صبري الديب يكتب.. حكومة الوزة

يحكى أنه في عام 1961، شرع مسرح الدولة في تقديم عرض مسرحي بعنوان “المفتش العام” قام بإخراجه الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي في قالب ساخر، تطلب في أحد مشاهده ضرورة وجود “وزة” مع الفنانين على خشبة المسرح، ما اضطر الإدارة إلى الاتفاق مع بائعة طيور، كانت تحضر كل مساء ومعها وزة، وتنتظر حتى انتهاء المشهد، وتعود بها في مقابل أجر قدره 25 قرشًا عن كل ليلة.
إلا أن إدارة المسرح اكتشفت بعد أيام، أن أجر الوزة مع نهاية ليالي العرض سيصل إلى أكثر من 100 جنيه، في حين أن ثمنها لا يزيد عن 5 جنيهات، فقررت شراء الوزة، والاحتفاظ بها بشكل دائم لصالح العرض، غير أنهم اكتشفوا بعد استلام الوزة، إنهم وقعوا في مشكلة قانونية عويصة، تفرض عليهم ضرورة تقديم فاتورة تفيد بأنهم أنفقوا 5 جنيهات من ميزانية العرض على شراء “وزة”، ما اضطرهم إلى الذهاب إلى سوق الطيور والبحث عن البائعة، ومطالبتها بتقديم فاتورة بالمبلغ.
ولأن السيدة البسيطة لم تكن تعلم معنى كلمة فاتورة من الأساس، حدثت مشادة كبيرة داخل السوق، سرعان ما تحولت إلى معركة، كادت أن تنتهي بكارثة، لولا تدخل كبار تجار الطيور الذين اقترحوا اصطحاب البائعة إلى حسابات المسرح، والتوقيع على مبايعة تفيد بأنها استلمت مبلغ 5 جنيهات في مقابل توريد الوزة.
العجيب أن معاناة موظفي مسرح الدولة مع الوزة لم تنته عن هذا الحد، حيث اكتشفوا بعد انصراف البائعة أنهم أمام مشكلة أكبر، وهي أن الوزة أصبحت طبقًا للقانون “مالًا عامًا مملوكًا للدولة” لابد من حمايته، وأن اللوائح تقضى ضرورة تسليمها للمخازن بموجب استمارة توريد، وأنه لابد أن يتسلمها موظف ويوقع عليه كعهدة، على أن يقوم بتسليمها كل ليلة للمسئولين عن العرض بموجب استمارة صادر، وإعادة إدخالها إلى المخازن بعد انتهاء العرض كل ليلة بموجب استمارة وارد.
ومع وصول الوزة إلى المخازن بعد أول ليلة عرض، اكتشف الموظفون أنهم أمام مشكلة أضخم، تفرض عليهم ضرورة الحفاظ على سلامة الوزة، خشية الاتهام بالإهمال والتفريط في المال العام، ما تطلب تخصيص عدد من الموظفين لتدبير جميع احتياجات الوزة على مدار الساعة، ما جعلها تعيش في الرغد والدلع لعدة أيام، إلى أن شاء حظها العثر أن ينشغل عنها الجميع ويتركونها يوم إجازه المسرح دون ماء أو طعام، لتسقط المسكينة صريعة دون ونيس، وعثروا عليها في الصباح جثة هامدة ملقاه وحيدة بين قطع الديكور.
ومع انتشار خبر وفاة الفقيدة قامت الدنيا ولم تقعد، حيث تحركت إدارة المسرح سريعًا وحررت محضرًا بموت “الوزة” وإبلاغ النيابة الإدارية التي وجّهت للموظفين تهمة الإهمال والتسبب في ضياع المال العام، وكاد الأمر يتطور ويتحول إلى النيابة العامة، لولا تدخل قيادات المسرح والاكتفاء بتحمل ثمن الوزة، وخصم 15 يومًا من رواتب الموظفين المقصرين.
للأسف، الواقع يقول إن السياسة التي تتعامل بها حكومة الدكتور مدبولي مع فقراء المصربين هذه الأيام لا تختلف كثيرًا عن “سياسة الوزة” التي تعاملت بها الحكومة مع موظفي مسرح الدولة قبل 65 عامًا، بدليل إصرارها غير المبرر على تطبيق قانون وقرارات مثل “التصالح في مخالفات البناء، ورفع أسعار الكهرباء على أصحاب العدادات الكودية، وحذف الآلاف من منظومة الدعم” والمضي في محاسبة البسطاء على مخالفات لا دخل لهم بها، وإدخالهم في دوامة من الإجراءات الروتينية العقيمة دون أدنى ذنب يذكر.
وجميعها إجراءات تؤكد وللأسف أن حكومة الدكتور مدبولي تفتقد فعليًا لأدنى درجات الوعي السياسي، ولا تدرك أهمية لمعنى الأمن الاجتماعي المصري، وأن خطورة المرحلة تفرض عليها البحث عن موارد بعيدا عن جيوب البسطاء، والتخلي عن كافة القوانين والقرارات التي تتطابق وسياسة الوزة، والتي وصلت بالمواطن المصري الفقير إلى الشعور بالغربة في وطنه، رغم تحمله كافة التبعات الموجعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي منذ عام 2016 دون أنين.. وكفى.



