صبري الديب يكتب.. سياسة احتواء الكواحيل

أقسم أن هناك مسؤولين في هذا البلد، يفتقدون لأدنى درجات الحنكة السياسية، وأن وجودهم في مواقعهم بات خطرًا على الدولة والنظام، وأنه لو تم منح الأمر لالد أعداء النظام الفرصة للتآمر وتأليب الرأي العام، ما خرجوا بأسوأ مما يخرج عن هؤلاء الساسة من قرارات غير مدروسة، تضرب صميم الأمن الاجتماعي والسياسي لهذا البلد في مقتل.
فمنذ أيام قررت وزارة الكهرباء التنكيل بفقراء مصر من أصحاب العدادات الكودية، الذين تحمّلوا بصبر كل التبعات الثقيلة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي منذ 2016، وقررت حرمانهم من نظام التشريح التدريجي المطبّق على كل المصريين، ومحاسبتهم بسعر موحد يبلغ 274 قرشًا عن كل كيلو وات من الكهرباء، بدلًا من السعر الطبيعي الذي يتراوح بين 68 و95 قرشًا طبقًا لاستهلاكهم الذي يقع بين الشريحتين الأولى والثالثة، ما ضاعف فاتورة الاستهلاك من أقل من 200 جنيه إلى نحو 1000 جنيه شهريًا.
العجيب، أن خطوة وزارة الكهرباء التي تفتقد لأدنى درجات الحنكة السياسية، رفعت سعر محاسبة نحو 5 ملايين أسرة من المطحونين، بشكل يزيد بمراحل على السعر الذي تمنحه لأغنى أغنياء مصر، الذي يبلغ 258 قرشًا عن كل كيلو وات طبقًا لأعلى شريحة، وربطت عودة تطبيق التشريح التدريجي للفقراء بإتمام إجراءات التصالح في مخالفات البناء.
الغريب، أن الحكومة لا تزال تصر على جعل “قانون التصالح” بمثابة سوط لجلد المواطن الفقير دون ذنب، ومعاقبته على امتلاك وحدة سكنية متوسطة الحال تأويه وأسرته، لا سيما بعد أن وجد نفسه في عام 2020 أمام قانون جباية عقيم، ترك المخالفين الحقيقيين، ووضعه وأسرته أمام خيارين كلاهما مُر، فإما أن يسير في إجراءات معقدة ويسدد مبالغ طائلة عن مخالفات لم يرتكبها، أو يعيش داخل شقته البسيطة بلا كهرباء أو مياه أو غاز، بعد أن ربطت الحكومة إدخال المرافق بإتمام التصالح.
المؤسف، أن الحكومة والبرلمان يعلمان أن كل العمارات المخالفة التي تم تشيدها في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى العام 2019 تمت بأيدي مقاولين مخالفين، حظوا بمساندة علنية من مسؤولين وموظفين مرتشين بالإدارات الهندسية بمختلف مدن وأحياء مصر، وعلى الرغم من ذلك خلت كل مواد “قانون التصالح” من مجرد الإشارة لهؤلاء اللصوص، وحمّلت المواطن الفقير مسؤولية مخالفات لا يعلم عنها شيئًا.
كما أن الحكومة والبرلمان يعلمان أيضًا، أن أغلب المقاولين اللصوص وضعوا أسماء شخصيات مجهولة، يُطلق عليهم “الكواحيل” كواجهة في كل الأوراق الرسمية لتلك العمارات، لتقع عليهم كل المسؤولية، بعد أن حصلوا منهم على توكيلات ببيع وحدات المباني المخالفة، وساروا على ذلك النهج على مدار عقود، إلى أن اتخموا مصر بملايين الأبراج المخالفة، في غيبة من القانون، وحماية المنحرفين، وصمت كل الحكومات المتعاقبة، إلى أن تحوّل فساد البناء في مصر إلى سلوك.
والأكثر أسفًا، أن الحال ظل على ما هو عليه لسنوات، إلى أن عبّر الرئيس السيسي عن غضبه من الظاهرة، خلال إحدى جولاته الميدانية في 2019، وهنا فقط انتفض البرلمان والحكومة، وكأن المخالفات كانت مخفية، وأخرجا “قانون التصالح” غير أنه بدلًا من محاسبة المقاولين والكواحيل، ومعهم الموظفين المرتشين، تم احتواؤهم جميعًا، وتحميل المواطن الفقير كامل المسؤولية عن مخالفات وفساد عمره 70 عامًا.
والمضحك، أن الحكومة أوكلت تنفيذ القانون إلى ذات أجهزة المحليات التي حمت فساد البناء على مدار عقود، ومنحت فرصة جديدة للفاسدين للتربح، وفتح باب خلفي لتسهيل إدخال المرافق لمساكن الفقراء لمن يدفع بعيدًا عن أعين الحكومة، التي لا تزال تصر على تطبيق القانون المعيب على المطحونين جبرًا، مستخدمة هذه المرة سياط أسعار الكهرباء.
أتمنى أن تعيد الحكومة النظر للقضية بحنكة سياسية، وأن تنحاز لـ”الوطن والنظام والفقراء” بعيدًا عن سياسة “الجباية الجبرية” التي تُشعر المواطن بالسخط والغربة داخل وطنه، وأن تسارع بإعادة قانون التصالح المعيب إلى البرلمان، وتحميل مسؤولية تقنين المخالفات للصوص الحقيقيين، مع السماح للفقراء بتركيب جميع المرافق، وإعادة محاسبتهم وفق نظام التشريح التدريجي لاستهلاك الكهرباء مثل كل المصريين.. وكفى.



