سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. مصر والسعودية… حين يصبح الأمن العربي مسؤولية مشتركة

في لحظات التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية، تتجاوز القرارات السياسية والعسكرية حدود الدول التي تصدر عنها، لتصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز الموقف المصري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن دعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أمنها واستقرارها، بوصفه تطوراً يستحق القراءة والتحليل في ضوء العلاقات التاريخية بين البلدين، والتحديات التي تواجه المنطقة العربية.
إن الحديث عن إرسال قوات مصرية للدفاع عن المملكة العربية السعودية، وفق ما يجري تداوله بشأن القرار، يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مفهوم الأمن القومي العربي، وطبيعة التضامن بين الدول العربية، ومدى القدرة على تحويل العلاقات التاريخية إلى مواقف عملية تحمي سيادة الدول وتصون مصالح شعوبها.
تربط مصر والسعودية علاقات تاريخية ممتدة، تشكلت عبر عقود من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، كما تجمعهما مصالح استراتيجية تجعل التنسيق بينهما عنصراً مهماً في معادلات الاستقرار الإقليمي.
وتحتل المملكة العربية السعودية مكانة بارزة في العالم العربي، بالنظر إلى ثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي ومكانتها الدينية، فيما تمثل مصر بثقلها السكاني والسياسي والعسكري أحد الأطراف الرئيسية في المنطقة.
ومن هنا، فإن التضامن بين البلدين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد استجابة لظرف طارئ، بل بوصفه جزءاً من مسؤولية أوسع تتعلق بحماية الأمن العربي، والتعامل مع التحديات المشتركة، وتعزيز فرص الاستقرار، بعيداً عن اتساع دائرة الصراعات والمواجهات.
لا يمكن الحديث عن المواقف المصرية والسعودية بمعزل عن القضية الفلسطينية، التي ظلت على مدار عقود قضية مركزية في الوجدان العربي، ومقياساً مهماً لمدى الالتزام بحقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
لقد تحمل الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة نتيجة الاحتلال والحروب والحصار، ولا سيما في قطاع غزة، حيث خلفت الحرب دماراً واسعاً، وفقداناً للأرواح، ونزوحاً، وتراجعاً في مقومات الحياة، إلى جانب أزمات التعليم والصحة والاقتصاد.
وفي هذا السياق، برز الدور المصري في الوساطة بين الأطراف، والعمل على وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ورفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم. كما تمسكت مصر، في مواقفها المعلنة، برفض تصفية القضية الفلسطينية، ودعمت المسار السياسي الرامي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ومن جانبها، أكدت المملكة العربية السعودية دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض تهجيره، وتمسكت بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. كما ربطت الرياض موقفها المعلن بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل بإنهاء الحرب على غزة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتوفير مسار موثوق لتحقيق حل الدولتين.
هذه المواقف، على اختلاف أدوار البلدين وأدواتهما السياسية والدبلوماسية، تعكس أهمية استمرار الجهود العربية لحماية الحقوق الفلسطينية، ومنع فرض حلول تنتقص من تطلعات الشعب الفلسطيني أو تتجاوز حقه في إقامة دولته المستقلة.
لكن المسؤولية التاريخية تقتضي أيضا أن تتحول المواقف المعلنة إلى خطوات عملية مستدامة، تضمن حماية المدنيين، وإعادة إعمار غزة، ودعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان وعنف المستوطنين، وفتح أفق سياسي حقيقي أمام السلام العادل.
الدفاع عن الأمن ومنع اتساع الصراع
إن قرار إرسال قوات عسكرية إلى خارج الحدود، إذا ثبت صدوره بصيغته النهائية واستكملت إجراءاته الدستورية، يحمل أبعاداً سياسية وأمنية متعددة. فهو يرتبط بطبيعة التهديدات التي تواجه المملكة، وبمستوى التنسيق بين القاهرة والرياض، وبالمسؤوليات المترتبة على أي تحرك عسكري.
غير أن الدفاع عن أمن الدول ينبغي أن يترافق مع الحرص على عدم توسيع دائرة المواجهة، والعمل على احتواء الأزمات بالوسائل السياسية والدبلوماسية كلما أمكن ذلك. فالمنطقة العربية دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الحروب الممتدة، وأصبحت شعوبها بحاجة ماسة إلى الأمن والتنمية وإعادة البناء.
ومن هنا، فإن الحكمة في إدارة الأزمات لا تقل أهمية عن امتلاك القوة، كما أن تحديد أهداف أي مهمة عسكرية وضمان طابعها الدفاعي واحترام القانون الدولي تمثل عناصر أساسية لحماية الاستقرار.
من التضامن الثنائي إلى مشروع عربي مشترك
إن العلاقات المصرية السعودية يمكن أن تشكل ركيزة مهمة لتعزيز العمل العربي المشترك، إذا ما اقترنت برؤية أوسع تتجاوز التنسيق الأمني إلى التعاون الاقتصادي والتنموي والسياسي.
فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الحروب بقدر حاجتها إلى منظومة تحمي سيادة الدول، وتمنع الاعتداءات، وتدعم الحلول السلمية، وتعالج جذور الأزمات. كما تحتاج إلى استثمار إمكاناتها في التعليم والصحة وإعادة الإعمار، وتوفير فرص العمل للشباب، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات.
وتبقى فلسطين جزءاً أصيلاً من هذه الرؤية؛ إذ لا يمكن بناء استقرار إقليمي مستدام مع استمرار الاحتلال، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية، وغياب أفق سياسي ينهي الصراع على أساس العدالة والقانون الدولي.
خاتماً : أمن العرب وحرية فلسطين طريقان متلازمان
إن التضامن المصري السعودي، في مواجهة التحديات التي تهدد أمن المنطقة، يفتح المجال أمام تأكيد أن المصالح العربية المشتركة تحتاج إلى مواقف مسؤولة، وتنسيق مستمر، ورؤية استراتيجية توازن بين متطلبات الدفاع وضرورات السلام.
كما أن المواقف المصرية والسعودية تجاه القضية الفلسطينية تذكّر بأن الأمن العربي لا ينفصل عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وأن حماية الدول من الاعتداءات ينبغي أن تسير جنباً إلى جنب مع حماية الشعوب من الحروب والتهجير والاحتلال.
ومن موقعنا الفلسطيني، فإننا نتطلع إلى أن تتعزز هذه المواقف بخطوات عملية تسهم في إنهاء الحرب على غزة، وإعادة إعمارها، وحماية المقدسات، ووقف الاستيطان، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق حل الدولتين بما يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، والسلام لا يُبنى بتجاهل الحقوق. وإنما تنطلق المنطقة نحو مستقبل أكثر استقراراً عندما تتكامل حماية السيادة الوطنية مع احترام القانون الدولي، وعندما يصبح التضامن العربي قوة لحماية الإنسان وصون الكرامة وتحقيق الحرية والعدالة .



