتُقاس.
كما تضمن الملف مقالًا نقديًا تناول خطاب الوعاظ وشيوخ الدين في تسويق الثواب السريع، موضحًا أن جزءًا من الأزمة يتمثل في صناعة تدين “سهل” يعد الناس بنتائج فورية مقابل أفعال لفظية محدودة، بينما تتراجع في الخطاب مساحة الحديث عن ردّ المظالم وإصلاح الأثر والمحاسبة الذاتية. واعتبر المقال أن هذا النمط يُنتج وعيًا دينيًا مُخدّرًا؛ يتعامل مع الدين بوصفه وصفات جاهزة للطمأنينة، لا بوصفه مشروعًا أخلاقيًا يتطلب كلفة ومسؤولية، داعيًا إلى استعادة خطاب يوازن بين الرجاء والتكليف، وبين الرحمة والعدل، وبين الذكر والتغيير السلوكي.
وفي زاوية فكرية إصلاحية، قدم مقال آخر قراءة تعتبر النقاش كله دعوة لإعادة مركزية القرآن بوصفه المرجعية الحاكمة، مع تحرير الدين من تراكم تراثي غير منضبط حين يتحول إلى سلطة تسبق النص المؤسس أو تُقاس عليه. وأوضح المقال أن المشكلة لا تكمن في التراث بوصفه جهدًا بشريًا، بل في تحويله إلى معيار نهائي يُعطّل التدبر ويُهمّش المقاصد الكبرى للقرآن، مؤكدًا أن الإصلاح يبدأ من إعادة ترتيب المرجعيات: القرآن أولًا، ثم ما سواه يُوزن به ولا يُزاحمه.
وفي سياق مقاصدي، ناقش مقال المقصد الحقيقي للأمر الإلهي بالصلاة على النبي، وذهب إلى أن الاقتصار على الذكر اللفظي يُفقد الأمر وظيفته، بينما ينسجم المقصد مع معنى الصلة بالرسالة والتسليم بمنهاجها والعمل بمقتضاها. وركّز المقال على أن القراءة المقاصدية لا تنكر قيمة الذكر، لكنها تضعه في موضعه كوسيلة تذكير ودفع نحو الالتزام، لا كبديل عن العمل ولا كتعويض عن التقصير.
واختتم الملف مقال يؤكد مبدأ «كل نفس بما كسبت رهينة» بوصفه قاعدة حاكمة تُسقط ثقافة نقل المسؤولية للأنبياء أو الأولياء، ويرى أن الاتكال على ضمانات رمزية يضعف معنى المحاسبة الفردية ويُنتج تدينًا اتكاليًا يتهرب من مواجهة الأثر. وقدّم المقال طرحًا واضحًا مفاده أن النجاة ليست بالانتساب ولا بالشعارات، وإنما بالصدق في التوبة وبرد الحقوق وبالعمل الصالح الذي يترجم الإيمان إلى واقع ملموس.
يرأس مجلس تحرير مجلة كل خميس الاستاذ محمد الشنتناوى.



