رأي

صبري الديب يكتب.. يوم تصديت للهجوم على مصر من فوق منصة البرلمان الإيراني

في عام 2014، تلقيت دعوة من جمهورية إيران الإسلامية للمشاركة في مؤتمر حول “دور الإعلام في محاربة الإرهاب”، عُقد بالعاصمة طهران. ورغم الموقف السلبي للنظام الفارسي من الثورة المصرية في ذلك الوقت، لا سيما بعد الإطاحة بنظام الإخوان، والمردود غير المحسوب الذي قد يعود عليَّ جراء تلبية الدعوة خلال تلك الفترة الحساسة التي كانت تمر بها البلاد، فإن شغفي باكتشاف هوية تلك الدولة التي كانت بالنسبة لي مغلفة بالمئات من علامات الاستفهام، دفعني إلى المغامرة وقبول السفر.

ورغم غرابة المؤتمر، الذي بدا وكأنه شكلي، فإنني وجدت نفسي منذ اللحظة الأولى محاطًا بقدر كبير من الاهتمام والكرم واللقاءات الدسمة مع مجموعة من المرجعيات الدينية، التي لم أتردد في محاورتها بكل حرية وترحاب، كان أبرزهم “آية الله عباس الكعبي”، عضو مجلس خبراء القيادة، والمرجع الشيعي “آية الله أحمد المبلغي”، رئيس جامعة المذاهب الإسلامية في طهران، فضلًا عن زيارة لمؤسسة السينما، التي شاء الحظ أن نكون خلالها أول من يشاهد فيلم “محمد” في العالم، خلال مرحلة المونتاج، إلى جانب زيارات سياحية لعدد من معالم طهران التي تشم في كل شبر من شوارعها رائحة التاريخ.

وأذكر أنه في اليوم الثالث من الزيارة، تم إبلاغنا بضرورة الاستعداد للتحرك صباح اليوم التالي إلى مقر البرلمان الإيراني، للقاء السيد “ناصر سوداني”، رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان، مع الوضع في الاعتبار ضرورة ترك جميع الهواتف والكاميرات بالفندق، حيث سيقتصر التصوير على الكاميرات الرسمية، نظرًا لوجود رئيس الجمهورية “حسن روحاني” داخل البرلمان في ذات التوقيت، للحصول على موافقة المجلس على تعيين وزير جديد للعلوم.

ولأنني كنت أعلم موقف القيادة الإيرانية من الثورة المصرية، لا سيما بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، فقد كان لزامًا عليَّ أن أستعد جيدًا للقاء، خاصة بعد السجال الذي دعا الدكتور “بدر عبد العاطي”، المتحدث باسم الخارجية المصرية في ذلك الوقت، إلى الخروج ورفض تصريحات وزير الخارجية الإيراني، التي اعتبرتها مصر تدخلًا في شؤونها الداخلية.

وبالفعل، تحركت بنا الحافلة في شوارع طهران، التي كانت حركتها تسير منذ الصباح الباكر كخلية النحل المتناغمة، حيث لا وجود لزحام أو تلوث أو آلة تنبيه تصدر من سيارة واحدة. غير أنه خلال الطريق، لفت انتباهي مبنى ضخم تبدو عليه الأهمية، فسألت رئيس المؤتمر، الذي كان مرافقًا لنا، عن هوية ذلك المبنى، فأجابني: “إنها وزارة الداخلية”. فقلت متعجبًا: “كيف؟ وأين الحراسات والمتاريس؟”. قال: “نحن لا نضع متاريس أو حراسات إلا في أضيق الحدود”. فصمت متعجبًا ولم أعلق.

وما هي إلا دقائق حتى توقفت بنا الحافلة في شارع يكتظ بالسيارات والبشر، وطلب منا رئيس المؤتمر النزول. فقلت له: “ألسنا في طريقنا إلى البرلمان؟”. فرد: “نعم، هذا هو مبنى البرلمان على الجانب الآخر من الطريق”. فوقفت في ذهول من وجود مقر بمثل هذه الأهمية في مثل هذا الموقع، دون وجود الحد الأدنى من الحراسة، لحماية رئيس الجمهورية وكامل الحكومة الإيرانية، الذين كانوا يتواجدون داخل البرلمان في تلك اللحظات.

وبالفعل، عبرنا الطريق، ودخلنا صفًا واحدًا عبر حواجز مرورية تم وضعها بمحاذاة السور الخارجي، تلاها جهاز تفتيش للحقائب والمتعلقات عادي للغاية. دخلنا بعده إلى حديقة واسعة، لم يتواجد بداخلها سوى سيارة شرطة يتكئ عليها شرطي واحد، على بعد أمتار من المبنى الرئيسي، الذي يبدأ بصالة واسعة للغاية، لم يتواجد بداخلها سوى شابين يجلسان أمام شاشة تلفزيون ضخمة، يتابعان جلسة البرلمان.

ولأن الهدوء كان يخيم على المكان، سألت رئيس المؤتمر: “أين تدور وقائع هذه الجلسة؟”. فأشار إلى باب على بعد 3 أمتار قائلًا: “هنا”. فقلت متعجبًا: “أخلف هذا الباب يتواجد رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وكامل أفراد الحكومة وأعضاء البرلمان، دون أدنى حراسة بالداخل أو الخارج؟”. فأجاب بكل سهولة: “نعم”.

وفي تلك اللحظات، حضر موظف بالبرلمان، واصطحبنا إلى قاعة ضخمة، وأخبرنا بأن رئيس لجنة الطاقة سيكون معنا فور انتهاء الجلسة. وبالفعل، بعد دقائق قليلة، دخل النائب “ناصر سوداني”، وقام بالترحيب بنا، وجلس على المنصة ومعه رئيس المؤتمر، الذي طلب من الحضور ترشيح شخص للإنابة بالمنصة. وكانت مفاجأة لي عندما استأذن في ترشيحي، وبالفعل وافق الجميع، وصعدت إلى منصة البرلمان الإيراني لمشاركتهم في إدارة الجلسة.

وبمجرد أن بدأ “سوداني” حديثه، حدث ما توقعته، حيث شن الرجل هجومًا على مصر، معتبرًا موقفها الرافض للتدخل الإيراني في شؤونها الداخلية ذريعة لتبرير عدم القدرة على إدارة شؤون البلاد، وصرف أنظار العالم عن حقيقة الأحداث على الأرض”.

وهنا كان لا بد أن أتدخل، فسحبت الميكروفون مقاطعًا النائب الإيراني، قائلًا بحدة: “بالتأكيد لك الحق في أن تقول ما تشاء، ولكن بالتأكيد لي الحق أيضًا في التعقيب كيفما أشاء”. فرد “سوداني” قائلًا: “بالتأكيد لك كل الحق في التعقيب كيفما تشاء”.

غير أن تدخلي جعل “سوداني” يخفف من حدة حديثه عن مصر بشكل كبير، حيث أكمل قائلًا: “مصر بلد عريق، ونحن نؤمن بضرورة العودة بالعلاقات معه إلى سابق عهدها المزدهر، غير أننا لم نسمع نداءً حسنًا خلال حكم مبارك، وكانت فترة حكم مرسي قصيرة للغاية، والآن ننتظر لنرى ماذا سيفعل نظام السيسي الجديد، الذي لم نستشف من مواقفه الأولية رؤية مبنية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، رغم استعدادنا لتقديم كل الدعم والتعاون لعودة العلاقات متى ما توافرت الإرادة لدى النظام المصري”.

وفور انتهاء “سوداني” من كلمته، أخذت الكلمة مرحبًا بالجميع، وقلت: “أعتقد أن النظام في إيران مطالب بمراجعة سياساته تجاه مصر خاصة، والدول العربية عامة، قبل المطالبة بتطبيع العلاقات، لا سيما أنه هو من أقدم على تسمية أحد أكبر شوارع طهران باسم قاتل الرئيس المصري الراحل أنور السادات، بل وتمادى وأنتج فيلمًا يجسد اغتيال الرئيس المصري الراحل، أطلق عليه “إعدام فرعون”.

وأضافت قائلًا: “ليس هذا فحسب، بل ما زالت إيران تواصل احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث “طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى” منذ عام 1971، وتتمادى في مشروعها التوسعي إلى حد بات لها اليد الطولى في عواصم عربية مثل “لبنان وسوريا والعراق والبحرين واليمن”، وجميعها عوامل تتطلب من النظام الإيراني مراجعة النفس، قبل المطالبة بتطبيع العلاقات، مثلما طالب معالي النائب الموقر”.

وهنا أمسك رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان الإيراني بالميكروفون مرة أخرى، موجهًا حديثه لي قائلًا: “وإذا أردنا تغيير اسم “شارع خالد الإسلامبولي” كبادرة حسن نية، فماذا تقترح أن نسميه؟”. فرددت على الفور: “شارع الرئيس السيسي”.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى